عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 23-11-2019, 04:13 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,268
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الحج من إتحاف النبهاء بضوابط الفقهاء

أعمال القارن كالمفرد ويزيد بوجود الهدي وأعمال المتمتع كالقارن ويزيد بالتحلل والسعي
أقول: وهذا الضابط يعطيك الفروق بين هذه الأنساك وبيانه أن يقال: إن القارن والمفرد والمتمتع يشتركون في غالب الأعمال فهم يحرمون من الميقات ويطوفون ويسعون ويقفون بعرفه إلى الغروب ويبيتون بمزدلفة إلى الصبح ويرمون جمرة العقبة ويحلقون أو يقصرون ويبيتون بمنى أيام التشريق ويرمون الجمرات الثلاث بعد الزوال في أيامها، فهذه الأعمال يتفق فيها الثلاثة إلا أن هناك أشياء ينفرد بها بعض الأنساك عن غيره، فالقران هو بعينه الإفراد إلا أنه يزيد بوجوب الهدي أي أن القارن يجب عليه أن يذبح الهدي يوم العيد وأما المفرد فلا هدي يجب عليه ولكن إن أحب يتطوع بالهدي فله ذلك، لكن لا يجب عليه، فالطواف الذي يكون منهما أول ما يقدمون هو طواف القدوم، والسعي الذي بعده هو سعي الحج، وهكذا بقية الأنساك. وأما المتمتع فإنه كالقارن أيضاً إلا أنه يختلف عنه بالتحلل الفاصل بين العمرة والحج، فإن المتمتع إذا طاف وسعى فإنه يتحلل بالتقصير التحلل الكامل فيحل له ما كان حراماً بالإحرام، إلى يوم التروية فهذا التحلل من خصائص التمتع وهذا هو معنى قولنا " ويزيد " أي المتمتع " بالتحلل " فنعني به هذا التحلل. وهناك شيء آخر أيضاً وهو أن المتمتع يجب عليه سعيان، سعي للعمرة وهو الذي حصل مع الطواف الأول، فالطواف الأول والسعي الأول هما طواف وسعي العمرة، ويبقى عليه سعي الحج ووقته يوم النحر، وأما القارن فإنه ليس عليه إلا سعي واحد ويكفيه عن حجه وعمرته كما قال عليه الصلاة والسلام لعائشة: (( طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك )) رواه مسلم. وبهذا يتحدد لك الفرق بين هذه الأنساك فالفرق إنما هو فيما ذكرناه فقط وإلا فكل الأنساك الباقية هم فيها متفقون، وأزيدك إيضاحاً فأقول: خرج ثلاثة يريدون الحج، فوصلوا للميقات فأحرموا بالأنساك الثلاثة هذا متمتع وهذا قارن وهذا مفرد، وشرعوا في التلبية إلى أن وصلوا البيت الحرام وطافوا فهذا الطواف في حق القارن والمفرد سنة وهو طواف القدوم، وأما في حق المتمتع ففرض لأنه طواف العمرة ثم سعوا بين الصفا والمروة وهذا السعي بالنسبة للقارن والمفرد سعي الحج الذي هو ركن من أركان الحج وأما بالنسبة للمتمتع فهو سعي العمرة الذي هو ركن من أركانها وبعد ذلك قصر المتمتع وحل من إحرامه، وأما القارن والمفرد فإنهما لا يزالان على إحرامهما بالحج وجاء يوم التروية فاهل المتمتع بالحج، وذهبوا جميعاً إلى منى وباتوا بها تلك الليلة وهذا المبيت سنة في حقهم جميعاً فلما أصبحوا توجهوا إلى عرفة جميعاً وبقوا فيها إلى الغروب ثم توجهوا إلى المزدلفة جميعاً وباتوا بها إلى الصباح ثم توجهوا جميعاً إلى الجمرة العقبة فرموها بسبع حصيات ثم نحر المتمتع والقارن هديهما وأما المفرد فكما أنه لا هدي عليه وحلقوا جميعاً أو قصروا ثم أفاضوا جميعاً إلى البيت فطافوا طواف الإفاضة، فأما المتمتع فإنه سعى أيضاً بين الصفا والمروة سعي الحج، لأن سعيه الأول كان للعمرة، ثم رجعوا إلى منى فباتوا بها تلك الليلة ثم لما أصبحوا وزالت الشمس رموا الجمرات الثلاث بالترتيب، ثم باتوا أيضاً تلك الليلة ثم رموا اليوم الثاني بعد الزوال ثم من أراد فيهم التعجل ذهب وطاف للوداع ثم عاد إلى بلده.
فأنت ترى في هذا السرد أن القارن كالمفرد إلا أنه اختلف معه بالتحلل وبوجوب سعي ثانٍ وهذا على القول الصحيح وإلا فالعلماء اختلفوا هل على المتمتع سعي ثانٍ أم يكفيه السعي الأول على أقوال، والصواب منها إن شاء الله تعالى أنه يجب عليه سعي ثانٍ واختلف العلماء أيضاً هل على القارن سعي ثانٍ على أقوال، والصواب منها أنه لا يجب عليه إلا سعي واحد فبان بهذا الضابط الفروق بين هذه الأنساك وهذا من الواجبات التي تتحتم معرفتها على طالب العلم الذي يريد التصدر لإجابة أسئلة الناس التي ترد عليه في شأن الحج وأرجو الله باسمه الأعظم أن أكون قد وفقت في إيصاله إلى ذلك والله المستعان وهو أعلى وأعلم.

كل منسك محدد بزمان أو مكان فلا يجوز تقديمه أو إخراجه عن حده
وهذا الضابط من الأهمية بمكان لطالب العلم في فقه هذا الكتاب المبارك أعني كتاب الحج، وهو محض توفيق من الله تعالى فإنه يجمع من المسائل المهمة العظيمة ويلم فروعاً كثيرة في كتاب الحج مما يكون في ضبطه ضبطها وإتقانها، وهذا الضابط متفرع عن قاعدة مهمة في الأصول قد شرحناها في كتابنا تلقيح الأفهام، ونصها يقول: العبادة المؤقتة بوقت تفوت بفوات وقتها إلا من عذر. وبيان هذا الضابط أن يقال: اعلم - أرشدنا الله وإياك لطاعته وكمل لنا ولك مراتب العلم النافع والعمل الصالح - أن العبادات من ناحية وقتها لا تخلو إما أن تكون عبادات مؤقتة بوقتٍ كافٍ ومكان معلوم كالصلوات المكتوبة وصوم رمضان وعاشوراء وعرفة ومزدلفة ومنى والإحرام من الميقات ونحوها، وإما لا، وهذا الضابط الذي معها هو في العبادات المؤقتة بزمان أو مكان فيخرج بذلك العبادات المطلقة، وبناءً عليه فإن هذا التوقيت له شأن عظيم في الشريعة وللشارع الحكمة البالغة والمصلحة العظيمة في تقريره وتحديده، وبناءً عليه فيجب احترامه والالتزام به والتقيد به فلا ينبغي إخراجه عن وقته أو تأخيره عن مكانه أبداً، فإنه أي هذا الفعل وهذا القول لا يكون داخلاً في حيز المشروع إلا إذا فعل في وقته ومكانه المحدد له وإلا فبالله عليك لماذا يكلف الله الناس بهذا التحديد إذا لم يكن له هذا الأثر، فلو أن الإنسان أحرم بالحج في غير أشهره ألف مرة لما وقع حجاً، لأن الله تعالى حدد للإحرام به أشهراً معلومات فقال: { الحج أشهر معلومات } وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، ولو أن الإنسان وقف في بقاع الدنيا كلها لم يجزئه يوم التاسع بمكانٍ معين وزمانٍ معين وهكذا فشأن التوقيت في الشريعة ليس سهلاً وهذا من تعظيم شعائر الله.
إذاً تبين بهذا أننا في هذا النوع من العبادات أعني العبادات المؤقتة بزمان أو مكان مأمورين بشيئين، الأول: بالإتيان بهذه العبادة. الثاني: إيقاعها في هذا الزمان أو المكان المعين لها. فيا سبحان الله العظيم والله لم يكن هذا الضابط من الضوابط التي جمعتها في الحج ولكنه تفضل ومنّة على العاجز الضعيف الذي لا حول له ولا قوة إلا بربه القوي الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه، فله الحمد والفضل والشكر كله أوله وآخره وظاهره وباطنه وسره وعلانيته ونسأله المزيد من فضله.
والأدلة على صحة هذا الضابط أكثر من أن تحصر من أن تذكر وسيأتي طرف منها في قيد الفروع إن شاء الله تعالى، فأقول وبالله التوفيق ومنه أستمد الفضل وحسن التحقيق:
منها: الإحرام بالحج والعمرة فإن الشريعة قد حددت له زماناً ومكاناً، وهي المواقيت الزمانية والمكانية، فأما الزمانية فلا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة فبطلوع فجر يوم النحر ينتهي وقت الإحرام بالحج فلا يستطيع أحد أن يعقد بعد الفجر من يوم النحر إحراماً بالحج، وهي المرادة بقوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } وأما العمرة فقال أهل العلم: إن الإحرام بها منعقد في كل أوقات العام ما عدا الأوقات التي يكون فيها محرماً بالحج، فإنه يكون مشغولاً باطناً وظاهراً بالحج والمشغول لا يشغل، فهذا بالنسبة للمواقيت الزمانية، وأما المكانية فقد ورد فيها البيان الكافي الشافي وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: (( هن لهن ولمن أتى عليهن ممن أراد الحج أو العمرة وممن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة )) متفق عليه. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقّت لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو داود والنسائي، وأصله في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه إلا أن راويه شك في رفعه، وعند البخاري أن عمر رضي الله هو الذي وقّت ذات عرق، وعند أحمد وأبي داود والترمذي من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقّت لأهل المشرق العقيق، وأما حديث أم سلمة قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( من أهَلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة )) رواه أبو داود وابن ماجة فهو حديث ضعيف لا تقوم بمثله الحجة وقد تقرر في الأصول أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للدليل الصحيح الصريح وبناءً على ذلك فلا يجوز للآفاقي أن يؤخر الإحرام عن هذه المواقيت لأنه أي الإحرام عبادة محددة بهذه الأمكنة فمن خالف وأخّر فعليه دم لأنه ترك شيئاً من نسكه، وكذلك لا ينبغي الإحرام قبلها وتشدد كراهته حتى يصل إلى حد البدعة إن فعله صاحبه ظاناً أنه قد جاء بالأفضل فإنه قد جمع بين شرين كبيرين، الأول: اعتقاده أنه جاء بأفضل مما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه أحرص على الخير منه، الثاني: أنه واقع في البدعة لأنه متعبد بما لم تأتِ به الشريعة فاحذر من هذا يا رعاك الله، وبقي أن يقال: إن الإحرام بالعمرة إذا كان مريده داخل حدود الحرم، يكون من أدنى الحل لحديث عائشة وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعمرها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن والله أعلم.
ومنها: الطواف فإنه عبادة محددة بمكان معين وهو حول الكعبة داخل حدود البيت، وقد اتفق العلماء رحمهم الله تعالى أنه لا يطاف بشيء من أجزاء الأرض وبقاعها وأحجارها وأشجارها إلا بالكعبة فقط، فمن طاف بغيرها فيكون قد جاء بالعبادة في غير مكانها فليست بعبادة إلا للشيطان وكذلك لو طاف خارج حدود البيت فإنه لا يعد طائفاً قال تعالى: { وليطوفوا بالبيت العتيق } ومن طاف على شاذروان الكعبة فإنه لا يكون طائفاً بالبيت على القول الصحيح، وكذلك لو طاف دون الحجر فإنه لا يجزئه أيضاً لأن الله تعالى قال: { وليطوفوا بالبيت العتيق } والشاذروان والحجر منه، والله أعلم.

ومنها: الرمل وهو سرعة المشي مع مقاربة الخطى فإنها عبادة محددة بزمن وهو في الأشواط الثلاثة في طواف القدوم أو العمرة فقط، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي عنهما قال: أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا أربعاً ما بين الركعتين، وفي حديث ابن عمر أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثاً ومشى أربعاً. وفي رواية قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشي أربعاً. متفق عليه، فالرمل عبادة محددة بزمان فلا يكون عبادة إلا في هذا الزمان وبناءً عليه فلو رمل في الشوط الرابع أو الخامس أو السادس أو السابع فإنه لا يثاب على هذا الرمل لأنه ليس هذا وقته ولو رمل في طواف الإفاضه أو الوداع فإنه لا ثواب فيه بل يكون مخطئاً بذلك لأنه ليس هذا وقته ولكن حيث كان الرمل سنة فإنه لا يكون في عدم الإتيان به إثم لأن السنة لا يعاقب تاركها، والله أعلم.
ومنها: السعي بين الصفا والمروة ومثله بداية الطواف ونهايته فإن بداية الطواف من الحجر الأسود ونهايته إليه والسعي بدايته من الصفا ونهايته بالمروة فلابد من استيفاء ما بين ذلك ويبقى صعود الجبل سنة فلو خالف في ذلك فلم يستوف ما بينهما فإنه لا يكون قد امتثل الأمر، ومثل ذلك أيضاً السعي الشديد بين العلمين الأخضرين فإنه عبادة محددة بهذا المكان فلا تقبل قبله ولا تقضى بعده، فلابد من مراعاة هذا التحديد لهذا الضابط والله أعلم.
ومنها: الوقوف بعرفة وسيأتي لهذا الفرع ضابط مستقل إن شاء الله تعالى.
ومنها: المبيت بمزدلفة فإنه بدايته من غروب الشمس ونهايته بطلوع الفجر والسنة البقاء إلى الإسفار جداً كما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبناءً عليه فمن وقف فيها العصر مثلاً فإنه لا يكون بائتاً فيها ومن أخّر المبيت بها إلى طلوع الفجر فقد فاته المبيت فعليه دم إن كان قادراً عليه لأن المبيت بمزدلفة عبادة مؤقتة بوقتٍ فلا يجوز إخراجه عن وقته والله أعلم.
ومنها: رمي جمرة العقبة فإن له وقتاً محدداً وهو في حق الضعفة والنساء ونحوهم من منتصف ليلة العيد إذا غاب القمر وذلك لحديث ابن عباس في الصحيحين قال بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - في الثقل أو قال: في الضعفة من جمعٍ بليلٍ. وحديث عائشة قالت: استأذنت سودة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة أن تدفع قبله وكانت ثبطة أي ثقيلة فأذن لها. متفق عليه. وحديث عائشة أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل بأم سلمة ليلة النحر وقت الجمرة قبل الفجر ثم مصفت فأفاضت. رواه أبو داود وإسناده على شرط مسلم، ومثله أيضاً حديث أسماء في الصحيح في تحريها غياب القمر ورميها الجمرة قبل الفجر، فهذا بالنسبة للضعفة وأما في حق الأقوياء القادرين فيدخل إذا طلعت الشمس لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى كذلك كما في حديث جابر الطويل وقال: (( خذوا عني مناسككم )) والإذن إنما هو للنساء والضعفة وبناءً عليه فمن قدّم رمي الجمرة عن هذا الوقت فإنه لا يكون قد أتى بالمأمور لأن العبادة المؤقتة بوقتٍ لا يجوز إخراجها عن وقتها، وأما نهاية الرمي هذا فآخر أيام التشريق على القول الصحيح، والله أعلم.
ومنها: ذبح الهدي أيضاً هو عبادة مؤقتة بوقت وهو التوقيت في الفرع قبله فمن ذبح قبل ذلك فشاته شاة لحم، لأنه قدّم العبادة المؤقتة عن وقتها المحدد لها فكأنه صلى قبل الوقت، والله أعلم.
ومنها: طواف يوم النحر للإفاضة فإن وقته كوقت رمي الجمرة فهو عبادة محددة بوقت فلا يجوز إخراجه عن وقته والقول الصحيح أنه لا حد لآخر وقته وهذا من توسعة الله على عباده ولله الحمد والمنة، والله أعلم.
ومنها: رمي الجمار أيام التشريق فإن لها وقتاً محدداً وهو أن يكون الرمي بعد الزوال لحديث جابر قال: رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمرة يوم النحر ضحىً وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس. رواه مسلم، وهذا الفعل مقرون بقوله: (( لتأخذوا عني مناسككم )) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلى منىً فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات.. الحديث. رواه أحمد وأبو داود، وللبخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا. فهذا تحديد البداية وأما تحديد النهاية فإلى نهاية أيام التشريق أي أن أيام منى كلها ظرف صالح للرمي لكن لا يرمي لكل يوم إلا بعد الزوال وبناءً عليه فمن خالف ورمى قبل الزوال في هذه الأيام فإن رميه هذا لا يجزئ ولو لم يعده بعد الزوال فعليه دم لأنه ترك مأموراً، لأن ما تحدد بوقت من المناسك فإنه لا يجوز تقديمه ولا تأخيره عن وقته، والله أعلم.
ومنها: المبيت بمزدلفة فإنه لابد أن يكون هذا المبيت داخل حدودها المعروفة ابتداءً وانتهاءً لأن المبيت بها عبادة محددة بمكانٍ معين فلا يجوز فعله في غير هذا الموقع فلو بات ببقاع العالم كلها لما أجزأه عن البيتوتة في هذا المكان المعين وذلك لأن ما حدد من العبادات بمكانٍ معين فإنه لا يجوز فعله في غيره وهذا واضح.
ومنها: المبيت بمنى أيضاً لابد من مراعاة أن يكون داخلاً في حدودها المعروفة ابتداءً وانتهاءً فلو أنه بات بغيرها لما أجزأه ولو كان في جوف الكعبة لأن ما حدد بمكان فإنه لابد من فعله في هذا المكان فلا يجوز إخراجه عن مكانه والله أعلم.
ومنها: طواف الوداع فإنه مؤقت بوقتٍ وهو أن يكون عهد الحاج بالبيت فإذا أراد الحاج النفر من مكة فإنه لا ينفر إلا بالطواف لحديث ابن عباس: (( أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض )) متفق عليه.
ومنها: ذبح الهدي فإنه عبادة محددة بمكان كما أنها محددة بوقت وقد تقدم الكلام على وقتها لكن الكلام هنا على مكانها فإن النحر لا يكون إلا بمنى أو مكة لحديث جابر مرفوعاً (( نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم )) وفي حديث جابر الطويل أيضاً: ثم انصرف إلى المنحر فنحر. رواه مسلم. وفي حديث آخر: وكل فجاج مكة طريق ومنحر. وبناءً عليه فمن ذبح الهدي في غير منى أو مكة فإنه لا يقع هدياً إلا إذا كان محصراً فإنه يذبح هديه في مكانه الذي حصر فيه، وذلك لأن ما حدد من العبادات بمكانٍ فإنه لا يوقع إلا في مكانه المحدد له شرعاً والله أعلم.
ومنها: ذبح الفدي لارتكاب محظوراً أو ترك مأمور فإنه لا يذبح إلا في مكة ولا يطعم إلا لفقراء مكة فلو أنه ذبح الفدي في غير مكة فإنه لا يجزئه ولو ذبح ألف شاة ولو ذبحها في الحرم وأطعمه غير فقراء الحرم كفقراء الطائف أو جدة فإنه لا يكفيه بل لابد من فقراء الحرم هكذا الفتوى في بلادنا السعودية زادها الله علماءً وأمراء وشعباً عزة ورفعة والله أعلم.
ومنها: ركعتا الطواف فإن الأصل فعلها خلف المقام لقوله تعالى: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } وقال جابر: ثم أتى مقام إبراهيم فصلى. فهذا هو الأصل إلا أنه إن كان المطاف ممتلئ وعجز عن الإتيان بها خلفه فإنه يصليها حيث كان من البيت، لكن قال أهل العلم: إن هذا التحديد سنة فلو خالفه فلا شيء عليه والله أعلم.
ولعل هذا الضابط إن شاء الله تعالى قد بانت معالمه واتضحت مراسمه والله يهدينا وإياك سواء السبيل وهو أعلم وأعلى.

الحج عرفة
وهذا ضابط مهم أيضاً لأنه يتكلم عن الركن الذي هو أساس الحج وأصل هذا الضابط نص حديث خرج من شفتي الحبيب - صلى الله عليه وسلم - فعن عبد الرحمن بن يعمر أن ناساً من أهل نجدٍ أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف بعرفة فسألوه، فأمر منادياً ينادي [ الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك أيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ]رواه الخمسة. وأرى أنه من الفائدة أن أتكلم عن هذا الضابط في عدة مسائل:
المسألة الأولى: حكم الوقوف:
أقول: قد أجمع أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء في ل عصر وكل مصر فيما علمت أن الوقوف فرض لا ينوب عنه شيء وأن من فاته الوقوف بعرفة في وقته الذي لابد منه فلا حج له. أهـ. قلت: وقد حكى الإجماع أيضاً ابن المنذر وابن هبيرة والماوردي وابن حزم وابن العربي وابن رشد الحفيد وابن قدامة والنووي، ويستدل على ذلك بالحديث السابق وبحديث عروة بن فصرس بن أوس بن حارثة بن لامٍ الطائي قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمزدلفة حيث خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبلي طيّ، أكللت راحلتي أتعبت نفسي والله ما تركت من جبلٍ إلى وقفت عليه فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ترفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجة وقضى تفثه )) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن خزيمة. وعن نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما أن ابن عمر كان يقول: من لم يقف بعرفة من ليلة المزدلفة من قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة من قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج. وسنده صحيح. فدل على ركنيتها وتعلق تمام الحج بالوقوف بها النقل والإجماع وذلك لأن الحج عرفة أي هذا ركنه الأعظم وما بعده تبع له وتكميل له بدليل أنه إن فات الوقت ولم يقف فلا يلزمه الإتيان بشيء بعده من المناسك فكلها تسقط بفواته وهذا يدلك على أهمية هذا الركن والله أعلم.
المسألة الثانية: ما شروط الوقوف؟
أقول: بحث العلماء في شروط صحة الوقوف بعرفة فذكروا أن منها ماهو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه، فذكروا من ذلك الوقت وأجمعوا على أنه ينتهي بطلوع الفجر من يوم النحر ولكن اختلفوا في بدايته على قولين سيأتيان إن شاء الله تعالى في المسألة الثالثة، ومن ذلك المكان وقد تقرر أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة لحديث جابر مرفوعاً: (( وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة، فعرنة برزخ بين الحل والحرم وليست هي من عرفات )) وقد وضعت الدولة وفقها الله تعالى علامات إرشادية عالية وكبيرة جداً توضيح بداية عرفة ونهايتها فجزاهم الله خير الجزاء، والله أعلم.
ومن ذلك: الإسلام وهذا متفق عليه، ومنها: أن يكون محرماً حال الوقوف، وهذا بالاتفاق أيضاً فهذا هو ما صح من الشروط وأما كونه بالغاً أو مستفيقاً فلا يكون نائماً أو مغمىً علي الوقت كله أو لا يكون سكراناً إذ اشتراط علمه بأنها عرفة كل ذلك اشتراط في العبادة والأصل في الاشتراط المنع ومدعيه عليه الدليل ولا دليل يدل على ذلك فالأصل البقاء على الأصل وهو العدم أي عدم الاشتراط، وبناءً عليه فيصح وقوف النائم والمغمى عليه والسكران إذا كان معه شيء من العقل ومن وقف بها ولم يعلم بأنها عرفة كل هؤلاء يصح وقوفهم منع فعليه الدليل، فهذه هي شروط الوقوف المقبول منها والمردود، والله أعلم.
المسألة الثالثة: بدء الوقوف بعرفة:
اختلف العلماء متى يبدأ الوقوف بعرفة هل هو بفجر يومها أم أنه لا يبدأ إلا بعد الزوال، على قولين والأقرب منهما إن شاء الله تعالى أنه يبدأ من فجر يومها إلا أن المستحب أن لا يقف الإنسان إلا بعد الزوال اتباعاً للسنة، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقف إلا بعد أن زالت الشمس وصلى الظهر والعصر جمعاً وقصراً، والذي يدل على صحة هذا القول حديث عروة بن مضرس رضي الله عن السابق وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه )) حديث صحيح، ولا تعارض بينه وبين عدم وقوفه إلا بعد الزوال فإن الترك عدم فلا يعارض القول وهو لم ينه عنه أي عن الوقوف قبل الزوال، بل قوله في حديث عروة ليلاً أو نهاراً مطلق والأصل بقاء المطلق على إطلاقه، وهذا هو الأوسع للناس، ولا أعلم أحداً قال بمنع الدخول إلى عرفة قبل الزوال وهذا هو المشهور من المذهب واختاره الإمام الشوكاني وجمع من المحققين والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة:
اعلم رحمك الله تعالى أن الوقوف لابد فيه من اجتماع النهار والليل أي يقف من الزوال إلى المغرب، فبقاؤه إلى المغرب واجب من واجبات الحج لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف إلى المغرب حتى ذهبت الصفرة قليلاً وغاب القرص وقال: (( لتأخذوا عني مناسككم )) وذهب الإمام مالك وجملة من أصحابه إلى الوقوف إلى الغروب ركن لا يتم الحج إلا به. ولكن الأصح إن شاء الله تعالى قول الجمهور ويؤيده فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع قوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } وقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بإفاضته بعد الغروب ولأن فعله هذا مقرون بالأمر في قوله: (( لتأخذوا عن مناسككم )) وقد تقرر في الأصول أن الفعل المقرون بالأمر يفيد الوجوب، ويؤيد ذلك فعل الخلفاء الراشدين من بعده وعمل المسلمين عليه إلى يومنا هذا فعلم من ذلك أن الوقوف إلى الغروب من جملة الواجبات، ولأن في ذلك مخالفة لسنة المشركين فإنهم كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس على رؤوس الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال ومخالفتهم مقصودة شرعاً ولا يتحقق ذلك إلا بالدفع بعد الغروب كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ويؤيد ذلك حديث ابن مسعود بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (( أما بعد.. فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هذا الموضع إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها وإنا ندفع بعد أن تغيب )) أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين. فعلم بذلك أن هدي هذه الأمة وطريقتها الدفع من عرفة بعد الغروب، وبناءً على القول بالوجوب فيكون من دفع قبله مخالفاً وعليه دم عند أكثر أهل العلم وهو المشهور من المذهب وعليه الفتوى وهو قول عطاء والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثورٍ واختاره أبو العباس بن تيمية رحمه الله على كافة العلماء ورفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى ويؤيد هذا أن الدفع قبل الغروب لو كان جائزاً لما تكلف النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس الناس ليدفعوا مرة واحدة ولأذن للضعفة بالدفع قبله كما أذن لهم في رمي جمرة العقبة ولأنه الأحوط والأبرأ للذمة. وخلاصة ذلك أن من وقف بعرفة نهاراً فإنه يلزمه البقاء فيها قبل الغروب فلا يخلو إما أن يرجع إليها قبله فلا شيء عليه وإما أن يرجع إليها بعده فأيضاً لا شيء عليه وإما أن لا يرجع إليها مطلقاً أي أن فجر يوم النحر طلع وهو لم يرجع فإن عليه في الأصح دم يذبحه ويوزعه على فقراء الحرم لا يأكل منه شيئاً، هذا هو ما نختاره والله أعلم.
المسألة الخامسة: بما أن الحج عرفة فإنه ينبغي الكلام على شيء من آداب الوقوف بها وشيء من مستحباتها فأقول: من الآداب والمستحبات استقبال القبلة حال الدعاء وإن لم يكن الجبل أمامه، وإفطار ذلك اليوم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان فيه مفطر وما نقل عن عائشة أنها كانت تصومه فلا أظنه يصح عنها ولئن صح فلا عبرة بقول أو فعل أحد كائناً من كان مع قوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله، ومنها: جمع الصلاتين تقديماً ليتفرغ للذكر والدعاء ومنها: أن يكثر من الدعاء والذكر والتضرع وإظهار الفقر والمسكنة مع الحرص على إبعاد كل الشواغل كالهاتف الجوال ونحوه، وأن يدعو راكباً ما استطاع لفعله - صلى الله عليه وسلم - وأن يرفع يديه حال الدعاء، وأن يحسن الظن بربه ويؤمن بالإجابة، ومن ذلك الاغتسال قبل ذهابه للموقف، وأن يكثر من أعمال الخير والبر والصدقة لكن لا على وجهٍ تشغله عن الدعاء وأن يتخير من الدعاء أجمعه وأنفعه وأن يتحلى بالصبر والتحمل ويحذر كل الحذر من الكذب والسباب والشتائم وإيذاء الحجاج بقولٍ أو فعل وخصوصاً سائقي السيارات، ويحذر مما يفعله بعض الحجاج من صعود الجبل بل عليه الإنكار عليهم وتعليمهم بالتي هي أحسن، وبالجملة فإن هذا اليوم يوم عظيم ينبغي معرفة قدره وفضله والحرص على دقائقه ولحظاته والله أعلم.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.73%)]