عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 02-12-2019, 05:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,337
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قالوا: سيعتزلون الغناء والتمثيل بعد الحج!





أخي المغني، أختي المغنية، أخي الممثل، أختي الممثلة، أنا أجزم أنكم لستم راضين عن أنفسكم، وأنكم لم تجدوا السعادة التي كنتم تبحثون عنها في الغناء والتمثيل، ولا في الثروة والشهرة، وأن أكثركم لا يحب أن يموتَ مغنيًا أو ممثلاً، وما زلتُ أتذكر سؤالاً وجهتْه إحدى المذيعات لمغنٍ معروفٍ حينما قالت له: "ما هو أكثر شيء تفكِّر فيه ويشغل بالك؟"، وقبل أن يجيبها على سؤالها طلب منها أن تتجاوز إجابتَه وألا تعلِّقَ عليها، وبعد أن وافقَتْ على طلبه، أجابها باللهجة المصرية: "مش بتمنَّى أموت وأنا مطرب".



ولكن، هل ينفع التمنِّي بدون عمل وبحث عن مخرج من هذا المـأزِق؛ قال الله - جل وعلا -: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 105]، وقد حدَث أن بعض أهل الكتاب تناقشوا مع بعض المؤمنين، كلٌّ يدَّعِي أن الفضل له دون الآخر، فنزل قوله - تعالى -: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ [النساء: 123، 124]، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((الكَيِّسُ مَن دان نفسَه، وعمِل لِما بعد الموت، والعاجز مَن أتْبَعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأمانيَّ))؛ [رواه الطبراني وأحمد والترمذي وقال: حسن]، ومِن باب الأمانة، فالحديث في إسناده نظر، ولكن معناه صحيح، وأُثر عن الحسن البصري أنه قال: "ليس الإيمان بالتمنِّي، ولكن ما وقَر في القلب، وصدَّقه العمل، وإنَّ قومًا خرجوا من الدنيا ولا عمل لهم، وقالوا: نحن نُحسِن الظنَّ بالله، وكَذَبُوا؛ لو أحسَنوا الظنَّ، لأحسَنوا العمل".



فلماذا لا تُعلنونها توبة لله - عز وجل - من الآن؟! سيما وأن الموقف ينتظر منكم قرارًا شجاعًا جادًّا وليس مجرد أماني، لماذا تبيعون جنةَ الآخرة بعَرَض من الدنيا قليل وزائل؟! لماذا تُسخِطون ربَّ العباد برضا العباد؟! لماذا تهتمون لما سيقوله الناس عنكم في الدنيا، وكلهم قائل يوم القيامة: نفسي نفسي؟! أما يكفيكم أنكم فتنتم شبابًا كثيرين، وألهيتموهم عن تعلُّمِ دِينهم، وشغَلْتموهم عن النهوض ببلادهم، والرقي بمجتمعاتهم وأوطانهم! نعم؛ لأنكم كنتم - ولا زلتم - أدوات بأيدي مسؤولين لا يرقُبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمةً؛ لتخدير الشعوب، وتخريب البيوت، وتبذير أموال العباد فيما لا ينفع البلاد!



ها هي الأمة طريحة جريحة أمامكم، تُستنزف من كل جانب، أمَا تخجلون وأنتم ترقصون على جراحها؟! وتغنُّون على أوتار آهاتها وصراخها؟! وتتلاعبون بمشاعرها من خلال تمثيليات تافهة ساقطة تغيِّبها عن واقعها المرير؟! إلى متى؟! إلى متى؟! مَن كان له ضمير فسيجد لكلماتي صدًى، وينتقل من الرَّدى إلى الهدى، ومَن ترك شيئًا لله، عوَّضه الله خيرًا منه، ومن أعرض وتكبَّر وأصرَّ على ما هو فيه، فأذكِّره بقوله - تعالى -: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 124 - 127]، وقال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴾ [البروج: 10، 11].



لا يخدعنَّكم الشيطان بأعذار واهية؛ ليَثنيكم عن التوبة والرجوع إلى الله: (سوف أعتزل بعد الحج)، فكم من زملائكم قد حجُّوا ومع ذلك لم يعتزلوا؛ لأنهم ما حقَّقوا شروط التوبة، ولا عرَفوا مفهوم التوبة، فلا تكونوا مثلَهم!



وكم من زملائكم أيضًا قد تابوا وبعدها ذهبوا للحج والعمرة، وهم الآن دعاة إلى الله تعالى، قد أبدل الله حالهم إلى خير حال! وأبدل تعاستهم إلى سعادة! فكونوا مثلهم؛ فباب التوبة ما زال مفتوحًا أمامكم، والله - سبحانه وتعالى - الجوَادُ الكريم الغفور الرحيم، يفرَحُ بتوبة عبده، ويعفو عن سيئاته متى تاب إليه وقصَده بصدق وإخلاص!



ولا تَؤُودنَّك كثرة الخطايا؛ فلو كانت ركامًا أسودَ كزَبَد البحر، ما بالى اللهُ - عز وجل - بالتعفية عليها إن أنت اتَّجهت إليه قصدًا، وانطلقت إليه ركضًا.



إن الكنود القديم لا يجوز أن يكون عائقًا أمام أوبةٍ صادقة: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ... ﴾ [الزمر: 53، 54]



وفي حديث قدسي عن الله - عز وجل -: ((يا بن آدم، إنك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم، لو بلغَتْ ذنوبُك عَنان السماء، ثم استغفرتَني، غفرتُ لك ولا أبالي، يا بن آدم، إنك لو أتيتَني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتَني لا تُشركُ بي شيئًا، لأتيتُك بقُرابها مغفرة))؛ [الترمذي].



وهذا الحديث وأمثاله جرعةٌ تحيي الأمل في الإرادة المخدَّرة، وتُنهض العزيمة الغافية وهي خجلى لتستأنف السيرَ إلى الله، ولتجدِّد حياتها بعد ماضٍ مُلتوٍ مسكين!



لا أدري لماذا لا يطير العباد إلى ربهم على أجنحة من الشوق، بدل أن يُساقوا إليه بسياط من الرهبة؟!



إنَ الجهل بالله وبدِينه هو عِلةُ هذا الشعور البارد، أو هذا الشعور النافر - بالتعبير الصحيح - مع أنَّ البشر لن يجدوا أبرَّ بهم ولا أحنَى عليهم من الله - عز وجل؛ [جدِّد حياتك للغزالي].



وأختم بهذه القصيدة لجمال الدين الصرصري - رحمه الله -:



أَنَا العَبدُ الذي كَسَبَ الذُّنُوبَا

وَصَدَّتْهُ الأمَانِي أن يَتُوبَا




أَنَا العَبدُ الذِي أَضحَى حَزِينًا

على زَلاتِهِ قَلِقًا كَئِيبَا




أَنَا العَبدُ الذِي سُطِرَت عَلَيهِ

صَحَائِفُ لَم يَخَفْ فِيهَا الرَّقِيبَا




أَنَا العَبدُ المُسِيءُ عَصَيتُ سِرًّا

فَمَا لِيَ الآنَ لا أُبدِي النَّحِيبَا




أَنَا العَبدُ المُفَرطُ ضَاعَ عُمرِي

فَلَم أَرعَ الشبِيبَةَ وَالمَشِيبَا




أَنَا العَبدُ الغَرِيقُ بِلُج بَحرٍ

أَصِيحُ لَرُبمَا أَلقَى مُجِيبَا




أَنَا العَبدُ السقِيمُ مِن الخَطَايَا

وَقَد أَقبَلتُ أَلتَمِسُ الطبِيبَا







وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.44 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.82 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.80%)]