تمام المنة - الحج (13)
الشيخ عادل يوسف العزازي
فضائل في الحج [1]
أولاً: فضل مكة:
اعلم يا أخي أن الله - تعالى - جعل لمكة في الفضل مزايا، وخصَّها ببيته الذي هو قِبْلة للبرايا، وبحجِّه الذنبُ مغفور، وبالطواف به تَكْثُر الأجور.
اختار الله خير الأماكن والبلاد وأشرفَها، وهي البلد الحرام، وجعلها مناسكَ لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليها من القُرْب والبُعْد من كل فَجٍّ عميق، فلا يدخلونها إلا متواضعين، متخشِّعين، متذلِّلين، كاشفي رؤوسهم، متجرِّدين عن لباس أهل الدنيا.
فمن فضائلها:
1- جعلها الله حرمًا آمنًا:
قال - تعالى -: ï´؟إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَï´¾ [النمل: 91].
وليس على وجه الأرض بقعةٌ - يجب على كل قادر السعيُ إليها، والطوافُ بالبيت الذي فيها - غيرها.
وليس على وجه الأرض موضِع يُشْرَع تقبيلُه واستلامه - وتحط الخطايا والأوزار - غير حجرها الأسود، وركنها اليماني.
2- والصلاة في مسجدها الحرام بمائة ألف صلاة:
عن عبدالله بن الزبير - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((صلاة في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجدَ الحرامَ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة))[2].
3- وهي أحب بلاد الله إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -:
عن عبدالله بن عدي - رضي الله عنه - قال: رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته واقفًا بالحَزْوَرة يقول: ((والله إنكِ لخيرُ أرضِ الله، وأحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجتُ منك ما خرجتُ))[3].
• ((والحَزْوَرة)): موضع بمكة.
4- وهي الحبيبة إلى قلب نبينا - صلى الله عليه وسلم -:
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما أطيبَك من بلدة، وأحبَّك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنتُ غيرك))[4].
5- ولقد حرَّمها الله يوم خلق السموات والأرض:
قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله حرَّم مكة يوم خلق السموات والأرض؛ فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لم تَحِلَّ لأحد قبلي، ولا تَحِلُّ لأحد بعدي، ولم تَحِلَّ لي قط إلا ساعة من الدهر، لا يُنفَّر صيدها، ولا يُعْضَد شوكها، ولا يُخْتَلى خَلاَها[5]، ولا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلا لمُنْشدٍ))[6].
وفي رواية: ((فإن أحدٌ ترخَّص لقتالِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فيها، فقولوا: إن الله قد أَذِن لرسوله، ولم يَأْذَن لكم، وإنما أَذِن لي ساعةً من نهار، ثم عادت حرمتُها اليومَ كحرمتها بالأمس، وليُبلغ الشاهد الغائب))[7].
6- ومن خصائصها:
كونها قِبْلةً لجميع المسلمين، فليس على وجه الأرض قبلةٌ غيرها.
7- ومن خصائصها أيضًا:
أنه يَحْرُم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة، دون سائر بقاع الأرض.
8- ومما يدل على تفضيلها:
أن الله - تعالى - أخبر أنها أمُّ القُرَى، فالقرى كلها تَبَعٌ لها، وفرعٌ عليها.
وهي أصل القرى، فيجب ألا يكون لها في القرى عَدِيل، كما أن الفاتحة أم الكتاب ليس لها في الكتب الإلهية عَدِيل.
9- ومن خصائصها:
أنه لا يجوز دخولها - لغير أصحاب الحوائج المتكرِّرة - إلا بإحرام، وهذه خاصية لا يشاركها فيها شيء من البلاد، وهذه المسألة تلقَّاها الناس عن ابن عباس - رضي الله عنهما.
10- ومن خصائصها:
أنها يعاقَب فيها على الهمِّ بالسيئات، وإن لم يفعلها، قال - تعالى -: ï´؟ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ï´¾ [الحج: 25].
ومن هذا تضاعف مقادير السيئات فيها، لا كمياتها.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((الكبائر تسع: أعظمُهن: إشراكٌ بالله، وقتلٌ بغير حقٍّ، وأكلُ الربا، وأكلُ مال اليتيم، وقذفُ المحصنة، والفرارُ يومَ الزحف، وعقوقُ الوالدين، والسِّحرُ، واستحلالُ البيت الحرام قبلتِكم، أحياءً وأمواتًا))[8].
وقد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة - وهي القلوب - وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبُه للقلوب أعظمُ من جذب المغناطيس للحديد.
ولهذا أخبر - سبحانه - أنه مثابةٌ للناس؛ أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقًا.
ثانيًا: فضل الحجر الأسود:
قال - صلى الله عليه وسلم -: ((كان الحجر الأسود أشدَّ بياضًا من الثلج، حتى سوَّدتْه خطايا بَنِي آدم))[9].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يَحُطَّان الخطايا حطًّا))[10].
وعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لولا ما مسَّ الحجرَ من أنجاس الجاهلية ما مسَّه ذو عاهةٍ إلا شُفِي، وما على الأرض شيءٌ من الجنة غيرُه))[11].
عن ابن عباس مرفوعًا: ((إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين، يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق))[12].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليَأْتِيَنَّ هذا الحجَرُ يوم القيامة له عينان يُبْصِر بهما، ولسانٌ يَنْطِق به، يشهد على من استلمه بحق))[13].
ثالثًا: فضل الركن اليماني والمقام:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الركن والمقام يَاقُوتَتَان من يَوَاقِيت الجنة))[14].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الركن والمقام يَاقُوتَتَان من يَوَاقِيت الجنة، طَمَس الله نورَهما، ولو لم يَطْمِس نورَهما، لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب))[15].
وفيما مرَّ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطَّان الذنوب حطًّا))، وقد تقدم تخريجه.
رابعًا: فضل زمزم:
الفضيلة الأُولى: غَسْل قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - بماء زمزم:
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أُتِيتُ ليلةَ أُسْرِي بي، فانطلق بي إلى زمزم، فشرح عن صدري، ثم غسل بماء زمزم))[16].
الفضيلة الثانية: ماء زمزم لِما شُرِب له:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ماءُ زمزمَ لما شرب له))[17].
الفضيلة الثالثة: ماء زمزم طعام طُعْم:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((زمزم طعام طُعْم، وشفاء سُقْم))[18].
الفضيلة الرابعة: زمزم شفاء سُقْم:
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحمل ماء زمزم في الأَدَاوِي، والقِرَب، وكان يَصُبُّ على المرضى ويَسْقِيهم"[19].
الفضيلة الخامسة: ماء زمزم يتحف به الضِّيفان.
خامسًا: فضل المدينة، وزيارة المسجد النبوي:
يُستَحبُّ زيارة المسجد النبوي والصلاة فيه؛ لأن الصلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.
فإذا وصلتَ المسجد؛ فَصَلِّ فيه ركعتين تحية المسجد، أو صلاة الفريضة إن كانت قد أقيمت.
ثم اذهب إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقِفْ أمامه، وسلِّم عليه قائلاً: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلَّى الله عليك وجزاك عن أمتك خيرًا"، ثم اخطُ عن يمينك خطوةً أو خطوتين؛ لتقف أمام أبي بكر، فسلِّم عليه قائلاً: "السلام عليك يا أبا بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورحمة الله وبركاته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيرًا"، ثم اخطُ عن يمينك خطوةً أو خطوتين؛ لتقف أمام عمر، فسلِّم عليه قائلاً: "السلام عليك يا عمر أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيرًا".
يتبع