موقف المسيح من تقديس السبت!
اللواء المهندس أحمد عبدالوهاب علي
كما نستطيع أن نقرر أيضًا أنه إلى ذلك الحين لم يكن المسيحُ قد دخل ببنوَّته في شركةٍ مع الله على هذا النحو الذي يَجعل منه الله مندمجًا في أقنوميَّة الآب والروح القدسي؛ وغاية ما كان يُتصوَّر في هذه البنوَّة أنها فرعٌ عن أصل، وأنها إن دلَّت على الإله فلن تكون هي الإله.
وفي هذا القرار إعلانٌ صريح عن الله (الآب) أنه خالقٌ للسموات والأرض، أما الابن فلم يكن له في خَلق السموات والأرض أيُّ دخل، ولكن المسيحيَّة بعدَ هذا تَدين بأن الله الآب لم يخلق شيئًا، وإنما المسيح الابن هو الذي خلق كلَّ شيء! فأقنوم الابن هو القائم بعملية الخلق، كما انتهى إلى ذلك معتقَدُ المسيحية، بيدَ أن المسيحية إلى ما بعد منتصف القرن الرابع لم تكُن قد استكملَت حقيقتها؛ فما زال موقف المسيح متأرجحًا مضطربًا بين الإله والإنسان، وإن الأمر ليَحتاج إلى خطوة أو خطوات أخرى لسدِّ هذه الفجوة العميقة التي تتذبذب فيها شخصيَّة المسيح متأرجحةً مضطربةً بين الإله والإنسان!
وليس يقوم لهذا الأمر إلا مجمع مقدَّس يسوِّي ألوان هذه الصورةِ المهزوزة، ويحدِّد ملامحها، وهذا ما قد كان فعلاً؛ ففي سنة 381م أمر الملك تاودسيوس الكبير بعقد مَجمع مقدَّس في مدينة القسطنطينية؛ للنظر في مقولة مقدونيوس بطرِيَرك القسطنطينية التي كان يُنادي بها في محيط كنيسته، ويُذيعها في أتباعه، وهي أن الرُّوح القدس مخلوق كسائر المخلوقات.
وواضح من هذا أنَّ أمر الروح القدس لم يكن قد استقرَّ بعدُ كوجهٍ من وجوه الله، وأقنومٍ من أقانيمه، متساويًا مع الآب والابن في الرُّتبة، وقد اجتمعَ في هذا المؤتمر مائةٌ وخمسون أسقفًّا يمثلون جميع الهيئات المسيحية، وكان من بينهم تيموثاوس بطريَرك الإسكندريَّة الذي أُسندت إليه رئاسةُ الجميع.
وقد انتهى المؤتمر بإدانة مقدونيوس ومَن كان على رأيه مِن الأساقفة، ثم خرج المجمع بالمصادقة على قرار نيقية، ثم إضافة نصٍّ جديد كالآتي، مع بيان نصوص الكتاب المقدَّس التي رجعوا إليها:
• "نعم، نؤمن بالروح القدس"؛ إنجيل (يوحنا 14: 26).
• "الرب"؛ الرسالة الثانية إلى كورنثوس (2: 17 - 18).
• "المحيي"؛ (رومية 8: 11).
• "المنبثق من الآب"؛ إنجيل (يوحنا 15: 16).
• "نسجد له ونمجِّده مع الآب والابن"؛ إنجيل (متى 18: 19 - 20).
• "الناطق في الأنبياء"؛ (الرسالة الأولى لبطرس 1: 11، 2 بط 1: 21).
• "وبكنيسة"؛ إنجيل (متى 16: 18).
• "واحدة"؛ (رومية 13: 5).
• "مقدَّسة"؛ (أفسس 5: 25، 26).
• "جامعة"؛ إنجيل (يوحنا 11: 52).
• "رسوليَّة"؛ (أفسس 5: 3).
• "ونعترف بمعمودية واحدة"؛ (أفسسس د: 5).
• "لمغفرة الخطايا"؛ (عبرانيين 8: 13، 9: 22).
• "وننتظر قيامة الأموات"؛ الرسالة الأولى لكورنثوس (15: 21).
• "وحياة الدهر الآتي؛ آمين"؛ إنجيل (لوقا 18: 30)".
وقد جُمع هذا النص كسابقه من أشتات ملفَّقة من الأناجيل والرسائل، ومنتزَعةٍ من مواطنها انتزاعًا في غير رفق أو تلطُّف؛ لتلتقي هنا على غير إلف أو تعارف، وفي هذا النص يَظهر الوجه الثالث للثالوث المقدس.
ثم تبدأ المسيحيَّة النظرَ في الإله ذي الأقانيم الثلاثة نظرًا فلسفيًّا لاهوتيًّا، تختلط فيه الفلسفة باللاهوت، ويمتزج فيه الواقعُ بالخيال، ويعمل العقل المسيحيُّ في جِدٍّ وبراعة في نَسج ملحمة من أبرع الملاحم الأسطورية التي تصل السماء بالأرض، وتخلط الله بالإنسان، ولكن القصة لم تتمَّ فصولها بعد.
فما زال هناك فجواتٌ تَنتظر من المجامع المقدسة أن تَملأها بتلك الكلمات التي تلتقطُها من شتيت الصفحات في الأناجيل والرسائل!
ففي سنة 431 م، أعلن نسطور بطريك القسطنينية قوله: إنَّ العذراء لم تلد متأنسًا بل ولدت إنسانًا عاديًّا ساذجًا، ثم حلَّ فيه الإله بإرادته، لا بالاتحاد؛ فهو لهذا ذو طبيعتين وأقنومين!
وقد انقسم المسيحيون إزاء هذا الرأي؛ فكان بعضهم في جانب نسطور، وكان البعض الآخر في الجانب المخالِف له، على حين وقَف كثيرون موقف الحياد بين الحيرة والتردد؛ ومن أجل هذا دعا الملك تاودوس الصغير ملكُ القسطنطينية إلى عَقد المجمع المقدس، فحضَره نحو مائتي أسقفٍّ، وبعد مناقشات طويلة انتهى الرأي إلى القول بتجسُّد الكلمة، واتحاد الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية، بدون اختلاطٍ ولا امتزاج ولا استحالة.
والذي لفَت النظر في مقرَّرات هذا المؤتمر أنها لم تخرج مخرج المقررات التي صدرَت في المجمعين السابقين؛ حيث لم تكن في صورة دعوةٍ إلى إيمان بحقيقة جديدة، وإنما جُعلت هذه المقرَّرات مقدمةً لقانون الإيمان، وكأنَّ المؤتمِرين قدَّروا الخطر الناجم عن تبدُّل صورة العقيدة، وما يدخل في قلوب الناس وعقولهم من هذه الإضافات التي تحدث كلما حدثَت أحداث وبرزَت آراء؛ فذلك من شأنه أن يجعل الناس يتَّهمون المقولات التي تُلقى إليهم من جهة الدين، ويتشكَّكون في إضافتها إلى السماء؛ حيث لا تبديل لكلمات الله.
نقول: إن المؤتمِرين قدَّروا هذا كلَّه، فلم يجعلوا لمقرراتهم شيئًا جديدًا يَدخل في مجال العقيدة، وإنما جعلوه مقدِّمة إلى العقيدة ومدخلاً إلى الإيمان، وقد حملت هذه المقدمةُ ثلاث مقولات عن العذراء والمسيح والثالوث، وها هي ذي كما صدرَت في المجمع:
• تطويب العذراء: "نعظمك يا أمَّ النور الحقيقي، ونمجدك أيتها العذراء القديسة؛ لأنك ولدت لنا مخلِّص العالم كلِّه، أتى وخلَّص نفوسنا".
• إنَّ هذه الكلمات القصيرةَ لها مصدرها؛ فقولهم: "نعظمك"؛ تأتي من إنجيل (لوقا 1: 48).
• "يا أم النور الحقيقي"؛ من إنجيل (لوقا 1: 43) ومن إنجيل (يوحنا 1: 8 - 10).
• "ونمجدك"؛ من (المزمور 91: 15).
• "أيتها العذراء القدِّيسة"؛ من (أشعياء 7: 14 ولوقا 1: 37).
• "لأنك ولدت لنا مخلِّص العالم كله"؛ من (لوقا 3: 11).
• "أتى وخلَّص نفوسنا"؛ من (لوقا 19: 10).
• تمجيد السيد المسيح: "المجد لك يا سيدنا وملكنا المسيح، فخر الرسل، إكليل الشهداء، تهليل الصديقين، ثبات الكنائس، غافر الخطايا"؛ هذه الكلمات أيضًا لها مَراجعها؛ فكلمات:
• "المجد لك يا سيدنا"؛ تأتي من (أشعيا 43: 8).
• "لملكنا المسيح"؛ من (لوقا 1: 33).
• "فخر الرسل"؛ من (غلاطية 6: 14).
• "إكليل الشهداء"؛ من (أشعياء 38: 5).
• "تهليل الصديقين"؛ من إنجيل (يوحنا 8: 56).
• "ثبات الكنائس"؛ من إنجيل (يوحنا 15: 34).
• "غافر الخطايا"؛ من إنجيل (متى 9: 3).
التبشير بالثالوث الأقدس: "نكرز ونبشر بالثالوث الأقدس، لاهوت واحد نسجد له ونمجده، يا رب ارحم، يا رب ارحم، يارب بارك؛ آمين"؛ فهذه الكلمات لها انتماؤها؛ فعبارة:
• "نكرز ونبشر"؛ تأتي من (الرسالة إلى العبرانيين 10: 43).
• "بالثالوث الأقدس"؛ من (متى 28: 19).
• "لاهوت واحد"؛ من (يوحنا 5: 7).
• "نسجد له ونمجده"؛ من (متى 4: 10).
• "يارب ارحم، يا رب ارحم"؛ من (المزمور 33: 1).
• "يارب بارك؛ آمين"؛ من (لوقا 53: 24).
ومن هنا نرى أنه فضلاً عن أن قانون الإيمان تطور عبر المجامع كما رأيتم، فهو في الوقت نفسه ملفَّق من كلمات مفرَدة؛ بعضها من أسفار العهد القديم، وبعضها من أسفار العهد الجديد، فهي كلها تلفيقات مأخوذة من أشتاتٍ متنافرة.
تعليق اللواء أحمد عبدالوهاب:
والآن أترك التعليق للسيد اللواء مهندس أحمد عبدالوهاب، الذي قال: لي تعليقٌ بسيط يتلخَّص في بيان أنَّ آريوس الذي قال: إن المسيح مخلوق، وإنه أقلُّ من الله في الجوهر، ابتداءً من عام 313م فصاعدًا، لم يكن هو أوَّلَ من قال بهذا القول واعتقدَه، ولكن قال هذا المسيحيُّون الأوائل أيضًا، وهو أن المسيح إنسان مخلوق.
لقد كانت تلك هي عقيدةَ الغالبية العظمى من المسيحيين الأوائل، كذلك فإنَّ وصف المسيح بأنه (عبد الله) لا يَزال موجودًا إلى الآن في أسفار العهد الجديد، ولكن للأسف فإنَّ الطبعات العربيَّة تَذكرها بصورة مستتِرة؛ حتى لا يتبيَّنه القارئ العربي؛ فقد وصف المسيح في الأسفار بأنه نبي، ورسول، وأنه ابن الإنسان - أي: ابن آدم - وكان هذا هو الاسمَ المحبَّب إليه، ولقد وصف في هذه الأسفار كذلك بأنه عبد، ولكن للأسف فإنهم لم يَستخدموا هذه الكلمة، وإنما استخدموا كلمة مرادفةً لها بصورة مستترة؛ فنقرأ في إنجيل متى - وهو مشهورٌ بأنه أكثر كتبة الأناجيل استشهادًا بأسفار العهد القديم بدعوى أنها تنبُّؤات سبق القول بها، وكان من نتيجة التكالب على هذا العمل أن أصبحَ العلماء مقتنِعين بعد دراساتهم الطويلة أنَّ متى أشار إلى تنبؤات ليس لها وجودٌ في أسفار العهد القديم، ولا يُعلم لها أصل.
ولكن يهمني هنا أن أبيِّن كيف اصطاد كاتب إنجيل متى نبوءةً من العهد القديم، ولكن عندما أُدرجَت في العهد الجديد، في إنجيل متى، فقد حدَث فيها تحويرٌ ملحوظ؛ حتى لا يتبيَّنه القارئ العربي.
ماذا يقول متى؟
إنه يقول في (الإصحاح 12: 15 - 21): "تبعته جموعٌ كثيرة، فشفاهم جميعًا وأوصاهم أن لا يُظهروه؛ لكي يتم ما قيل بأشعياء النبي القائل: هو ذا فتايَ الذي اخترتُه، حبيبي الذي سرت به نفسي، أضع روحي عليه، فيخبر الأمم بالحق؛ لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته، قصبة مرضوضة لا يَقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ، حتى يخرج الحق إلى النصرة، وعلى اسمه يكون رجاء الأمم".
لكن نبوءة أشعياء - التي اقتبَس منها متَّى أغلب هذه الكلمات - نجدُها تقول في (الإصحاح 42: 1 - 4) ما نصُّه: "هو ذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سُرَّت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع، ولا يسمع في الشارع صوته، قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ، يخرج الحق، لا يكلُّ ولا ينكسر، حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته".
لكن هؤلاء السادة الذين اؤتُمِنوا على كتاب الله لم يراعوا تلك الأمانة؛ ذلك أن أول كلمات سفر أشعياء هذه تقول: "هو ذا عبدي الذي أعضده"، لكنهم نقَلوها في أسفار العهد الجديد لتكون: "هو ذا فتاي الذي اخترتُه"!
لقد عمدوا إلى وضع كلمة "فتى" في أسفار العهد الجديد بدلاً من نظيرتها كلمة "عبد" الموجودة في أسفار العهد القديم؛ حتى يبتعد القارئ العربي عن فكرة أنَّ المسيح عبدُ الله، ولو أن الاستعمال اللغوي لكلمة (فتى) بالعربية تعني "عبدًا" كما في سورة يوسف في قوله: ï´؟ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ï´¾ [يوسف: 30]، وقولِه: ï´؟ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا ï´¾ [يوسف: 62]؛ فكلمة الفتى تعني العبد.
وإذًا نقرِّر أن الإنجيل الموجود حاليًّا يعترف بأنَّ المسيح هو عبد الله.
كذلك وصف تلاميذ المسيح - وعلى رأسهم بطرس ويوحنا - المسيحَ بأنه "فتى الله"؛ أي: "عبد الله"؛ فقد جاء في (سِفر أعمال الرسل 3: 15): "إن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إلهُ آبائنا، مجد فتاه يسوع".
ولو كُتبت هذه "مجَّد عبدَه يسوع"؛ فإنها تنبِّه عقل القارئ العربي إلى حقيقة أنَّ المسيح هو عبدُ الله، ولو رجَعنا إلى الترجمة الإنجليزية للكتاب المقدَّس لوجَدنا أنها موجودةٌ في سفر أشعياء، وفي إنجيل متى، وفي سفر أعمال الرسل بصيغةٍ واحدة؛ لتعطي هذا المعنى وهي Thy servant؛ أي: "عبدك"! والخلاصة أن المسيح ذُكر في أسفار العهد الجديد بأنه عبدُ الله.
وبهذا اختُتمت هذه الجلسة الرابعة؛ على أن يَعقبها في الغد الجلسةُ الخامسة إن شاء الله.
[1] يراجَع في هذا الصدد الدراسة التي قام بها الأستاذ عبدالكريم الخطيب في كتابه: "المسيح في التوراة والإنجيل والقرآن".