تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد في الصلاة على المنبر
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ].يعقوب بن عبد الرحمن، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وهو القاري وليس القارئ؛ لأنه ليس إلى القراءة، وإنما هي نسبة إلى قبيلة، ولهذا يقال له: القاري وليس القارئ نسبة إلى القراءة.[ حدثني أبو حازم بن دينار ].أبو حازم هذه كنية اشتهر بها سلمة بن دينار الأعرج، وهو ثقة، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن سهل ].هو سهل بن سعد الساعدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت فيما مضى أن الذين يكنون بأبي العباس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما اثنان؛ ذكر بعض العلماء أن الذين يكنون بهذه الكنية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان، هما: سهل بن سعد هذا، وعبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أيضاً كنيته أبو العباس .
الصلاة على الحمار
شرح حديثي ابن عمر وأنس في صلاة النبي على الحمار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة على الحمارأخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن عمرو بن يحيى عن سعيد بن يسار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر ).أخبرنا محمد بن منصور حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا داود بن قيس عن محمد بن عجلان عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو راكب إلى خيبر، والقبلة خلفه ). قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحداً تابع عمرو بن يحيى على قوله: (يصلي على حمار). وحديث يحيى بن سعيد عن أنس الصواب موقوف. والله سبحانه وتعالى أعلم ].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب الصلاة على الحمار، وأورد فيه حديثين: أحدهما: حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، والثاني: حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وحديث عبد الله بن عمر فيه: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر، يعني: من المدينة وهو متوجه إلى خيبر، والشاهد من الحديث مطابق لما ترجم له، وهي: الصلاة على الحمار، وكذلك حديث أنس بن مالك دال على ما دل عليه حديث عبد الله بن عمر من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وهو متوجه إلى خيبر يصلي على حمار والقبلة وراءه، فالمقصود من ذلك صلاة النافلة؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي النوافل وهو على الدابة أينما توجهت، إلا أنه جاء في بعض الأحاديث أنه يبدأ بالصلاة، ويدخل بها وهو متوجه إلى القبلة، ثم يتجه إلى وجهته التي هو متجه إليها، فيصلي ويومئ بركوعه وسجوده، ويكون الإيماء بالسجود أخفض من الإيماء بالركوع.وقد ذكر النسائي رحمه الله بعد هذا أن ذكر الحمار فيه خطأ، وأن الصواب أنه على الدابة والراحلة، وفي حديث عبد الله بن عمر قال: إن عمرو بن يحيى لم يُتابع على قوله: (على حمار)، وإنما الذين رووا أحاديث صلاته صلى الله عليه وسلم على المركوب إنما ذكروا الدابة والبعير وما ذكروا الحمار، والذي تفرد بذكر الحمار هو عمرو بن يحيى المازني، وأنه كان يصلي على حمار، وغيره يقول: إنه كان يصلي على الدابة، أو يصلي على البعير، وعمرو بن يحيى هو الذي تفرد بذكر الحمار.وقال النسائي : إن حديث يحيى بن سعيد، يعني: الأنصاري عن أنس الصواب أنه موقوف، يعني: أنه من فعل أنس، وليس من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه هو الذي كان راكباً على حمار، يعني: أنس بن مالك هو الذي كان راكباً على حمار، فالصواب أنه موقوف، أي: أنه من فعل أنس بن مالك، وليس من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن العلماء من قال: إن ذكر الحمار في هذين الطريقين غير محفوظ، وأن المحفوظ إنما هو البعير أو الدابة، يعني: في الحديث الأول، وأما الثاني فقال النسائي : إن الصواب أنه موقوف، وأنه من فعل أنس بن مالك وليس من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن العلماء من قال: إن عمرو بن يحيى خالف غيره الذين ما ذكروا الحمار، ولكنهم ذكروا الدابة أو البعير، فيكون قولهم هو المحفوظ، ويكون عمرو بن يحيى هو الشاذ، والشاذ: هو الذي خالف فيه الثقة من هو أوثق منه، ومن العلماء وهو النووي من قال: إنه لا محذور ولا إشكال، بل يمكن أن يجمع بينهما، بأن يكون كان على دابة وعلى حمار، وأنه حكي هذا وحكي هذا، يعني: كونه على دابة، أي: البعير، أو على راحلة أو بعير، أو أنه على حمار، فيكون مرة كذا ومرة كذا، فيحتمل هذين الأمرين.ومن المعلوم أن الحمار إذا كان الإنسان راكباً عليه فإنه له أن يصلي عليه كما يصلي على البعير، وكما يصلي على الفرس، وإنما هذا يكون في السفر، ولا يكون في البلد وفي داخل البلد، وإنما يكون في السفر، يعني: حيث يكون الإنسان مسافراً فإنه يفعل ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء عنه التنفل على الراحلة إلا في حال السفر، وما جاء عنه في حال الحضر؛ لأن حال الحضر -كما هو معلوم- السير على الدابة يكون قصير، وينزل ويصلي كما يشاء على الأرض ركوعاً وسجوداً دون أن يكون هناك حاجة إلى الإشارة، لكن السفر الذي فيه السير وعدم النزول، ولو نزل يصلي لضاع عليه الوقت دون أن يقطع المسافة، فيجمع بين الأمرين بحيث يسير ويصلي، فلم يأتِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة على الراحلة أو على الدابة إلا في حال السفر، وبعضها جاء مطلقاً، فيكون محمولاً على المقيد، وكما ذكرت الفرق بين حال الإقامة وحال السفر؛ فالسفر يقتضي أن الإنسان يشتغل بالصلاة وهو راكب، وأما الحضر فإنه لا يحتاج الأمر فيه إلى ذلك؛ لأن السير فيه قصير، ويصلي الإنسان على الأرض كما شاء.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صلاة النبي على الحمار
قوله: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد ].قتيبة بن سعيد، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.وقوله (أنا) قتيبة بن سعيد، فإذا كان الرمز كما ذكر بلفظ (أنا)؛ فإنه ليس من عادة النسائي أنه يرمز أو أنه يأتي بالحروف المختصرة، وإنما يأتي بلفظ (أخبرنا) كما هو ديدنه وطريقته، وعادة المحدثين أنهم يرمزون أو يختصرون (أخبرنا) و(حدثنا)، وأما (أنبأنا) فإنهم لا يختصرونها؛ فـ(أنبأنا) لا تختصر ولا يرمز لها بالحروف، وإنما الرمز يكون لأخبرنا، فتأتي بلفظ أنا، وبلفظ أرنا، فإذا جاءت الهمزة مع (نا)، فالمراد أنها اختصار أخبرنا، وليست اختصار أنبأنا؛ لأن أنبأنا لا تختصر، فليس من عادتهم أن يختصروها، وأن يرمزوا لها بالحروف، وإنما التي عادتهم فيها أن يختصروها هي أخبرنا وليست أنبأنا، وحدثنا كذلك يختصرونها فيقولون: (نا)، ويقولون: (ثنا) و(دثنا)، وغالباً ما يقولون: (نا) أو (ثنا)، وأما (أنا) فهي اختصار أخبرنا.[ عن مالك ].وهو: ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، العلم، من أعلام الحديث والفقه، ومذهبه أحد المذاهب الأربعة التي هي من مذاهب أهل السنة.
معرفة قدر العلماء وكيفية التعامل معهم
وقد ذكرت في بعض الأحيان أن المذاهب الأربعة هي من مذاهب أهل السنة، وأن طالب العلم عليه أن يستفيد من كتب المذاهب ومن كتب أهل العلم، سواء كانت كتب أصحاب المذاهب الأربعة، أو كتب غيرهم من المجتهدين ومن الفقهاء، فطالب العلم لا يستغني عن الرجوع إلى كتبهم وعلمهم وفقههم؛ لأنه يستعين بهم، ولكن يجب أن يكون شأن الإنسان في هذا هو التوسط بين الإفراط والتفريط، بين الجفاء والغلو، فلا يغلو في الشخص فيقال: إنه لا تفوته السنة، وأنه لا تخفى عليه السنة، ولو كان في المسألة دليل ما خفي على فلان من الأئمة.. هذا غلو وهذا إطراء، وكذلك أيضاً لا يقابل هذا الجفاء بأن يقال: يعني يحصل ذمهم، أو يحصل تنقصهم، أو يحصل الاستهانة بشأنهم أو بشأن كتبهم أو بشأن علمهم، فهذا جفاء، فلا جفاء ولا غلو، لا إفراط ولا تفريط؛ بل الواجب هو التوسط، فالإنسان يحترمهم ويعظمهم ويثني عليهم، ويعتقد فيهم أنهم مجتهدون فيما اجتهدوا فيه من المسائل، وأنهم دائرون بين الأجر والأجرين، وأن الواحد منهم إما أن يحصل أجرين إذا أصاب في اجتهاده؛ أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، وإن أخطأ فإنه يحصل أجراً واحداً على اجتهاده وخطؤه مغفور. ويستفيد الإنسان منهم ويرجع إلى كتبهم، ولا يستغني عنها طالب العلم، والإنسان الذي يهملها أو يغفل عنها فاته خير كثير، وفاته علم عظيم، لكن الأمر كما قلت: عندما يشتغل الإنسان، وعندما يتجه إلى كتبهم، يستعين بعلمهم وبكلامهم في الوصول إلى الحق، والوصول إلى الدليل، والوصول إلى الغاية المقصودة، لكن لا يغلو فيهم ولا يجفو، والحق وسط بين الإفراط والتفريط، يقول الخطابي :ولا تغل في شيء من الأمر واقتصدكلا طرفي قصد الأمور ذميمويقول الطحاوي في عقيدته؛ عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، فمن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، ويقصد بقوله: أهل الخبر والأثر: المحدثين، وأهل الفقه والنظر: الفقهاء، فالإنسان يذكرهم بخير، ويثني عليهم، ويستفيد من علمهم، ويكون شأنه معهم كما قال ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح، يقول: إن الإنسان يرجع إلى علمهم ويستعين بعلمهم إلى معرفة الحق، ويعظمهم ويثني عليهم، ويأخذ بنصائحهم ووصاياهم التي أوصوا بها، وهي: أنه إذا وجد القول لواحد منهم يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يترك قوله ويصار إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.وابن القيم مثل لهذا بمثل حسن، مثل جميل واضح، قال: إن الإنسان عندما يرجع إلى علمهم، ويستعين بعلمهم إلى معرفة الحق، المقصود من استعانته بعلمهم أن يصل إلى الحق، وأن يصل إلى الدليل، فإذا وصل إلى الدليل انتهى، فما يحتاج إلى أن يبحث عن شيء آخر، قال: مثل هذا مثل الذي يستدل بالنجم على القبلة؛ فالإنسان إذا كان في فلاة يبحث عن جهة القبلة عن طريق النجوم، وعن طريق اتجاه النجوم، قال: فإذا كان الإنسان اهتدى بالنجم إلى القبلة، فإذا وصل إلى القبلة ما يحتاج إلى أن ينظر في السماء والقبلة أمامه؛ لأن المقصود وصل إليه، هو يستدل بالنجم حتى يعرف القبلة، لكن إذا وصل إلى القبلة وصار تحت الكعبة فلا ينظر في النجوم، وإنما يبحث عن القبلة، يبحث عن الكعبة، فالكعبة أمامه، فكذلك هنا، يعني: أنه يستعين بعلمهم حيث الدليل ما هو موجود، لكن إذا توصل إلى الدليل وعرف عن طريقهم الدليل، فإنه لا يحتاج إلى قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.هذا إجماع العلماء على أن الغاية هي الوصول إلى الدليل، وهذا شأن العلماء المجتهدين، يعني: يجتهدون ويبحثون عن الدليل، فإذا وصولوا إليه انتهى، ما في شيء، لا كلام لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.إذاً: الواجب هو التأدب مع أهل العلم، والتأدب مع العلماء واحترامهم، وتوقيرهم والثناء عليهم، ومعرفة أنهم لا يعدمون الأجر أو الأجرين، فلا يكن الإنسان غالياً، ولا يكون جافياً، والحق وسط بين الإفراط والتفريط، هذا هو الذي يجب على طالب العلم أن يكون متنبهاً له، ما يقول: والله كتب المذاهب هذه لا أحتاج إليها، وما أحوج طلبة العلم إلى الرجوع إليها، لكن الإنسان إذا رجع ما يرجع على أساس أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، فيكون غالياً ويقول: إن فلاناً ما يخفى عليه شيء، وأنه لو كان هناك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلغه ولم يخف عليه، فهذا كلام لا يقال في حق أحد، حتى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم؛ وهم السباقون إلى كل خير، والحريصون على كل خير، وكاد يكون الدليل مع واحد منهم، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحدث بالأحاديث في أوقات مختلفة، وهناك من يحضر في هذا المجلس وهناك من لا يحضر هذا المجلس، ويكون عند هذا في مجلس حضره ما ليس عند الآخر حيث لم يحضر ذلك المجلس، وأمثلة هذا كثيرة. من ذلك:قصة الدخول في أرض الوباء، يعني: الإنسان إذا كان قادماً على أرض فيها وباء، هل يدخل أو ما يدخل؟ هذه مسألة ما كان عند كثير من الصحابة فيها علم، المهاجرون والأنصار ومسلمة الفتح، فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما ذهب إلى الشام وأقبل عليها لقيه أمراء الأجناد وفيهم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وإذا الطاعون قد وقع في الشام، فالصحابة الذين كانوا مع عمر رضي الله عنهم انقسموا، أحد يقول: ادخل، وواحد يقول: لا.. ارجع، فقال: ادعوا لي المهاجرين، فدعوا له المهاجرين، فما كان عندهم علم، ففي المسألة اجتهاد، وبعضهم قال: أنت جئت لأمر فلا ترجع دون أن تصل إليه، والبعض الآخر قال: معك أصحاب رسول الله، لا تقدم بهم على الوباء يموتون بسبب الوباء، لا تدخل في الأرض الموبوءة، ثم قال: ادعوا لي الأنصار، فانقسموا كالمهاجرين، أحد يقول: تقدم، وآخر يقول: لا.. ارجع، ثم قال: ادعوا لي مسلمة الفتح، فأشاروا بما أشاروا به، ثم إنه عزم على أن يرجع، وقال: إنني مصبح على ظهر، فإذا جاء في الصباح سأرجع إلى المدينة، فكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه غائباً، ولم يكن حاضراً هذه المحاورة، وهذه المداولة، فجاء إليه وقال: عندي فيها علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول قال: ( إذا كان الوباء في أرض وأنتم قادمون عليها.. لا تدخلوها فلا تدخلوها، وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منها )، فأخبر بذلك عمر، فكان هذا اجتهاد عمر الذي توصل إليه ورجحه على الجانبين المتعارضين، فطابق ما ثبت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا من توفيق الله لـعمر، وهذا من التسديد الذي حصل لـعمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وموافقات عمر مشهورة ومعروفة؛ فكان يشير بالرأي ويأتي بالقول، فينزل الوحي وفقاً لما أشار به عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.الحاصل أن هذا مثال من الأمثلة التي يكون فيها الأمر خافياً على الكثير من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكون عند الواحد منها علم، فلا يجوز أن يقال في واحد من الأئمة: إنه لو كان فيها دليل لما خفي على فلان، لو كان في المسألة دليل ما خفي على فلان الإمام، فهذا من الغلو في الإمام، وإنما الحق الاعتدال والتوسط في الأمور، وكما قلت: طالب العلم يجب أن يكون على أدب جم مع أهل العلم؛ يعظمهم ويثني عليهم، فلا يغلو فيهم ولا يهضمهم حقوقهم، ولا يجفو فيهم فيذكرهم بما لا يليق بهم، وكلمة الطحاوي رحمه الله كلمة جميلة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. فالإمام مالك رحمة الله عليه كما قلت: هو أحد أصحاب المذاهب الأربعة، وأصحاب المذاهب الأربعة ثلاثة منهم كل واحد تلميذ للآخر، الذين وهم: مالك، والشافعي، وأحمد؛ فـأحمد تلميذ للشافعي، والشافعي تلميذ للإمام مالك، وقد جاء في بعض الأسانيد هذه السلسة التي فيها: أحمد يروي عن الشافعي، والشافعي يروي عن مالك، ومن ذلك الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة )، فإن هذا الحديث جاء في مسند الإمام أحمد يرويه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي، والإمام الشافعي يرويه عن الإمام مالك، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره عند قول الله عز وجل: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، في آخر سورة آل عمران، ثم قال: وهذا إسناد عزيز اجتمع فيه ثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة يروي بعضهم عن بعض.
تابع تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صلاة النبي على الحمار
قوله: [ عن عمرو بن يحيى ].هو عمرو بن يحيى المازني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن سعيد بن يسار ].هو سعيد بن يسار المدني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[ عن ابن عمر ].ابن عمر هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وليس ابن مسعود منهم؛ ولأنه متقدم، ولأنه من كبار الصحابة، وهؤلاء من صغار الصحابة، وقد عاشوا وكانوا في زمن متقارب، واستفاد الناس من علمهم، حيث أدركهم من لم يدرك ابن مسعود، يعني: ابن مسعود توفي سنة: (32هـ)، وأما هم عاشوا بعد ذلك لمدة طويلة، وكانوا في وقت متقارب، وهم العبادلة الأربعة، وليس ابن مسعود منهم، وأيضاً هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم سبعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم اشتهروا وعرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِ[ محمد بن منصور ].أخبرنا محمد بن منصور، سبق أن عرفنا أن للنسائي شيخين كل منهما يقال له: محمد بن منصور، ويعرف تمييز أحدهما عن الآخر بالشيوخ الذين يروي عنهم، وهما: محمد بن منصور الطوسي، ومحمد بن منصور الجواز المكي .
تراجم رجال إسناد حديث أنس في صلاة النبي على الحمار
وقد ذكرنا فيما مضى: أن محمد بن منصور الطوسي ومحمد بن منصور المكي كل منهما يروي عن ابن عيينة، وأنه إذا جاء غير منسوب غير مبين، فإنه يحمل على المكي الجواز ؛ لأنه هو الذي من بلد ابن عيينة، فيكون الأقرب إلى أن يكون الجواز وليس الطوسي، أما هنا فإن الذي يروي عن إسماعيل بن عمر الواسطي هو محمد بن منصور الطوسي .فإذاً: محمد بن منصور هو الطوسي، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود والنسائي، وأما ذاك الذي هو الجواز، فقد عرفنا أنه خرج حديثه النسائي وحده، وهو ثقة.[ إسماعيل بن عمر ].هو إسماعيل بن عمر الواسطي، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم وأبو داود والنسائي.[ حدثنا داود بن قيس ].داود بن قيس ثقة، وخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. [ عن محمد بن عجلان ].هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، وخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[ عن يحيى بن سعيد ].وهو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أنس بن مالك ].أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن أنس وعن الصحابة أجمعين.
الأسئلة
فائدة اتخاذ المحراب في المساجد
السؤال: هل كان للمسجد النبوي محراب؟ وهل هو سنة أو بدعة؟الجواب: ما نعلم أن له محراباً على هذه الطريقة، لكن المسلمين اتخذوها، وفائدتها الاستدلال إلى جهة القبلة.
مسألة التلفظ بالنية في الأذكار الواردة
السؤال: هل يلزم التلفظ بالنية في الأذكار الواردة في دخول البيت والحمام ونحوه؟الجواب: يعني يقول: نويت أن أذكر الله، باسم الله، لا، فالنية محلها القلب، والشيء الذي ينوى لا يذكر باللسان إلا في الحج، فإنه يذكر النسك، يعني: هل هو عمرة؟ تقول: لبيك عمرة، لبيك حجة، لبيك عمرة وحجة، يعني: هذا هو الذي ينطق به بالإضافة إلى نيته في القلب؛ وذلك للتمييز؛ لأنه يحتاج إلى تمييز النسك، أما غير ذلك دون الحج، فما نعلم شيئاً يكون فيه التلفظ بالنية، والنية محلها القلب، ولكل امرئ ما نوى.
حكم تقبيل المصحف بقصد حبه
السؤال: ما حكم تقبيل المصحف بقصد الحب لما بين دفتيه؟الجواب: المحبة للمصحف تكون باتباع ما فيه وبالعمل بما فيه، وليس بتقبيله، ولا نعلم لتقبيله أساساً يستند عليه ويعتمد عليه، وإنما المحبة هي ليست في التقبيل، فقد يقبل المصحف من هو عاصٍ لما في المصحف، ومن هو مخالف لما في المصحف، ومن هو مرتكب للأمور المحرمة التي جاء التحذير منها في المصحف، فالعبرة بالدليل، ولا نعلم شيئاً يدل على هذا، فالذي ينبغي هو عدم فعل ذلك، ومحبته لا تكون بالتقبيل، وإنما تكون بالاتباع وامتثال ما جاء فيه، والسير على منهاجه؛ امتثالاً للأوامر، واجتناباً للنواهي، وتصديقاً للأخبار.
الفرق بين الحديث النبوي والحديث القدسي
السؤال: ما الفرق بين الحديث النبوي والحديث القدسي؟الجواب: الحديث القدسي: هو الذي تكون فيه الضمائر مضافة إلى الله عز وجل: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي).. (الصوم لي).. الضمير يرجع فيه إلى الله عز وجل، أو الضمائر ترجع فيه إلى الله عز وجل، ولا يصلح أن ترجع إلى غيره، فالحديث القدسي هو ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مضيفاً إياه إلى ربه، بأن يقول: قال الله تعالى، أو يقول الصحابي: قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال: .. والضمائر كما قلت: تعود إلى الله عز وجل، وترجع إلى الله عز وجل، ومرجعها إليه سبحانه وتعالى.وأما الحديث النبوي فهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، أو وصف خلقي أو خُلُقي.