رد شبهة تعطيل النص الشرعي لتحقيق المصلحة
د. جيهان الطاهر محمد عبد الحليم*
أدلة جمهور العلماء:
الدليلالأول : قوله تعالى :{ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِوَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } (البقرة:219 ) فقد أثبت مصالح في الخمر والميسر[40] ، ومع ذلك فهما محرمان بالاتفاق[41] ؛ لقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواإِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْعَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة :90) .[42]
الدليل الثاني : لو فتح باب تغيير الأحكام الثابتة بالنصوص استنادا للمصالح ،لكان في ذلك اندراس معالم الدين بالكلية، فهذا القول يفتح مجال العبث واللعب بأدلة الشريعة وأحكامها ، بحجة المصلحة بل قد يبيح الزنا وبعض المعاملات الربوية وبعض المسكرات ، وتوضع القوانين البشرية وتوجد المحرمات ويحارب شرع الله بحجة المصلحة المزعومة ، أعاذ الله الأمة الإسلامية من ذلك .[43]
الدليل الثالث : أن النصوص مراعية للمصالح بالإجماع[44]، فلا سبيل لتعارض المصالح مع النصوص .
الدليل الرابع : أن العلماء مجمعون من العصور الأولى إلى عصر الطوفي على أن العبرة بالنصوص ، ولا يلتفت لما يتوهم كونه مصلحة ما دامت معارضة للنصوص [45].
الدليلالخامس:أن النصوص قد اشتملت على المصالح الراجحة،فلا يحتمل أن تعارض المصلحة مطلقا[46].
و استند الطوفي إلي عدة أدلة:
1- الدليل الأول : السنة النبوية الشريفة :
يقرر الطوفي [47]وجوب العمل بحديث" لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" [48] فيقول هذا الحديث يجب العمل به، فالضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقا، والضرار:إلحاق مفسدة به علي جهة المقابلة أي أن كل واحد منهما يقصد الضرر بصاحبه، ثم المعني لا لحوق ضرر شرعا إلا بموجب خاص مخصص،وإنما كان الضرر منتفيا شرعا فيما عدا ما استثني؛لأن الله تعالي يقول: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}(البقرة:185)، ويقول:{ يُرِيدُ اللَّهُ أَنيُخَفِّفَعَنكُمْ}(النساء :28).ولو كان ذلك الضرر في إتباع النصوص، فإن الضرر يزال شرعاً،مما يدل على تقديم المصالح على النص، فنفي الضرر يستلزم رعاية المصلحة، فيجب تقديمها على جميع الأدلة عملا بالحديث .
وأجيب عنه :
أ - بأن الحديث فيه ضعف وأحسن درجاته أن يكون حسنا لغيره[49] ، فيكون من أقل درجات الحديث المقبول ، فكيف يقدم على جميع الأدلة الشرعية .
ب - أن هذا الحديث خبر آحاد ، وغيره من الأدلة متواتر نقلا ومعنى ، ولا يقول عاقل بتقديم خبر آحاد على المتواتر .[50]
ج - أن الحديث نفي للضرر والضرار[51] ، والضرر هو كل ما عده الشارع كذلك ، فالأحكام الشرعية لا ضرر فيها ، فلا تعارض بينها وبين الحديث ، فكل له مجال يخالف الآخر ، إذ الحديث نهي للعباد بطريق النفي عن الإضرار بالغير ، كما قال تعالى: { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}(البقرة :233)
د - أن الحديث عام، والأدلة الشرعية الأخرى في مجالها خاصة، وإذا تقابل العام والخاص قدم الخاص فيما يختص به.[52]
هـ - أن هذا الاستدلال مبني على أن المصالح يتصور أن تعارض النصوص وهو خطأ ظاهر [53].
2- دليل أن النصوص متعارضة متخالفة:
قال الطوفي: النصوص متعارضة متخالفة فهي سبب الخلاف في الأحكام المذمومة شرعا، في حين أن رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعا فكان إتباعه أولى.
وهذا دليل ينطوي على شبهتين: تعارض النصوص، وكون رعاية المصالح أمر حقيقيا.
الشبهة الأولى: تعارض النصوص وتخالفها :
وهذه شبهة مردودة من جهتين :
أولا: إن أدلة الشريعة لا تتعارض في الواقع للدلالة التالية:
أ- القرآن: في القرآن آيات كثيرة تدل على استئصال كل أوجه التعارض منها قوله تعالى:{ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً }( النساء:82). وقوله { فَإِن تنازعتم فِي شئ فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول}(النساء:59) أي أن النصوص الشرعية[54] مصدر لرفع الخلاف، فــلا يتصور فيها التعارض والاختلاف [55] والتناقض بأي حال، وإلا كان ذلك نقصا في منزل القرآن وطعنا في سلامة المصدر المحال عليه لتوفير الاتفاق والاجتماع. فكيف تكون النصوص متعارضة وهي آتية من عند الله؟ ودليل كونها من عند الله هو تناسق القرآن، وتوافق نصوصه، وعدم تناقض معانيه وآياته!!!
ب- ولو كانت نصوص الشريعة متعارضة متخالفة في نفسها ، لأدي ذلك إلى تكليف ما لا يطاق، لأن النصين إذا تعارضا ...تعذر العمل بهما...!!! لتنافي مقتضاهما في أن أحدهما يطلب والآخر يمنع مثلا.[56]
ثانيا: إن تعارض النصوص في نظر المجتهد لا يؤدي إلى الخلاف المذموم[57] :
قال الطوفي أن تعارض النصوص يؤدي إلى الاختلاف وهذا الاختلاف يتعارض بسبب الخلاف المذموم شرعا.
ويرد عليه الجمهور بأن: الخلاف الذي نهى عنه الشارع وحذر منه ليس هو الخلاف في فهم النصوص التي أمر الله بل الناتج من تحكيم العقول وإتباع الأهواء، على خلاف ما جاءت به النصوص الشرعية.
وأن النصوص لو كانت تؤدي إلى الخلاف الذي ذمه الشارع وحذر منه ونهى عنه لما أنزلها الشارع ولما أمر عباده بإتباعها، وأجاز لهم الاجتهاد في فهم معانيها. [58]
الشبهة الثانية: رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه[59]:
قوله أن رعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه فمردود أيضا بالواقع الشاهد من حدوث الاختلاف في أصل المصالح والمفاسد[60].
و يصطدم في هذا بواقعين هما:
أ- أن النصوص أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فتصبح النصوص معادلة للمصلحة في هذا القدر[61].
ب- تطبيق مبدأ رعاية المصالح على الوقائع والجزئيات لا تكون سببا للاتفاق المطلوب شرعا[62]. بدليل الواقع المشاهد عند الناس وهو أن العقول التي لا تصدر أحكامها عن هدي السماء تختلف في أصل المصالح والمفاسد، بل ومع اتفاقهم على أن الأمر مصلحة أو مفسدة يختلفون في الأحكام الجزئية التي تحصل هذه المصالح أو تدفع تلك المفاسد. وليس أدل على ذلك مما يوجد من صراع الحق والباطل حين تنزل الرسالات السماوية على الأنبياء كيف يعارضهم أقوالهم برؤية المفسدة مصلحة وبالعكس. وما يوجد في قوانين وفلسفات اليوم من اعتبار الفاحشة مشروعا والمنكر معروفا ومعاداة القيم والفضائل والأديان! ولا عاصم من هذا الخلاف والتنافر في الآراء والمذاهب في شأن المصالح والمفاسد إلا إتباع النصوص [63]قال الله تعالى:" وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ" (المؤمنون :71).
3- دليل: ورود ما يدل على تقديم المصالح على النص في السنة :
ذكر الطوفي أنه قد ثبت في السنة معارضة النصوص بالمصالح في قضايا منها ما معارضة ابن مسعود[64] للنص والإجماع في التيمم بمصلحة الاحتياط في العبادة. [65]
و مخالفة الصحابة بعد الأحزاب:" لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة "[66] ، فصلى بعضهم قبلها، فأقروا على ذلك، إذ فيه تقديم المصلحة) مصلحة إدراك الوقت) على النص[67].
وحديث:" لولا أن قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا،وزدت فيها ستة أذرع من الحجر ، فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة "[68]. وهذا يدل على أن بناءها
على قواعد إبراهيم هو الواجب،فتركه لمصلحة الناس[69] .
وأجاب الجمهور عن ذلك :
أ - أن المصلحة أن الإمام مطاع في كل أوامره ، وأن الشرع يقدم على أهواء الناس ، ولكنه ترك هذه المصلحة هنا للنصوص . ومنها: أنه عليه الصلاة والسلام لما أمر بجعل الحج عمرة، قالوا: "كيف وقد سمينا الحج؟ "[70]. وتوقفوا، وهو معارضة للنص بالعادة.
ولذا يقول الشاطبي: "وأما تجويز أن يأتي دليلان متعارضان، فإن أراد الذاهبون إلى ذلك التعارض في أنظار المجتهدين، لا في نفس الأمر، فالأمر على ما قالوه جائز، ولكن لا يقضي ذلك بجواز التعارض في أدلة الشريعة. وإن أرادوا تجويز ذلك في نفس الأمر، فهذا لا ينتحله من يفهم الشريعة لورود ما تقدم من الأدلة عليه، ولا أظن أن أحداً منهم يقوله"[71].
و أن الله لم يلزم أهل العلم بأكثر من بذل الجهد للوقوف على ما اشتبه عليهم من الأحكام، وهو في ذاته نوع من العبادة، تعبدهم الله به لحكمة[72].
وأما مسألة التيمم، فإن سبب مخالفة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- إنما هو تفسير للمس في قوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} (المائدة :6) ، بأن المراد به اللمس الذي ينقض الوضوء[73].
وما كان من الصحابة إنما كان تحرجاً منهم لما ألفوه من منع فسخ الحج قبل إتمام مناسكه، ولكونهم رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - باقياً على إحرامه[74]، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة" [75]، فتحللوا ولم يبق توقفهم سنة؛ لعدم إقراره - صلى الله عليه وسلم - ".
ومنها ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا بكر ينادي :" من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" فوجده عمر فرده وقال: إذن يتكلوا. [76] وهو معارضة الشرع بالمصلحة.
ويرد على أدلته بأنه : تمسك بشبهة باطلة؛ لأن هذه الوقائع تنطوي على عمل من صاحب الشرع نفسه، فالمستند فيها هو السنة قولا أو عملا أو تقريرا.
فصاحب الشرع هو الذي ترك البيت ولم يعد بناءه على قواعد إبراهيم فكيف يقال:" أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عارض النص بالمصلحة؟ وأي نص خالفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمصلحة ألا يعد تشريعا قولا وعملا وتقريرا بل هو النص الشرعي نفسه؟
وصاحب الشرع هو الذي أقر توقف الصحابة عن جعل الحج عمرة بعد تسمية الحج فصار بهذا التقرير سنة ولم يصبح معارضة للنص بمصلحة.
وصاحب الشرع هو الذي أقر اجتهاد عمر في رد أبي بكر ومنعه من النداء بحديث: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" وهو الذي أقر اجتهاد عمر وأبي بكر في عدم قتل المصلي إن وضح ذلك ، فصار هذا الاجتهاد بهذا التقرير سنة. والصحابة الذين صلوا قبل وصولهم بني قريظة : اجتهدوا في فهم المراد من النص ونفذوه، وفقا للحكمة والمصلحة التي فهموها منه لا أنهم تركوا النص بالمصلحة.
وأما أن ابن مسعود ترك النص الذي يجيز التيمم في الجنابة للمصلحة ، فهو قول مغالطة؛ لأن سند ابن مسعود في القول بعدم جواز التيمم من الجنابة هو النص نفسه الذي فهم منه أن المراد بالملامسة في قوله تعالى: { أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} (المائدة :6) اللمس الذي يوجب الوضوء لا الجماع[77].
وكيف يحتج الطوفي بفعل ابن مسعود(وهو صحابي لا حجة في قوله) في مسائل العبادات مع أن قوله اعتبار المصلحة حجة في العادات دون العبادات.أما العبادات فلا يؤخذ فيها إلا بالنص والإجماع وبقية أدلة الشرع؟
وهذا الرأي من الطوفي مخالف لما عليه أهل العلم سلفا وخلفا؛ لأن مذهبه هذا يتعدي حدود المصالح المرسلة إلي العمل بالمصالح التي ألغاها الشارع وهو مرفوض تماما ولا أحد يوافقه عليه ؛ لأن المصلحة دائما مع الدليل الشرعي ولا كلام في ذلك . [78]
4- استند الطوفي أيضا إلي أن: منكري الإجماع قالوا بالمصلحة فهي محل اتفاق والإجماع محل خلاف ، والتمسك بما اتفق عليه أولي من التمسك بما اختلف فيه.[79]
ولقد انتقد الطوفي من قبل بعض العلماء مثل الشيخ محمد زاهد الكوثري ، و الشيخ محمد أبو زهرة، و الشيخ عبد الوهاب خلاف ، واتهم بأنه يقدم العقل علي الشرع أو المصلحة العقلية علي النص الشرعي ، ولم يدافع عنه سوي قليل من العلماء مثل جمال الدين القاسمي الذي حرر رسالة الطوفي ،والشيخ علي حسب الله ، وعبد المنعم أحمد النمر.[80]
والخلاصة أن مذهب الطوفي يتفق في جملته مع مذهب جمهور الأصوليين القائلين: بالتخصيص بالمصلحة، فمراد الطوفي من المصلحة تلك التي تلائم مقاصد الشرع وقواعده وتصرفاته، ومراده من النص ما كان ظنياً..الخ، وعليه فالطوفي بريء مما اتهمه به بعض العلماء من تقديم العقل على الشرع، وعامة ما أثير حول رأيه من شبهات مردود عند التحقيق الأصولي .
إلا أن العلمانيون يتبنون مدرسة التعطيل للنصوص.
المبحث الثاني
نماذج تطبيقية تقدم المصلحة علي النص
أولاً: من عصر الصحابة:
1- إبطال سهم المؤلفة قلوبهم:
إن عمر - رضي الله عنه- أبطل سهم المؤلفة قلوبهم[81] الوارد في مصارف الزكاة في الآية الكريمة {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}(التوبة :60).وذلك إعمالا للمصلحة في مواجهة النص.
لكن النظرة الفاحصة تكشف غير ذلك.
إن لكل حكم مناطا للتطبيق،ومناط تطبيق هذا النص هو تأليف القلب، وقد نظر عمر فإذا الإسلام قد عز، ودانت له أكبر إمبراطوريتين في العالم.ولم يعد الإسلام بحاجة إلى تأليف القلب ،وإذا كان النص يدور حول علته وجودا وعدما،فإن إعمال النص نفسه يقتضي الكف عن إعطاء هذا الفريق من الناس بعد أن عز الإسلام وعزت دولته! أفليس هذا اجتهاد داخل النص؟! أم يفتات على عمر ، ويقال إنه قدم المصلحة على النص![82]
2- قتل الجماعة بالواحد:
إن عمر - رضي الله عنه- حينما قرر قتل الجماعة بالواحد [83] قد فعل ذلك بناء على أن المصلحة مصادمة للنص الكريم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} (البقرة :178) وقوله [84]: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}.(المائدة :45) لم يكن عمل عمر تشريعا كما تصور البعض، إنما كان تطبيقا للنص بفهم عميق.
إن التعريف في النفس يعني "الجنس" ولا يعني "المفرد" والباء في النفس التالية هي باء السببية، وعلى ذلك فإن النص يعني أن كل نفس شاركت في القتل تقتل بالنفس التي قتلت أي بسبب هذه النفس المقتولة. وقد فهم ذلك الوضعيون أخيرا حين جعلوا جزاء القتل لكل من ساهم فيه، وجعلوا مجرد الوقوف في الطريق العام لملاحظته دون اشتراك مادي في الجريمة تجعل صاحبها فاعلا أصليا يستحق نفس العقوبة، وما دون ذلك جعلوه شريكا له نفس عقوبة الفاعل الأصلي، ولئن تنكب الوضعيون السبيل فلم يجعلوا العقوبة هي القتل إلا في ظروف معينة قلما تثبت، ومن ثم فلم يعد الناس يجدون شفاء لصدورهم في تلك العقوبات الهزيلة.
3- تعطيل حد السرقة عام المجاعة:
نسب إلى عمر - رضي الله عنه- أنه عطل حد السرقة عام الرمادة بناء على المصلحة ، وأنه بذلك يقدم المصلحة على النص.
والحق أن الأمر ليس تقديما للمصلحة على النص ولا تعطيلا لحد من حدود الله؛ ولكنه بولايته العامة وجد أن شروط النص غير منطبقة إذ يوجد شبهة قوية تحول دون تطبيق الحد أو تدرءوه[85]، وهو الذي سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:" ادْرَءُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " [86].
4- إيقاع طلاق الثلاث بلفظ واحد طلاقا بائنا:
نسب إلي عمر مخالفته لصريح القرآن[87] في قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَان} (البقرة:229 ) أي دفعتان[88]، وخالف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العملية إذ كان يوقع طلاق الثلاث طلقة واحدة[89]، فقد روى ابن عباس- رضي الله عنه - كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم[90].
ويرد على ذلك بالآتي:
أ- أنه وردت أحاديث أخرى تفيد العكس أن عمل عمر كان هو عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - [91].
جـ- أن الحديث يعني أن الناس كانوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يوقعون طلقة واحدة، لكنهم في عهد عمر صاروا يوقعون الثلاث دفعة واحدة، يدل على ذلك ما جاء في آخر الحديث "إن الناس استعجلوا أمرا كانت لهم فيه أناة" أي أن الحديث يحكي الحال الذي كانوا عليه والحال الذي صاروا إليه، فهو حديث عن تغير عادة الناس ، وليس عن تغير الحكم في المسألة.
د- الآية الكريمة :"الطَّلاقُ مَرَّتَانِ" لا تعني "دفعتان"فقد ورد كذلك[92] قول الله :{ نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْن} (الأحزاب: 31) وقوله [93]: {يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} (الأحزاب:30) ولم يقل أحد إنها تعني أن الأجر والعذاب يكون على دفعات.
5- قضية الأراضي المفتوحة: في خلافة عمر بن الخطاب حيث طالبه بعض الفاتحين – وفيهم بعض الصحابة- بقسمة تلك الأراضي عليهم ، ولكن بعضهم عارض قسمتها حتى يبقي ريعها ونفعها للأجيال القادمة من لا مقاتلين ولغيرهم من المسلمين، وهو الرأي الذي صار إليه عمر وأيده فيه كبار المهاجرين والأنصار[94]، وفيهم علي ومعاذ الذي قال : " إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون، فيصير ذلك إلي الرجل أو المرأة ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسداً ، وهم لا يجدون شيئاً فانظر أمراً يسع أولهم وأخرهم "[95] قال أبو عبيد : فصار عمر إلي قول معاذ.
ثانياً: من العصر الحديث:
1- في مجال ممارسة العبادة :
إباحة ترك صلاة وشعائر صلاة الجمعة :
من المعلوم أن حضور الجمعة واجب علي كل مسلم بالغ عاقل مقيم حر ، ولا يجوز تركها إلا لعذر[96] . قال تعالي: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِفَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } ( الجمعة : 9) ؛ ولكن إذا ترتب علي فعلها مفسدة أو ضر، فالمنطق الشرعي يقتضي منع صلاة الجمعة في هذه الحالة، وهذا ما أوصي به علماء المسلمين في أعقاب انفجار أمريكا في 11/9/2001م بثتها قناة أبو ظبي الفضائية في 13/9/2001م.
2- في مجال الدعوة والإصلاح :
جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة عليه:
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاء به الأمر عام يشمل جميع المكلفين ، فقال تعالي : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ }( آل عمران :110). وأصل"المعروف" كل ما كان معروفًا فعله، جميلا مستحسنًا، غير مستقبح في أهل الإيمان بالله، وإنما سميت طاعة الله"معروفًا"، لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله.وأصل"المنكر"، ما أنكره الله، ورأوه قبيحًا فعلهُ، ولذلك سميت معصية الله"منكرًا"، لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها، ويستعظمون رُكوبها.[97]
وفي الحديث الشريف : قال َرسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ":مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ"[98] .فأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ رَأَى مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى قَطْعِ الظُّلْمِ وَكَفِّهِ وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَدْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.[99]
فالحديث يشترط القدرة علي تغيير المنكر بامتلاك القوة ، فتغيير المنكر وإن كان مستحبا أو واجبا إلا أنه مقيد بعدم ترتب ما هو أكبر منه ؛ لأن مقصود الشارع من الأمر بتغيير المنكر دفع الشر عن الناس ، فإذا ترتب عليه شر أكبر منه فإن التغيير يمنع شرعا ، ويعمل بالنص العام .
قال ابن القيم : (إنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم - شَرَعَ لِأُمَّتِهِ إيجَابَ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ لِيَحْصُلَ بِإِنْكَارِهِ مِنْ الْمَعْرُوفِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَإِذَا كَانَ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ يَسْتَلْزِمُ مَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ وَأَبْغَضُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ إنْكَارُهُ).[100]
يتبع