الموضوع: نوازل الحج
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 09-12-2019, 04:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,654
الدولة : Egypt
افتراضي رد: نوازل الحج

نوازل الحج




د. عبدالله بن حمد السكاكر


والثاني يقع شمالاً عنه بحدود عشرة كيلو مترات في بلاد هذيل، ثم ينزل هذا الوادي، ثم يجتمع هذان الواديان في وادٍ واحد، فيمر في يلملم التي كانت ميقاتًا عصورًا طويلة، ثم تقريبًا بحدود الأربع مائة والألف هجرية خرج طريق الساحل مما يلي الليث والشعيبة تقريبًا، وكان قريبًا من الساحل، فنُقِل الميقات أو انتقل الناس وبدؤوا يُحرِمون من مسجدٍ أقيم على هذا الطريق في أسفل هذا الوادي. الوادي هذا ينطلق تقريبًا من الشمال الشرقي ويتجه إلى الجنوب الغربي بهذا الشكل، ولهذا حتى الذين نقلوا الميقات من موقعه الأول إلى موقعه الجديد على الطريق الساحلي نظروا إلى الوادي، فإنك لو تأملت الميقات الجديد وجدته أبعد من الميقات القديم، فلو كان في المحاذاة لوضعوه في موضعٍ تكون المسافة واحدة، لكنهم نظروا إلى الوادي، فالوادي ينزل حتى يقطع الطريق الجديد طريق الساحل، فجعلوا الميقات على تقاطع طريق الساحل مع هذا الوادي. وهذا الوادي ممتد؛ كأن النبي النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله ميقاتًا لكل مَن أتى من أهل اليمن عن طريق تهامة؛ إن أتى من أسفل فهو من طريق الساحل الآن، أو من أعلى فمن الذي كان الناس يحرمون منه سابقًا، ومن أتى من أعلى فإنه يحرم من أصول هذا الوادي ومن أعاليه. فهذا الوادي الذي هو يلملم لا شك أنه أقرب المواقيت إلى جدة، فإذا نظرنا إلى أعالي هذا الوادي - كما قلت لكم - أعلى هذا الوادي واديان؛ أحدهما قريب من منطقة الشفا بالطائف، وهذه المنطقة التي هي طرف الوادي من هنا، بينها وبين مكة بحدود ستين كيلو متر(60 كم)، وإذا أتينا إلى الفرع الشمالي منه الذي في بلاد هذيل، فإن المسافة بينه وبين الحرم لا تزيد على خمسين كيلو متر(50 كم)، فأهل العلم الذين قالوا بأن جدة ميقات، وأنها محاذية ليلملم، نظروا إلى أقرب نقطة من يلملم وقاسوا المسافة بينها وبين الحرم، ثم نظروا إلى المسافة بين جدة وبين الحرم، فوجدُوا أن المسافتين متساويتان؛ بل إن أوسط جدة وغرب جدة أبعد من أصول و أعالي وادي يلملم عن الحرم، وبناء على ذلك قالوا إنها تُعَدُّ محاذية ليلملم، وبالتالي فإنها ميقات من المواقيت. إذا قلنا إنها ميقات من المواقيت، وهذا القول هو الذي يظهر لي - والعلم عند الله سبحانه وتعالى - أنها ميقات فرعي؛ لمحاذاتها لوادي يلملم في أعاليه. فننتقل إلى مسألتين هما آخر المسألة.


* المسألة الأولى هي: إذا قلنا إن جدة ميقات فرعي، فالذي يأتي من جهة البحر مثلاً من السودان أو من مصر أو نحو ذلك، يأتي إلى جدة، هذا لا إشكال فيه؛ لأن هذا الميقات هو أول ميقات يصل إليه، فحينئذ يُحرِم منه، ولا خلاف بين مَن يقول هذا القول في أنه قد أحرم من الميقات، وأنه ليس عليه شيء أمام الله - سبحانه وتعالى - وأنه أحرم من الميقات الفرعي المقيس على الميقات الذي وقَّته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكن الإشكال هو في أمثالنا مثلاً، من يأتي مثلاً من القصيم أو من الرياض أو من الشام أو من اليمن، فيأتي عن طريق الطائرة مثلاً أو عن طريق السيارة، فيتجاوز قرن المنازل ويذهب إلى جدة، أو يتجاوز ذا الحليفة أو يتجاوز الجحفة ويذهب إلى جدة، ويقول لن أحرِم إلا من جدة، فما حكم هذا؟ أهل العلم يبحثون هذه المسألة في مسألة حُكْم تجاوز الميقات إلى ميقات آخر. يعني افترض أنك أنت مِن أهل المدينة، وأردت أن تعتمر، وقلت لن أحرم من ذي الحليفة ميقات أهل المدينة، وسأذهب إلى الجحفة فتعتمر من هناك، ما حكم هذا عند أهل العلم؟ المسألة فيها قولان عند أهل العلم: أكثر أهل العلم يقولون لا يجوز أن يتجاوز الإنسان ميقاتًا إلى ميقاتٍ آخر. وهذا يقول به كثير من أهل العلم، وعلى هذا مَن يذهب مِن هنا على الطائرة لا يجوز له أن يحرم من جدة؛ بل يجب عليه أن يحرم إذا حاذى السيل، أو حاذى ذا الحليفة، أو حاذى الجحفة، ولا يجوز له أن يتجاوز ذلك إلى الميقات الآخر وهو جدة، هذا هو القول الأول. واستدلوا لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذه المواقيت: ((هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن))، فإن من يأتي على أي ميقات من المواقيت، سواء كان من أهله أو من غير أهله، فإنه لا يجوز له أن يتجاوز إلا بإحرام.


ومن أهل العلم، وهو منسوب إلى الإمام مالك وأبي حنيفة و أبي ثور، وهو قبل ذلك مروي عن عائشة - رضي الله عنها - مَن يقول إنه يجوز تجاوز الميقات إلى ميقات آخر. فإنه قد ذكر أهل العلم أن عائشة - رضي الله عنها -كانت مقيمة في المدينة، فكانت إذا أرادت أن تعتمر أحرمت من الجحفة، وإذا أرادت أن تحج أحرمت من ذي الحليفة، فإذا أرادت أن تعتمر فلا شك أنها تجاوزت ذا الحليفة إلى الجحفة، وثبت أيضًا في الصحيحين من حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - أنه خرج مع المسلمين عام الحديبية، فالمسلمون أحرموا من ذي الحليفة، وأبو قتادة - رضي الله تعالى عنه - ما أحرم من ذي الحليفة، فالموفَّق بن قُدَامَة يقول إنه أحرم من الجحفة، فيكون أبو قتادة - رضي الله تعالى عنه - أيضًا مثل عائشة، تجاوز ميقاتًا إلى ميقاتٍ آخر. وأيضًا يمكن أن يُستدل لأصحاب هذا القول بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن))، فإذا أتيت إلى جدة، وإن كانت جدة ليست ميقاتًا لك، إلا أنك إذا أتيت من جهتها تصبح ميقاتًا لك، والذي يظهر لي - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن هذا القول هو الراجح؛ لأنه بالنظر إلى هذه المواقيت، نلاحظ أن هذه المواقيت جعلها الله - سبحانه وتعالى - حرمة للبيت الحرام، تعظيمًا لهذا البيت، فإن الله - عز وجل - جعل لبيته الحرام وللكعبة المشرفة ثلاث حرمات:


"حرمة المسجد، وحرمة الحرم، وحرمة المواقيت"، فأنت لو وضعت نقاطًا على كل منطقة - سواء كانت ميقاتًا أصليًّا أو فرعيًّا - لوجدت أنها تحيط بالحرم من كل جوانبه، فهي كما إذا أتيت هذا المسجد، فإذا دخلت مع هذا الباب، وتريد أن تخرج مع هذا الباب، ثم ترجع مرة أُخرى، هل نقول صلِّ تحية المسجد الآن أم إذا رجعت؟ نقول صلِّ تحية المسجد إذا أردت أن تجلس ولو مررت بالمسجد. فنحن نقول لمن دخل في حدود المواقيت ثم خرج أنه لم يُرِد الحج والعمرة في هذا الدخول، وبالتالي فإنه لا يجب عليه الإحرام؛ حتى يدخله مرة أُخرى بنيَّة الحج أو العمرة، تمامًا كما لو أن إنسانًا ذهب من هنا وهو يريد أن يمر بالمدينة، ويصطاف بالطائف لمدة أسبوع، ثم يرجع ويعتمر، ومن حين خرج من هنا وهو يريد العمرة؛ لكنه ما أرادها في الدخول الأول، دخل حدود المواقيت ثم خرج، ثم يريد أن يرجع مرة أُخرى، فهذا - والعلم عند الله سبحانه وتعالى - يجوز أن يتجاوز الميقات الأول إلى الميقات الثاني؛ لأنه لا يعتبر مُخلاًّ بهذا البيت إن دخل وخرج، ولا شك أن تأثيم ملايين المسلمين ليس من مقاصد الدين، ولا من أهداف الشريعة، فما دام أن الأمر يحتمل، وأن المسألة ليس فيها تجاوز لكتاب الله ولا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجاوزًا صريحًا، وأن هذا له مسوِّغ من كلام أهل العلم؛ فإنه لا معنى أن نذهب للقول الأشد، أو حتى الأحوط؛ لأن الأحوط أحيانًا يكون فيه حرج على مئات الملايين من المسلمين، الذين يأتون في كل عام للحج والعمرة.


* المسألة الثانية هي: هل جدة كلها ميقات أم لا؟ تعرفون أن جزءًا كبيرًا من الحجاج الآن ينزل في مطار الملك عبدالعزيز، فهل نقول إن مطار الملك عبدالعزيز ميقات؟ وجزء كبير ينزل في ميناء جدة الإسلامي. مدينة جدة واسعة جدًّا وطويلة، تمتد على البحر ما يقرب من سبعين كيلو متر، وبناء على هذا القول الذي أراه - والعلم عند الله سبحانه وتعالى – راجحًا؛ فإن جدة ليست كلها ميقاتًا، فمطار الملك عبدالعزيز ليس ميقاتًا، ولا يجوز لمن ذهب إلى جدة أن يحرِم من المطار؛ لأنه بالنظر إلى مطار جدة نجد أن بينه وبين الجحفة أقرب من المسافة بينه وبين يلملم، وقد قلنا في المحاذاة: إن المحاذاة أن تنظر إلى أقرب الميقاتين إليك، فبالنسبة إلى شمال جدة والمطار فإن الجحفة أقرب من يلملم، وبالتالي لا تكون محاذية حتى تكون المسافة بينها وبين الحرم كالمسافة بين الجحفة وبين الحرم، وإذًا فبناء على هذا القول الذي يعتبر ميقاتًا هو وسط وجنوب جدة، هذا هو الذي يعتبر ويعد ميقاتًا، بناء على هذا القول فالميناء الإسلامي وأوسط جدة وجنوب جدة وغرب جدة، هذا كله يعد ميقاتًا. وقبل أن أختم هذه المسألة فإني أقول إن هذه المسألة من المسائل الكبيرة والمهمة، التي تعم بها البلوى، والتي وردت فيها فتاوى كثيرة، ودرسها مَجمَع الفقه الإسلامي، وبحثها غير واحد من أهل العلم وطلابه، ومن أحسن من بحث هذه المسألة هو الشيخ عدنان العرعور -حفظه الله تعالى- في كتاب أو رسالة سماها "أدلة إثبات أن جدة ميقات"؛ لكني أقول إن هذه المسألة تحتاج إلى مزيد بحث، والذي أراه و أشير به وأدعو إليه، هو أن الجهات المختصة وولاة الأمر يُكلِّفون عددًا من طلبة العلم، ممن يرى هذا الرأي ويرى أن جدة ميقات، ويكلفون معهم عددًا من المختصين بعلم الجغرافيا، الذين عندهم القدرة والخبرة على قراءة الخرائط وقراءة الصور الجوية، وأن يجتمع هؤلاء ثم يبحثوا هذه المسألة بحثًا شرعيًّا، وينزلونها على الواقع، ويضعون المعالم لما يُعدُّ من جدة ميقاتًا، وما لا يعد منها ميقاتًا، ثم تعرض هذه المسألة وهذا البحث على هيئة كبار العلماء للنظر فيه، فإذا أقر فإنه ينزل على الواقع، وتوضع علامات في جدة للمواقيت، وأيضًا يستحسن أن يوضع في جدة - كما وضع في سائر المواقيت - مسجدًا يكون علامة على الميقات، بحيث إن الناس يُحرِمون منه، مَن أتى من طريق المطار أو من البحر أو من غيره، فيكون هذا مَعْلَمًا وميقاتًا مثل المساجد التي أقامتها الدولة - بارك الله فيها - في بقية المواقيت، هذا ما يسر الله - سبحانه وتعالى - وفتح به في هذة المسألة، أسأل الله - سبحانه وتعالى - السداد والتوفيق.


المجلس الثاني
فهذا هو المجلس الثاني من المجالس التي تعقد من الدورة المباركة؛ للحديث عن بعض نوازل الحج، وكنا تكلمنا في المجلس السابق عن نازلتين، وفي هذا اليوم نتحدث عما ييسره الله من هذه النوازل.
النازلة الثالثة: الإحرام بالإزار المخيط، أو ما يسمى في اللغة بالنقبة:
الإزار المخيط هو ما ظهر في هذا الوقت، وأفتى به مجموعه من أهل العلم وطلابه، وهو الإزار الذي يخاط جانباه، ويوضع في أعلاه تكة؛ إما من خيط أو مطاط أو سير أو نحو ذلك، وفي اللغة يسمى النقبة، وهو يشبه تمامًا ما تلبسه النساء في هذا الزمن ويسمى التنورة، فهذا هو الإزار الذي نريد أن نتحدث عنه.
ما حكم لبس هذا الإزار بالنسبة للمُحرِم من الرجال؟ أولاً قبل الحديث عن حكم هذه النازلة، أو هذا الإزار، نريد أن نتحدث عن بعض الأمور التي هي مقدمة وتوطئة؛ حتى نصل إلى حكم لبس هذا الإزار.


فأولاً ماذا يلبس المحرم؟ فقد ورد في السُّنة عدد من الأحاديث كلها تتحدث عما يلبسه المحرِم في إحرامه، ففي الصحيحين عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الروايات أنه كان في المدينة فسأله سائل فقال: "يا رسول الله، ما يَلبس المحرمُ؟"، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم -: ((لا يلبس القُمُص، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا الخفاف)). في هذا الحديث سأل هذا الرجل عما يلبسه المحرم، فأجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بما لا يلبسه المحرم. قال ابن حجر: "وهذا قمة في البلاغة والجزالة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عَلِم أن الممنوع محدود، والمباح مطلق؛ أعرض عما سأل عنه السائل، وبين المحصور المحدود؛ فقال: ((لا يلبس القمص ولا البرانس ولا العمائم ولا السراويلات، ولا ثوبًا مسه ورس أو زعفران))....الحديث". فهذا هو الحديث الأول في مسألة ما يلبسه المحرم.


الحديث الثاني هو ما في الصحيحين أيضًا من حديث يعلى بن أمية - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في الجعرانة في مرجعه من الطائف، فجاءه أعرابي فقال: "يا رسول الله، ما تقول في رجل أحرم في جبة، وتضمخ بطيب - يعني تلطخ بطيب –"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أما الطيب فاغسله ثلاثًا، وأما الجبة فانزعها)). فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم - أن ينزع الجبة.


الحديث الثالث الذي ورد في مسألة ما يلبسه المحرم حال إحرامه، هو ما رواه البخاري من حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال وهو يخطب بعرفات: ((ومن لم يجد الإزار فليلبس السراويلات، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين)). ففي هذا الحديث أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ورخص لمن لم يجد الإزار أن يلبس السراويلات، وبالمناسبة السراويل هذا هو المفرَد؛ لا على ما هو شائع في لهجتنا أنهم يسمونه السروال، لا؛ في اللغة العربية المفرَد السراويل. من خلال هذه الأحاديث الثلاثة قال أهل العلم إن المحرم ممنوع من لبس ما يُفَصَّل على قَدْرِ الأعضاء، وعبَّر بعض الأئمة عما يفصل على قدر الأعضاء بالمخيط، فقالوا لا يلبس المحرم المخيط، ومقصودهم بالمخيط ليس ما يخاط بالإبرة أو بالمكينة، أو نحو ذلك؛ لا وإنما قصدهم بالمخيط ما يخاط ويفصَّل على قدر أعضاء البدن؛ كالفنيلة والسراويل والثوب ونحوها، وهذه اللفظة لم تَرِد في السنة لا في حديث ابن عمر، ولا حديث يعلى، ولا حديث ابن عباس، ولا في شيء من كتب الحديث، كما أعلم. فالتعبير بأن المحرم لا يلبس المخيط إنما ورد عن بعض السلف، فانتشر وتداولته كتب الفقه، وتناقله الفقهاء بعضهم عن بعض، ومن خلال هذا النقل التبس هذا الأمر على كثير من الناس، فظن أن المقصود بالمخيط هو ما يخاط في الإبرة أو المكينة أو نحو ذلك. وهذا ليس مقصودًا للفقهاء على الإطلاق؛ فإنه بإجماع أهل العلم لو أن الإنسان عنده إزار، ثم شق هذا الإزار فخاطه ثم لبسه، أن ذلك جائز بإجماع أهل العلم. فليس المقصود بالمخيط هو الذي جرت به الإبرة أو المكينة أو نحو ذلك؛ وإنما المقصود بالمخيط هو ما يخاط ويفصل على قدر الأعضاء - كما قلت لكم – مثل: الفنيلة، والثوب، والمشلح، والبنطال، والسراويل...إلخ. هذا هو المقصود بالمخيط في لغة الفقهاء. ننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن المسألة التي نحن بصددها، وهي حكم لبس الإزار المخيط، الذي وُضع في أعلاه هذه التكة أو الربطة، وبعض الناس وضع له جيبًا يوضع فيه المال أو الجوال أو نحو ذلك. ما حُكْم لبس هذا الإزار؟ قبل أن ننتقل إلى الحكم، أحب أن أبيِّن أن اختلاف أهل العلم المعاصرين في حكم لبس هذا الإزار أو هذه النقبة، له سببان:


السبب الأول: هو أنه اختلفوا في ما يلبسه المحرم على أسفل بدنه؛ يعني من الحِقْوَيْن أو من الإزار أو من السرة. والذين اختلفوا في الإزار اختلفوا فيما يلبسه المحرم على أسفل بدنه: هل هو محدود أو غير محدود؟ فمن أهل العلم مَن قال إن ما يلبسه المحرم على أسفل بدنه غيرُ محدود؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما - لما سئل ما يلبس المحرم؟ أعرض عن سؤال السائل، وانتقل إلى ما لا يلبس، قال كثير من أهل العلم؛ كالحافظ ابن حجر وغيره، قالوا إن هذا النكتة البلاغية هي أن ما يلبسه المحرِم مطلقٌ واسع، لا حدَّ له؛ إنما الممنوع هو المقيَّد؛ فتَرَكَ النبي - صلى الله عليه وسلم – المطلقَ، الواسع، غير المحصور؛ لأنه لا مطمع في حده ولا حصره، وانتقل إلى ما يُمنع منه فذكره، وهو السراويلات. فما لا يُلبس على أسفل البدن هو السراويلات، فهؤلاء قالوا إن الممنوع محدود، وهو السراويلات وما كان في حكمها، وأما المباح المسموح فإنه غير محدود؛ فيَلبس المحرم إزارًا أو غيره مما شاء، المهم أن لا يكون من السراويل، ولا ما في حكمها. هذا هو القول الأول.


القول الثاني: الذين قالوا إن هذا الإزار، الذي قد خِيط طرفاه ووُضع فيه تُكة، إنه لا يجوز. قالوا العكس من ذلك، قالوا إن المباحَ في السنة لبسه على أسفل بدن المحرم محدودٌ؛ فقد حدده النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال وهو بعرفة: ((ومَن لم يجد الإزار فليلبس السراويل))، فقالوا هذا دليل على أن المباح فقط هو الإزار، وبالتالي فإنه لا يجوز أن يلبس على أسفل البدن إلا الإزار، وما كان في حكمه. واضح هذا الخلاف، القول الأول: يقول المحرَّم والممنوع محدودٌ، والمباح واسع. والقول الثاني: يقول بل المباح هو المحدود، والممنوع واسع؛ فالمباح فقط هو الإزار وما في حكمه. والحقيقة أن الذي يظهر لي رجحانه - والله سبحانه وتعالى أعلم - هو القول الأول؛ فإن الممنوع هو المحدودُ، والمباحَ مطلقٌ؛ فالممنوع هو السراويلات وما كان في حكمها. والدليل على أن هذا القول هو الراجح هو أن حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - الذي سئل فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عما يَلبس المحرِم، فأجاب بأنه: ((لا يلبس القمص و لا البرانس ولا العمائم ولا السراويلات)) أن هذا بالمدينة قبل أن يتلبس الناس في النسك.
يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.78 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.29%)]