تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ... فأمر بضرب خباء ...)
قوله: [ أخبرنا أبو داود ].وهو سليمان بن سيف الحراني، وهو ثقة، ثبت، وخرج له النسائي وحده.[ حدثنا يعلى ].وهو ابن عبيد الطنافسي، يعلى بن عبيد الطنافسي، وهو ثقة، وخرج له أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا يحيى بن سعيد ].وهو: الأنصاري المدني، هذا من صغار التابعين، يروي عن مالك، ويروي عنه يعلى بن عبيد، فهو غير يحيى بن سعيد الذي تكرر في الأسانيد السابقة، والذي يروي عنه النسائي بواسطة شخص واحد، وهنا يروي عنه بواسطة شخصين، وهذا الشخص يروي عن عمرة، يعني: بنت عبد الرحمن التي تروي عن عائشة، وهي من التابعين، فهو من صغار التابعين، يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عمرة ].وهي بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، وهي ثقة، وخرج حديثها أصحاب الكتب الستة، وهي مكثرة من الرواية عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.[ عن عائشة ].عائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله تعالى براءتها في آيات تتلى في سورة النور، وهي الصحابية التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ترو عنه امرأة من الحديث مثلما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهي من أوعية السنة، وهي من حفاظها الذين حفظوها، لا سيما في الأمور التي تتعلق في البيوت، والتي لا يراها إلا نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن وأرضاهن، فقد روت الكثير، وهي واحدة من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ذكرتهم آنفاً عند ذكر جابر بن عبد الله، والسيوطي قال فيهم:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِزوجة النبي: عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
شرح حديث: (أصيب سعد يوم الخندق... فضرب عليه رسول الله خيمة في المسجد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش رمية في الأكحل، فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب ) ].أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن سعداً، وهو: سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله تعالى عنه، كان قد رمي على أكحله -وهو عرق- رماه رجل من قريش فأصيب، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم له خيمة ليكون قريباً منه ليعوده من قرب، والمقصود من الحديث هو ذكر بناء الخيمة في المسجد؛ ليعوده الرسول صلى الله عليه وسلم من قريب، فهذا هو الشاهد في الترجمة، وأن جواز مثل ذلك عند الحاجة كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذاً: بالنسبة للاعتكاف، وبالنسبة لهذا الصحابي الجليل الذي هو سيد الأوس، والذي ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وسعد بن معاذ هو سيد الأوس، وأما سعد بن عبادة هو سيد الخزرج، وقد مات سعد بن معاذ بسبب هذا الجرح الذي أصابه بعد مدة، يعني: انفجر جرحه، وسأل الله عز وجل أن تكون وفاته بذلك، فانفجر الجرح، فكان موته بسبب ذلك وكان شهيداً، أما سعد بن عبادة فقد عاش بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أراد الأنصار أن يجعلوه أميراً كما يوم سقيفة بني ساعدة، حتى جاءهم أبو بكر رضي الله عنه وأخبرهم بما أخبرهم به، فجرى ما جرى، واتفقوا على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فـسعد بن معاذ سيد الأوس متقدم الوفاة، وكان ذلك بعد الخندق، وأما سعد بن عبادة سيد الخزرج، فعاش بعد وفاة الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أصيب سعد يوم الخندق... فضرب عليه رسول الله خيمة في المسجد)
قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].وهو اليشكري السرخسي، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة مأمون سني، وقال عنه: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، وقد خرج حديثه البخاري ومسلم والنسائي.[ حدثنا عبد الله بن نمير ].وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا هشام بن عروة ].وهو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن أبيه ].عروة بن الزبير، وهو ثقة، فقيه، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين اشتهروا بهذا اللقب في عصر التابعين، ومنهم عروة بن الزبير بن العوام هذا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عائشة رضي الله عنها ].يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وقد تقدم ذكرها في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
زمن قراءة المأموم للفاتحة إذا لم تكن هناك سكتة من قبل الإمام
السؤال: كيف يتم لنا قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية إذا لم تكن هناك سكتة من الإمام؟الجواب: ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم سكتات إلا السكتة التي تكون قبل القراءة، وهي للاستفتاح، وهذا هو الذي ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من السكتات، ولكن قراءة الفاتحة من المأموم في حالة الصلاة الجهرية تكون أثناء قراءة الإمام للسورة بعد الفاتحة، يعني: بعدما ينتهي من قراءة الفاتحة ويبدأ بقراءة السورة، ففي ذلك الوقت يقرأ المأموم الفاتحة والإمام يقرأ السورة، لكن لا يقرأ غيرها.
الجمع بين قوله تعالى: (إذا قُرئ القرآن فاستمعوا له ..) وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)
السؤال: كيف نوفق بين قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الأعراف:204]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )؟الجواب: يوفق بينهما بأن تحمل الآية: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الأعراف:204] على غير الفاتحة، وأما الفاتحة فإنه يقرؤها لما جاء في الحديث: ( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ).
شرب الدخان قبل الصلاة شر فوق شر
السؤال: بعض من ابتلي بشرب الدخان عندما يحضر لصلاة الجماعة يضع عمامته على فمه ويتلثم بالعمامة، وقد جاء النهي عن ذلك.الجواب: الرائحة الكريهة لا تمنعها العمامة، وإنما على الإنسان أن لا يشرب الدخان مطلقاً، وإذا ابتلي به لا يشربه قرب وقت الصلاة، بل لا يجوز له أن يشربه مطلقاً؛ لأن شربه حرام، وإيذاء الناس في المسجد زيادة شر على شر، وزيادة أمر منكر؛ لكونه فعل المحرم بشربه، وأيضاً كونه تسبب في إيذاء الناس.
التعليق على كلام السيوطي في جواز اتخاذ مسجد بجوار قبر رجل صالح
السؤال: ما تعليقكم على قول السيوطي في الشرح، يقول: فأما من اتخذ مسجداً في جوار صالحٍ، وقصد التبرك بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد؟الجواب: الوعيد الذي جاء في النهي عن اتخاذ القبور مساجد لا شك أنه واضح الدلالة على حرمة هذا العمل، لكن هذا الذي ذكره بعض الشراح، وهو أن الإنسان إذا لم يسجد على القبر أو لم يتخذ القبر مسجداً، ولكنه قصد أن يبني المسجد بقرب رجل صالح تبركاً أن هذا لا يدخل في الوعيد، فهذا كلام ليس بصحيح؛ لأن المنع من اتخاذ القبور مساجد هو التحذير من الغلو في الصالحين الذي يؤدي إلى عبادتهم وإلى صرف شيء من حق الله لهم، ومن المعلوم أنه إذا قصد التبرك بالقبر أن المحذور موجود، ولو قال الإنسان: إنه لا يريد التعظيم إلا أنه يئول الأمر إلى التعظيم، ولو لم يحصل من الإنسان الذي بنى ، لكن من الناس الذين يبتلون بذلك فيما بعد، فالواجب هو الحذر من هذا والابتعاد عنه، وأن لا تقصد القبور، لا بأن يبنى عليها، ولا أن يبنى عندها مسجد، فلا تبنى المساجد على القبور، ولا تبنى عند القبور قصداً للبركة بالقرب من هذا الرجل.
نوع النهي الوارد في عدم قرب المسجد عند أكل الثوم أو البصل ونحوه
السؤال: هل النهي الوارد في عدم القرب من المسجد من أكل هذه الأشجار نهي تحريم أو كراهة؟الجواب: لا، نهي تحريم؛ لأن المقصود هو منع إيذاء الناس، والإنسان الذي يفعل هذا يأثم.
الجمع بين قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة ..) وقوله: (ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)
السؤال: كيف نوفق أو نجمع بين الآيتين: قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:8]؟الجواب: كما هو معلوم، إذا حصل العفو والتجاوز فإنه لا يرآه، فهو يراه إذا شاء الله أن يعاقبه عليه أو شاء أن يناله ضرر، أما إذا تجاوز عنه وعفا فإنه يسلم من مغبته ولا يناله ضرره، ويمكن أن يقال: إنه يراه، لكن يتذكر، أو يكون الله قد عفا عنه وحصل له فضل الله عز وجل مع كونه رأى ما هو سبب في عذابه لو لم يعف الله عنه، فيكون ذلك فيه ظهور فضل الله عز وجل عليه؛ حيث رأى سبب الهلاك والله تعالى قد عفا عنه وتجاوز عنه من الهلاك.فهو إما أن يكون أنه ما رآه وأنه ما حصل، أو رأى هذا الذي فعله ولكن الله سبحانه وتعالى تجاوز عنه ، فلا تناله مضرته ومغبته، فلا تنافي بين الآيتين.
المقصود بوصف البصل والثوم وغيرها بأنها خبيثة
السؤال: ما معنى الحديث الذي فيه أن البصل والثوم من الأشجار الخبيثة؟الجواب: قضية الخبث الذي في الحديث بهذا اللفظ أنا لا أعرف، لكن الذي جاء عن عمر : (ما أُراهما إلا خبيثتين)، والخبث إنما هو خبث الرائحة كما هو معلوم.
كيفية الفتح على الإمام من قبل المأموم
السؤال: هل الفتح على الإمام بتذكيره بالآية أو بسورة أخرى؟ وهل إذا فتح عليه بقول المأموم سورة كذا صحيح؟ يعني: يتكلم ويقول.الجواب: لا، ما يفتح عليه بكلام يقول: سورة كذا، وإنما يفتح عليه بالآية، والغلط الذي وجد يأتي به على الصواب، فما يقول له: سورة كذا؛ لأن هذا من كلام الناس وليس قرآناً، وإنما يأتي به على هيئته، فيأتي بالآية ويقرأها ويسمعها الإمام، لكن لا يقول: سورة كذا، فهذا لا يجوز؛ لأن (سورة كذا) من كلام الناس، والصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس.
دخول خلفاء وأمراء الأقطار تحت السمع والطاعة
السؤال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فالزم جماعة المسلمين وإمامهم ) الوارد في حديث حذيفة وغيره من الأحاديث التي توجب على المسلم السمع والطاعة، هل هما خاصة بالإمامة العظمى والخليفة العام، أم أنها تشمل خليفة كل قطر من الأقطار؟الجواب: لا.. تشمل خليفة كل قطر من الأقطار إذا وجد، إذا ما وجد خليفة عام وما وجد خليفة يتولى أمر المسلمين، ولكن وجد أئمة يتولون أمور المسلمين في أقطار، وهم يحكمونهم بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يسمع ويطيع لذلك الذي تولى عليه، وليس معنى ذلك أن الإنسان ما يسمع ويطيع إلا إذا وجد إمام أعظم، وإذا ما وجد إمام أعظم يبقى بدون سمع وطاعة، لا .. يا ليت المسلمين مع تفرقهم يحكمهم حكامهم بكتاب الله عز وجل وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويستحقون السمع والطاعة لهم فيما يأمرونهم به ويستحقون أن تلزم إمامتهم، لكن التفرق موجود، والبعد عن الدين موجود.
تعدد البيعات لكل إمام في كل قطر كما هو الحال اليوم بسبب التفرق
السؤال: هل يجوز تعدد البيعات في الأقطار الإسلامية؟الجواب: الأصل أن يكون إمام المسلمين واحداً، لكن إذا ما وجد هذا، فلا مانع من وجود أئمة ويبايعون، وكل قطر يبايعون من يحكمهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا بأس بذلك، مثلما كان موجوداً في زمن ابن الزبير، وزمن عبد الملك بن مروان، كان هذا في الشام يسمع له ويطاع، وهذا في الحجاز يسمع له ويطاع، فليس فيه بأس؛ إذا ما حصل الشيء الأحسن، فالحسن الذي يليه أحسن من الضياع والظلام، يعني: مثلما يقال في المثل: إما سراجان وإما ظلماء، يعني: حتى سراج واحد أحسن من الظلماء، يعني: إذا كان إمام يلي أمر المسلمين يسمع ويطاع، وإذا كان أئمة للمسلمين يحكمونهم بكتاب الله، وكل واحد يحكم له قطر من الأقطار، فكلٌ يسمع ويطيع لذلك الذي يحكمه.
مذهب أهل السنة والجماعة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء
السؤال: ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء والمعراج؟الجواب: المشهور عن أهل السنة والجماعة والمعروف هو أنه لم يره، فلم ير ربه بعيني رأسه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا هو الذي دلت عليه الأحاديث؛ فإنه لما سئل: ( أرأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه )، فلو كان رآه لقال: نعم، أو قال: رأيت ربي، وإنما قال: (نور أنى أراه)، فقوله: (نور أنى أراه) يدل على عدم الرؤية، وفي بعض الأحاديث قال: ( رأيت نوراً )، والذي رآه هو النور الذي قال: (نور أنى أراه)، في الحديث الذي قال فيه: (رأيت نوراً)، واللفظ الذي يقول: (نور أنى أراه)، يعني: رأى النور الذي هو نور الحجاب، كما جاء في الحديث: ( حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه )، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعيني رأسه عندما عرج به إلى السماء، ولم يثبت ذلك عنه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولو كان ذلك حصل لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا شيء عظيم ليس بالهين ولا بالسهل.ثم إن الله عز وجل لم يشأ أن يرى في الدنيا، بل شاء أن تكون رؤيته في الدار الآخرة؛ لأن رؤيته أكمل نعيم يحصل في الجنة، فلو رؤي في الدنيا لحصل نعيم الآخرة قبل الآخرة، والله تعالى ادخر نعيم الآخرة حتى يكون غيباً، وحتى يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب، ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنه لن يرى أحد ربه حتى يموت )، في صحيح مسلم؛ لأن الله تعالى شاء أن تكون رؤيته في الدار الآخرة ولا تكون في الدنيا؛ لأنه لو رؤي في الدنيا أو حصلت رؤيته في الدنيا لكان حصل هذا النعيم في الدنيا قبل الآخرة، فلا يكون للآخرة ميزة على الدنيا، والرسول صلى الله عليه وسلم لما عرضت عليه الجنة والنار وهو في صلاة الكسوف، ورأى عناقيد العنب متدلية، ومد يده ليأخذ عنقوداً، وترك، فهو رأى الجنة، ورأى العناقيد، والصحابة وراءه يرون اليد الممدودة، ولا يرون الذي مدت إليه، فسألوه، قالوا: ( رأيناك مددت يدك كأنك تأخذ شيئاً؟ فقال: إنها عرضت علي الجنة فرأيت عناقيد العنب متدلية، فمددت يدي لأخذ عنقوداً منه، ثم تركت، قال: ولو أخذت منه لأكلتم ما بقيت الدنيا )، لكن الله شاء أن يكون نعيم الآخرة في الآخرة، ولا يأتي في الدنيا، وحتى يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب.الحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه ليلة المعراج، وإنما رؤيته ادخرها الله عز وجل في الدار الآخرة؛ لأنها أكمل نعيم يحصل لأهل دار النعيم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إنه لن يرى أحد ربه حتى يموت )، والحديث في صحيح مسلم.
رؤية الرب في المنام وتقريرها عند علماء السنة
السؤال: كيفية رؤية الله عز وجل في المنام وتقريرها عند علماء السنة؟الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه في المنام في أحسن صورة في حديث اختصام الملأ الأعلى، يعني: هذا ثابت، وأما رؤية غيره فما أعلم شيئاً يدل عليه، والله تعالى أعلم.
معنى مكاشفة الأولياء
السؤال: ما هي مكاشفة الأولياء؟الجواب: أولياء الله حقاً هم الذين إذا حصلت لهم الكرامة لا ينشرونها ولا يشيدون بها ولا يفخرون بها، وإنما يخفونها ويحبون أن لا يدري عنها أحد، وهذا هو شأن أولياء الله عز وجل، أما أدعياء الولاية فهم الذين يحبون إظهار ذلك حتى يقدسهم الناس، وحتى يعظمهم الناس، وحتى يبجلهم الناس، وأما أولياء الله حقاً فهم الذين إذا حصل منهم شيء يخفونه؛ كما حصل لـأويس القرني، وهو خير التابعين كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، فإنه قال: ( إن خير التابعين رجل يقال له: أويس القرني، وذكر شيئاً من صفاته، قال: فمن وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له، وإنه من أهل اليمن، فمن وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له )، فكان عمر رضي الله عنه وأرضاه يسأل أمداد اليمن التي تأتي من اليمن وتذهب لبلاد فارس للجهاد في سبيل الله، كان يسأل عن أويس حتى لقي أويساً وهو مار في المدينة ذاهب إلى طريق البصرة والكوفة، فسأله عن الصفات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدها متوفرة فيه، فقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا، وأنا أطلب منك أن تستغفر لي، ماذا قال أويس؟ قال أويس : أنتم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أنتم الذين يطلب منكم الاستغفار، لست أنا الذي يطلب منه الاستغفار، أنتم أصحاب الرسول، أنتم الذي يطلب منكم الاستغفار، يعني: فـعمر رضي الله عنه وهو من أهل الجنة، ولكون النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من وجده فليطلب منه أن يستغفر له ) فذلك طلب منه، وأويس أخبر بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن مع ذلك تواضع، وقال: أنتم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أنتم الذين يطلب منكم الاستغفار، ثم إنه قال له: أين تذهب؟ قال: أذهب إلى البصرة أو الكوفة، فقال: ألا أكتب لك إلى أميرها؟ قال: لا، دعني أكون في غبراء الناس، يعني: ما يريد أحد يدري عنه يبجله، ويقدره ويعظمه، ويفعل معه الأفعال التي تفعل مع كثير من الدجالين في هذا الزمان.وكذلك أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها عائشة، أنزل الله تعالى براءتها في آيات تتلى من كتاب الله عز وجل، ثم تقول: وكنت أتمنى أن يرى الرسول صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرئني الله بها، ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيَّ آيات تتلى، يعني: يحصل لها الشرف ويحصل لها الفضل، وتتواضع لله عز وجل، وتقول: لا أستحق أن ينزل في قرآن، ولشأني في نفسي أهون من هذا، هذا هو شأن أولياء الله عز وجل، فحصول المكاشفة أو الكشف، فقد يكشف للإنسان ويرى شيء بعيد، مثلما جاء في قصة عمر رضي الله عنه في قوله: يا سارية الجبل! حيث كشف له عما حصل في الميدان في بلاد الشام، وتكلم والصوت وصل، والله تعالى على كل شيء قدير، لكن ليس كل ما يزعم يصدق به، ولكن ما يثبت عن أولياء الله حقاً فإنه من إكرام الله عز وجل لأوليائه، لكن من شأن الله عز وجل أنهم لا يتبجحون، ولا يحصل منهم الاغترار لما يحصل لهم من الكرامة، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بكرامات الأولياء ويصدقون بها، ولكن ليس كل ما يزعم وكل ما يقال يصدق به، لكن ما ثبت أنه يصدق به، ومن حصل له هذا لا يغتر به.