عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 06-12-2019, 06:09 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,358
الدولة : Egypt
افتراضي رد: طرق انتهاء ولاية القاضي في الفقه الإسلامي

طرق انتهاء ولاية القاضي في الفقه الإسلامي
رجاء بنت صالح باسودان*


المسألة الثانية : الحكم الشرعي لمن يتولى القضاء

وظيفة القضاء تعتريها الأحكام التكليفية ، وكذا الحكم التخييري ، فيجب على الشخص إذا تعين له ولا يوجد من يصلح غيره . ويستحب إذا وجد من يصلح غيره ولكنه هو أصلح له وأقوم له . ويكره إذا كان صالحاً له مع وجود من هو أصلح منه . ويحرم إذا علم من نفسه العجز عنه وعدم الإنصاف فيه لميله للهوى . ويباح فيخير بين قبوله ورفضه إذا استوى هو وغيره في الصلاحية . سئل الإمام مالك رضي الله عنه : أيجبر الرجل على ولاية القضاء ؟ قال : نعم ، إذا لم يوجد منه عوض ، قيل له : أيجبر بالضرب والحبس ؟ قال : نعم [25].
الفصل الثاني
طرق انتهاء ولاية القاضي
هناك عدة طرق يفقد بها القاضي ولايته للقضاء ويخرج منها ، وسيتم التطرق لأهم هذه الطرق بعقد مبحث لكل منها .
المبحث الأول : عزل القاضي
يعزل القاضي من قبل الإمام أو نائبه إذا وجد الإمام من هو أفضل منه ، أو ظهر عجزه وعدم كفاءته ، أو أقر أنه حكم بجور متعمداً ، أو ثبت عليه ذلك بالبينة [26] . فقد عزل الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شرحبيل بن حسنة من القضاء ، فقال له : " أعن سخطة عزلتني ؟ قال : لا ، ولكن وجدت من هو مثلك في الصلاح وأقوى منك في العمل، فقال : يا أمير المؤمنين إن عزلك عيب فأخبر الناس بعذري، ففعل عمر ذلك" [27].
قال الإمام الماوردي : "للإمام عزل القاضي إذا رابه أمر، ويكفي فيه غلبة الظن بذلك" [28].
وثمة ما يشبه الإجماع على أن القاضي إذا ارتشى عزل بمجرد ذلك . وقد قال بعض الفقهاء : إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به حد الكبيرة ، لقوله تعالى : {...أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ...} (المائدة: 42)، ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله الراشي والمرتشي" [29].
واختلف الفقهاء في جواز عزل القاضي مع بقاء أهليته للقضاء :
أ- فذهب الحنفية والحنابلة في رواية إلى أنه يجوز للإمام عزل القاضي بريبة وبغير ريبة .
بل روي عن أبي حنيفة أنه قال : "لا يترك القاضي على قضائه أكثر من سنة ؛ لأنه متى اشتغل بذلك نسي العلم ، فيقع الخلل في حكمه" .
ب - وذهب الشافعية والمالكية والحنابلة في رواية ثانية إلى أنه لا يجوز هذا العزل إلا إذا كان هناك مصلحة كتسكين فتنة ونحوها ، وقال كثيرون منهم بعدم نفاذ هذا العزل لو وقع ؛ لأن تصرف الإمام ونوابه منوط بالمصلحة ، ولا مصلحة في هذا العزل [30].
ويرى د. نصر فريد محمد واصل أن حصانة القضاة - من العزل - أمر ضروري جداً لاستقلال القضاة في أعمالهم ونزاهتهم في شئون القضاء على السواء ، بل ذلك واجب لتحقيق ثمرة القضاء وهو إقامة العدل . ويضيف مقيداً الحصانة المراد بها ، وهي حصانة القضاة من العزل عند توافر الصلاحية منهم وأعمال القضاة ، ويكون العزل بدون سبب وهو ما يطلق عليه "العزل التعسفي" ، وإلا فإن العزل قد يكون مشروعاً ، بل قد يكون ضرورياً بالنسبة لاستقرار العدالة نفسها [31].
ومن المسائل التي تثار عند قضية العزل : مسألة : هل ينعزل القاضي قبل علمه بالعزل ؟ والراجح : أنه لا ينعزل القاضي قبل علمه ؛ لتعلق قضايا الناس وأحكامهم به ، فيشق ، بخلاف الوكيل فإنه يتصرف في أمر خاص [32].
ومن المسائل أيضاً : سماع شهادة القاضي على فعل نفسه : فإذا قال القاضي المعزول : أشهد أني قضيت بكذا ، لم يقبل على أصح الوجهين [33].
المبحث الثاني : فسق القاضي
إذا ارتكب القاضي من الأفعال المفسقة كشرب الخمر أو ارتكاب بعض الكبائر فإن جمهور فقهاء أهل السنة يرى أنه ينعزل لحظة فسقه ولا تعتبر أحكامه بعد تلك اللحظة .
واختلف هل ينعزل القاضي بنفس الفسق أو حتى يعزله الإمام ، قال المازري: "ظاهر المذهب على قولين ، والمرجح منها أنه ينعزل".

وخالف الحنفية جمهور الفقهاء فقالوا : إن الفسق لا يخرج القاضي عن ولايته ؛ لأنه جاز توليته عندهم ابتداءً ، فجاز استمرارها انتهاءً ، فهم لا يعتبرون العدالة شرط صحة لولاية القضاء . أما جمهور الفقهاء فيعتبرون العدالة شرط صحة ، إذ لا يولى الفاسق على القضاء ابتداءً ، فإذا ولي العدل على القضاء ثم أصبح فاسقاً فقد فقَدَ أهليته للقضاء فينعزل من لحظة فسقه وتعتبر أحكامه لاغية [34].
فإن تاب الفاسق استرد اعتباره وعاد عدلاً كما كان ، وإن كان من أهل العلم من يجعل ذلك موقوفاً على مضي مدة بعد التوبة كافية لعودة الثقة فيه ، يسمونها مدة استبراء ، يحدده بعضهم بسنة ، وآخرون بستة أشهر ، وجعلها المحققون رهناً بظهور الاستقامة دون تحديد عدة ما ، ومن هؤلاء المحققين المالكية وبعض الشافعية [35].
أما ضابط الفسق المانع من تولية القضاء : هو الفسق بارتكاب المحرمات المتفق عليها ، أو التي يعتقدها المكلف حراماً ، ويرتكبها تتبعاً شهوات نفسه ، أما إن فسق باعتقادٍ تعلق فيه بشبهة أوجبت له تأويلاً تأول به خلاف الحق ، ففي جواز تقليده القضاء وجهان : ورجّح الإمام الماوردي أن ولايته للقضاء لا تبطل [36].
وقد شدّد الفقهاء النكير في أمر القاضي الذي خان الأمانة وارتشى في حكمه فاعتبروه فاسقاً ، واختلفوا في بطلان ولايته للقضاء . فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يعزل بثبوت هذه التهمة عليه ، بينما الحنفية لهم روايتان ، الأولى : أنه يستحق العزل ، والثانية : أنه ينعزل[37].
المبحث الثالث : فقدان أهلية التكليف ( الجنون والسفه )
فلا تصح ولاية المجنون للقضاء ولا السفيه ، ولا يصح قضاؤهما ولا ينفذ ، وذلك لفقده شرطاً أو أكثر من شروط الولاية .
قال ابن قدامة في المغني : " فإما إن تغيرت حال القاضي بفسق أو زوال عقل أو مرض يمنعه من القضاء أو اختل فيه بعض شروطه ، فإنه يعزل بذلك ، ويتعين على الإمام عزله وجهاً واحداً"[38].
وأما اشتراط العقل في ولاية القضاء فلأن العقل هو مناط التكليف ولاشتراطه في جميع العقود بالإجماع ، وليس المراد بالعقل الذي يتعلق به التكليف من حيث عمله بالمدركات الضرورية ، بل لا بد لتوافر هذا الشرط هنا وهو العقل ، أن يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيداً عن السهو والغفلة بحيث يتوصل بذكائه وفطنته إلى إيضاح ما أشكل أمره في القضاء ، وفصل ما أعضل حله بين الخصوم [39]. ومن أمثلة ذلك : ما رواه ابن قيم الجوزية عن ذكاء وفطنة القاضي إياس : " قال ابراهيم بن مرزوق البصري : جاء رجلان إلى إياس بن معاوية يختصمان في قطيفتين ، إحداهما حمراء ، والأخرى خضراء ، فقال أحدهما : دخلت الحوض لأغتسل ووضعت قطيفتي ، ثم جاء هذا فوضع قطيفته تحت قطيفتي ثم دخل فاغتسل فخرج قبلي وأخذ قطيفتي فمضى بها ، ثم خرجت فتبعته ، فزعم أنها قطيفته ، فقال : ألك بينة ؟ قال: لا ، قال : ائتوني بمشط ، فأُتي بمشط ، فسرح رأس هذا ورأس هذا ، فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر، ومن رأس الآخر صوف أخضر ، فقضى بالحمراء للذي خرج من رأسه الصوف الأحمر ، وبالخضراء للذي خرج من رأسه الصوف الأخضر" .
وقال رجل لإياس بن معاوية : "علمني القضاء ، فقال : إن القضاء لا يعلّم ، إنما القضاء فهم ، ولكن قل : علمني العلم "، وهذا هو سر المسألة ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول : { وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا...}، فخصّ سليمان بفهم القضية ، وعمّهما بالعلم .
والذي اختصّ به إياس وشريح – القاضي - مع مشاركتهما لأهل عصرهما في العلم: الفهم في الواقع ، والاستدلال بالأمارات وشواهد الحال ، وهذا الذي فات كثيراً من الحكام ، فأضاعوا كثيراً من الحقوق [40].
المبحث الرابع : فقدان السمع أو البصر أو النطق
السمع: اشترط سلامة السمع الشافعية والحنابلة ، ولم يشترطه الحنفية والمالكية . فالقاضي حتى يتسنى له أن يحكم بالحق والعدل لا بد له أن يسمع كلام المدعي والمدعى عليه وشهادة الشهود ليميز المحق من المبطل ، والمقر من المنكر[41] .
ويمنع تولية القضاء ابتداءً ودواماً للأصم ، فيعزل إذا طرأ عليه شيء من ذلك لفقد شرط التولية ، أما إذا ثبت عنده حكم قبل فقد السمع ولم يحكم به فإن ولاية حكمه باقية فيه[42].
وضعف السمع لا يضر في ولاية القضاء إذا أمكن التغلب عليه بصياح أو بجهاز يوضع في الأذن لأن الشرط السمع وقد تحقق [43].
البصر: لا تجوز ولاية الأعمى على القضاء عند الشافعية والحنابلة والحنفية ، أما في مذهب مالك : فالراجح أن السمع والبصر والنطق مشترطة في استمرار ولاية القاضي للقضاء ، وليست مشترطة في جواز ولايته له ، فالمالكية لا يعتبرون صفات القاضي شروطاً في الجواز . فإذا عُيّن الأعمى قاضياً فإنه يستحق العزل وتظل ولايته صحيحة حتى يعزله الإمام أو نائبه ، فتكون أحكامه نافذة قبل العزل ما لم تكن جوراً ، ولو كان البصر أو السمع أو النطق شروط جواز لكانت ولايته باطلة وأحكامه لاغية غير منعقدة ، أما لو عين بصيراً ثم أصبح أعمى فتبطل ولايته للقضاء ويعزل . ونقل عن القاضي عياض : أن السمع والبصر والنطق شروط لازمة . وموقف الجمهور أقوى من المالكية وبه تتحقق الدقة في الحكم بالقدرة على وسائل الكشف وأهمها البصر ، فبه يستطيع القاضي أن يميز المدعي من المدعى عليه والمقر من المنكر ، وهذا لا يتسنى لفاقد البصر [44].
أما ضعيف البصر الذي لا يميز المرائي أمامه ولا يراها إلا كالأشباح والذي لا يعرف الصور ولا يميز ألوانها وأشكالها فإنه كالأعمى لا تصح ولايته القضاء لأنه لا يعرف الطالب من المطلوب ، فإن كان يعرف الصور ويميزها إذا قربت منه صحت ولايته . أما الأعور - وهو الذي يبصر بعين واحدة - والأعشى وهو من يبصر نهاراً فقط دون الليل فإنه تصح ولايته القضاء [45].
ويستثنى من عدم نفوذ قضاء الأعمى ما لو سمع البينة وتعديلها ، ثم عمى فإن قَضاءه ينفذ في تلك الواقعة إن لم يحتج إلى إشارة ، فكأنه إنما انعزل بالنسبة إلى غير هذه الواقعة[46].
النطق: فلا تجوز ولاية الأخرس للقضاء ؛ لأنه غير قادر على النطق بالأحكام ، وبهذا العيب تضعف هيبة القاضي في نفوس المتخاصمين والمتشاجرين .
وقد اشترط النطق الحنفية والحنابلة وأكثر الشافعية ، ولم يشترطه منهم أبو الحسن الماوردي الشافعي ، أما المالكية فهم لا يعتبرون النطق والسمع والبصر شروط صحة [47].
ذكر الإمام ابن أبي الدم [48]، بأنه لا يصح تقليد الأعمى للقضاء على المذهب الصحيح، وكذلك : الأصم ، فإن كان بحيث لا يسمع أصلا لم تصح توليته ، وإن كان بحيث لو أُسمع صحت . أما الأخرس الذي تفهم إشارته : نفي صحة ولايته قولان [49].
أما سلامة باقي الأعضاء فتعتبر استحباباً – لا لزوماً – لأن السلامة من الآفات أهيب لذوي الولايات ، والهيبة هنا مستحبة لا مستحقة ، ولذا لما كانت مستحقة في الحاكم الأعلى كانت سلامة جميع الأعضاء مما يخل بهذه الهيبة مستحقة فيه كذلك على الأرجح . ومن ثمّ فلا مانع من أن يكون القاضي مقعداً أو أقطع أو أعرج . ومثل هذا يقال في شأن ضعيف النطق أو السمع أو البصر لعدم فوات المقصود من ولايته القضاء [50] .
المبحث الخامس : ردة القاضي
الإسلام شرط في صحة ولاية القاضي ، وشرط في استمرارها ، وعلى هذا فلو ارتد قاضٍ عن الإسلام فإن ولايته باطلة من تلك اللحظة التي ارتد فيها [51] .
ويؤكد د. نصر على هذا بقوله : إنما اشترط الإسلام في ولاية القضاء لأنه شرط في الشهادة ، وولاية القضاء نوع من الشهادة ، وبناءً على ذلك لا يجوز أن يقلد الكافر القضاء على المسلمين ولا على الكفار الخاضعين لولاية الإسلام [52] .
أما في حال الاختيار : فلا يجوز تولية غير المسلم القضاء بين المسلمين ، وإن وُليّ لا يصح قضاؤه ولا ينفذ إلا ضرورة ؛ لأن القضاء ولاية ، ولا ولاية لغير المسلم على المسلم لقوله تعالى : {...وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}(النساء: 141). فإذا تجاوز الأمر دائرة الاختيار ، واستبد بالسلطة حاكم ظالم ذو بطش وشوكة ، فولىّ القضاء كافراً - أو سواه من غير ذوي الأهلية - فهذا قاضي ضرورة ، ينفذ قضاؤه رغم بطلان توليته حتى لا تتعطل مصالح الناس ، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام [53]
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.23 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.34%)]