عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 04-12-2019, 09:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,268
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة

التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (3)


عصام حسانين

تكلمنا في المقال السابق عن السنة بوصفها وسيلة ثانية يستقي منها المربون -ولاسيما الأبوين - التربية الاجتماعية لأطفالهم، وتكلمنا عن أسس اجتماعية جاءت بها السنة، منها: اصطحاب الطفل إلى المسجد، وفي هذا المقال نتكلم علي أساس مهم في التربية الاجتماعية، وهو اصطحاب الطفل لمجالس الكبار الفضلاء من أهل العلم والفضل، وهو ما يعرف حديثاً بالتربية عن طريق المخالطة بأصحاب الخبرة.
جاءت أحاديث عنه صلى الله عليه وسلم تبين أن الصغار كانوا يحضرون مجالسه صلى الله عليه وسلم بصحبة آبائهم، وكانت مجالسه صلى الله عليه وسلم مجالس علم وحلم، وأدب، ووقار، يجلسون حوله كأن على رؤوسهم الطير، حريصين على العلم والاهتداء، وكان صلى الله عليه وسلم يعلمهم مما علمه الله بوسائل التعليم كلها؛ فعنْ مُجَاهِد، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: «أَخْبِرُونِي عَنْ شَجَرَةٍ، مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ»؛ فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَذْكُرُونَ شَجَرًا مِنْ شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأُلْقِيَ فِي نَفْسِي أَوْ رُوعِيَ، أَنَّهَا النَّخْلَةُ؛ فَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهَا؛ فَإِذَا أَسْنَانُ الْقَوْمِ؛ فَأَهَابُ أَنْ أَتَكَلَّمَ؛ فَلَمَّا سَكَتُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «هِيَ النَّخْلَةُ». رواه مسلم.
فوائد من الحديث
قال النووي -رحمه الله-: في هذا الحديث فوائد: منها استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه؛ ليختبر أفهامهم، ويرغبهم في الفكر والاعتناء، وفيه: ضرب الأمثال والأشباه، وفيه: توقير الكبار، كما فعل ابن عمر، لكن إذا لم يعرف الكبار المسألة؛ فينبغي للصغير الذي يعرفها أن يقولها .
سرور الإنسان بنجابة ولده
وفيه: سرور الإنسان بنجابة ولده، وحسن فهمه، وقول عمر رضي الله عنه : «لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلي، أراد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو لابنه، ويعلم حسن فهمه ونجابته». اهـ. من شرح مسلم، و«استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة؛ ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت، وفيه توقير الكبير وتقديم الصغير أباه في القول وأنه لا يبادره بما فهمه، وفيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه؛ لأن العلم مواهب والله يؤتي فضله من يشاء» اهـ من (فتح المنعم).
مخالطة الصغار وملاعبتهم
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخالط الصغار ويُلاعبهم؛ فعن أنس رضي الله عنه ، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟». رواه أحمد، وكان من عادة العرب أن يُحضروا أبناءهم مجالس الكبار، ولاسيما مجالس العز والشرف، ليمهدوا لهم طريق السيادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شهدتُ حلفَ المُطَيَّبين وأنا غلامٌ معَ عمومتي؛ فما أحبُّ أنَّ لي حُمْرَ النَّعَمِ وأني أَنكُثُه». رواه أبو يعلى، وابن جرير بسند صحيح ، «وحِلْفُ المُطيِّبِين كان قبلَ الإسلامِ، وقد حضرَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو صغيرٌ مع أعمامِهِ؛ حيثُ تحالفَتْ قريشٌ -ومنهم بَنو هَاشمٍ، وبنو زُهرةَ، وَبنو تَمِيمٍ، ورؤساءُ الناسِ- على نُصرةِ المظلومِ، وكفِّ الظالمِ، ووَضَعوا أيديَهُم في قَصْعَةٍ ممْلوءةٍ بالطِّيبِ والعِطْرِ؛ ولذلك سُمِّيَ حِلْفَ المطيِّبينَ؛ فهذا إذا وقَعَ في الإسلامِ كان تأْكيدًا لموجِبِ الإسلامِ، وتقْويةً له».
حضور المسجد
وكان الأطفال يحضرون إلى المسجد بصحبة آبائهم، حريصين على مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعلموا منه؛ فعن محمود بن الربيع رضي الله عنه : قال: «عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجّة مجّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو». رواه البخاري، وجاءت أحاديث كثيرة رواها صغار الصحابة عنه صلى الله عليه وسلم ، كأحاديث ابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهم-، وتنظر أحاديثهم في مسند الإمام أحمد -رحمه الله.
مجلس شورى عمر رضي الله عنه
وكان عمر- رضى الله عنه – يُحضر ابن عباس مجلس شورته، ولما قال له شيوخ المهاجرين في ذلك قال: «ذاكم فتى الكهول، إن له لساناً سؤولاً ، وقلباً عقولاً». رواه الحاكم في المستدرك، ومرّ عمرو بن العاص رضي الله عنه على حلقة من قريش؛ فقال: «ما لكم قد طرحتم هذه الأُغَيْلِمَة؟ لا تفعلوا، أوسعوا لهم في المجلس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم إياه؛ فإنهم صغار قوم أوشك أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم؛ فأنتم اليوم كبار قوم». شرف أصحاب الحديث. وقال يوسف بن الماجشون: قال لي ابن شهاب الزهري ولابن عمٍّ لي ولآخر معنا: «لا تستحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أعياه الأمر المُعْضل دعا الأحداث؛ فاستشارهم لحِدَّة عقولهم». جامع بيان العلم وفضله.
تعليم الأطفال
وكذلك كانوا يجالسون أطفال التابعين يعلمونهم؛ فعن ابن سيرين قال: جلس إلينا رجل، ونحن غلمان؛ فقال: «كتب إلينا عمر بن الخطاب زمن كذا وكذا، أن اتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، وقابلوا النعال، وعليكم بعيش معدّ، وذروا التنعم، وزىّ الأعاجم». أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، ومعنى «قابلوا النعال»: اجعلوا لها قبالاً أي سيراً بين الإصبعين، وكان السلف يُحضرون أولادهم مجالس إقراء القرآن والحديث.
الإمام البخاري
قال الإمام البخاري: «ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتّاب، قيل له: كم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب؛ فجعلت أختلف إلى الدِّاخلي وغيره، فقال يوماً: فيما كان يقرأ الناس سفيان عن أبي الزبير، عن إبراهيم؛ فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم؛ فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك؛ فدخل فنظر فيه ثم رجع، فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير وهو ابن عدي عن إبراهيم؛ فأخذ القلم وأصلح كتابه».
وقال الحسن البصري: «قدّموا إلينا أحداثكم؛ فإنهم أفرغ قلوبًا، وأحفظ لما سمعوا؛ فمن أراد الله أن يُتِمّه له أتمّه». (الجامع لأخلاق الراوي). وقال أبو بكر بن عياش: «كنا عند الأعمش ونحن حوله نكتب الحديث؛ فمرّ به رجلٌ فقال: يا أبا محمد، ما هؤلاء الصبيان حولك؟ فقال: «هؤلاء الذين يحفظون عليك دينك».
وقال هشام بن عروة: كان أبي يقول: «أي بني، كنا صغار قومٍ فأصبحنا كبارهم، وإنكم اليوم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبارهم؛ فما خير في كبيرٍ ولا علم له؛ فعليكم بالسنة». قال الحافظ السيوطي :« تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام؛ فينشؤون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة، قبل تمكن الأهواء منها، وسوادها بأكدار المعصية والضلال».
أخلاق الكبار
من هدي هذه الأحاديث والآثار، يصطحب الأب ابنه إلى مجالس الكبار التي يختارها بدقة وعناية، تلكم المجالس التي يُنتقى فيه أطايب الكلام، كما يُنتقى أطايب الثمر؛ فيتعلم الطفل من أخلاق الكبار : أدب حوارهم، واحترام بعضهم بعضاً، ومن تجاربهم وخبراتهم في الحياة؛ فيزداد تهذيباً لنفسه، وتنبهاً لنواقصه، وتوجهاً نحو الكمال.
أدب المجلس
وينبغى قبل اصطحابه إليها أن يعلمه أدب المجلس، وأدب احترام الكبير مخاطبةً ولقاءً ومجالسة، من إلقاء السلام، ومصافحة باليد، وتوقير للكبير بمخاطبته بلقبه، وجلوسٍ حيث ينتهى به المجلس، وأن يكون جلوسه للاستفادة لا للجدال والمغالبة، وألا يتدخل في الكلام، ولا يسارع في الجواب إلا إذا استأذن أو طُلب منه ذلك، وألا يحتقر نفسه؛ فإذا رأى فائدة أو جواباً عن سؤال، سكت عنه القوم؛ فليتكلم بأدب وحجة دون إشارة لأحد أو تجريح .
وعلى الأب - أيضاً - أن يُحضره مجالس العلم المناسبة له، وأن يؤدبه بأدب هذه المجالس الطيبة.
فلا يتكلم مع أحد أثناء الدرس، أو يعبث بحاجياته، بل ينتبه ويُنصت مستفيداً، ويكون معه الكتاب والكراس يكتب فيه الفوائد.
وبعد الدرس يذاكره ما حضره وكتبه، مع الاهتمام والمراجعة؛ فإن أحسن كافأه، وإن قصّر حثّه على الانتباه في الدرس القادم ، ولا يهمل ، ولا يلجأ إلى العقاب إلا بعد استنفاد الوسائل الممكنة.ِ

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.90 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.92%)]