عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 18-11-2019, 04:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,962
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المسائل الفقهية المتعلقة بالجندي المسلم في الحج

المسائل الفقهية المتعلقة بالجندي المسلم في الحج
د. عبدالعزيز بن سعود عرب



أدلة القول الأول:
1- دليل وجوب الوقوف حتى غروب الشمس هو ما رواه جابر -رضي الله عنه- في الحديث الطويل الذي وصف فيه حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: "... فلم يزل واقفاً حتى غروب الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص..."(29).
وجه الدلالة:
قال أصحاب هذا القول: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا فعله، وقد قال: (لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)(30)، والأمر يدل على الوجوب.
2- أما دليل وجوب الفدية على من دفع قبل الغروب، ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً(31).
وجه الدلالة:
أن من دفع قبل الغروب فقد ترك واجباً؛ ومن ترك واجباً فعليه دم.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول بحديث عروة بن مضرس –رضي الله عنه-؛ وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (... وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجة وقضى تفثه)(32).
وجه الدلالة:
قال العمراني رحمه الله: "وتمامه يقتضي: أن لا دم عليه، لأن الدم يراد لجبر النقص، ولأنه وقف في أحد زماني الوقوف، فلم يجب عليه الدم كما لو وقف بالليل دون النهار"(33).
وأما استحباب أصحاب هذا القول لإراقة الدم للدافع قبل الغروب، فهو خروج من خلاف من أوجبه.
أدلة القول الثالث:
استدل أصحاب هذا القول بما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: من لم يقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج(34).
وجه الدلالة:
يمكن أن يقال في وجه استدلالهم: أن هذا الأثر دل على أن الاعتماد عليه في الوقوف بعرفة هو الليل، والنهار تبع له.
المناقشة:
يجاب عن استدلالهم بما يلي:
1- أن هذا الأثر ضعَّفه بعض أهل العلم(35).
2- ما رواه عروة بن مضرس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه: (... وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه، وقضى تفثه)(36)، فقد اعتبر النبي –صلى الله عليه وسلم- صحة حج من وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً لأنه وقف في زمن الوقوف، فدل على أن النهار أحد زمني الوقوف.
1- قال ابن قدامة رحمه الله: "فأما خبره -أي خبر ابن عمر- فإنما خص الليل لأنَّ الفوات يتعلق به إذا كان يوجد بعد النهار، فهو آخر وقت الوقوف"(37).
2- وقال العمراني: رحمه الله: "النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف الكثير من النهار، والجزء اليسير من الليل، فلو كان الليل هو الاعتماد في الوقوف لكان يقف أكثر الليل وأقل النهار "(38).
الترجيح:
الذي يظهر ترجيحه –والعلم عند الله– أن الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس لمن وقف بها نهاراً أمر واجب، إذا تركه يجبر بدم، وإن كان مذهب الشافعية له حظ من النظر والدليل.
وبعد هذا العرض؛ نأتي إلى حكم مسألتنا وهي: أن الجنود الحجاج إذا احتاجوا إلى الدفع من عرفة قبل الغروب –لأحوال ذكرت سلفاً–، فإنه يجوز لهم ذلك، ولكن هل يلزمهم دم لترك الواجب وهو الوقوف إلى غروب الشمس؟!.
الذي يظهر –والله أعلم– أن الدم لا يلزمهم؛ لأن عملهم هذا فيه مصلحة عامة للحجيج، وذلك قياساً على الرعاة وأهل السقاية، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يلزمهم بالفدية، ولم يأمرهم بها في مسألة ترك المبيت بمنى، مع أنهم تركوا واجباً من واجبات الحج وذلك للمصلحة العامة.
المسألة الرابعة: حكم ترك الجندي للمبيت بمزدلفة والدفع منها ليلاً:
قد يحتاج الجنود الحجاج إلى ترك المبيت بمزدلفة؛ لأجل القيام على مصالح الحجيج؛ كتنظيم السير إلى منى، وعند الجمرة ونحو ذلك من المهام والأعمال المناطة بهم، وفي أحيان أخرى يتمكنون من الوقوف بمزدلفة، ولكن قد يحتاج بعضهم إلى الدفع منها ليلاً للمصلحة العامة.
ولكن قبل الحديث عن حكم المسألة؛ يحسن أن نبين حكم المبيت في مزدلفة من حيث الأصل:
اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، على أن الوقوف بمزدلفة ليلة جمع واجب، وأن من تركه لغير عذر لزمه الدم؛ لأنه ترك واجباً من واجبات الحج لكن على خلاف بينهم في القدر المجزئ والواجب من الوقوف والمبيت (39)، وذلك لأدلة منها حديث عروة بن مضرس –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: (من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه)(40).
وأما ترك المبيت والوقوف بمزدلفة لعذر فقد نص الفقهاء رحمهم الله على أنه لا يلزمه شيء وحجه صحيح.
فقال الكاساني رحمه الله: "وأما حكم فواته عن وقته: أنه إن كان لعذر فلا شيء عليه"(41)، وقال العيني رحمه الله: "وإن تركه بعذر لازدحام، أو تعجيل السير إلى منى فلا شيء عليه"(42)، وقال الحطاب رحمه الله: "ومن تركه لعذر فلا دم عليه"(43)، وقال النووي رحمه الله: "أما من ترك مبيت مزدلفة أو منى لعذر فلا دم عليه"(44).
وبهذا يظهر –والله أعلم– أن الجنود الحجاج إذا تركوا المبيت بمزدلفة للحاجة، ولأمر فيه مصلحة عامة للحجيج؛ فإنه لا شيء عليهم؛ لأنهم معذورون، ويمكن أيضاً قياسهم على الرعاة وأهل السقاية في الترخيص لهم في ترك المبيت ليالي منى بها(45) لأجل المصلحة العامة، ولأن عليهم مشقة في المبيت لحاجتهم إلى حفظ مواشيهم وسقي الحاج، فكان لهم ترك المبيت(46)، وقد قاس ترك المبيت بمزدلفة للرعاة والسقاة على ترك المبيت بمنى البهوتي رحمه الله وذلك بقوله: "وأما السقاة والرعاة فلا دم عليهم؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- رخص للرعاة في ترك البيتوتة في حديث عدي، ورخص للعباس في ترك البيتوتة لأجل سقايته، وللمشقة عليهم بالمبيت"(47)، وقال الشربيني رحمه الله: "ويسقط مبيت منى ومزدلفة والدم عن الرعاء.. لأنه –صلى الله عليه وسلم- رخص لرعاء الإبل أن يتركوا المبيت بمنى، وقيس بمنى مزدلفة "(48)، وقال النووي رحمه الله: " ومن المعذورين [أي عن المبيت بمزدلفة] من له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت، أو له مريض يحتاج إلى تعهده، أو يطلب آبقاً، أو يشتغل بأمر يخاف فوته، ففي هؤلاء وجهان: الصحيح المنصوص: أنه لا شيء عليهم بترك المبيت، ولهم أن ينفروا بعد الغروب "(49).
أما حكم الدفع للجنود من مزدلفة ليلاً بعد الوقوف بها لحاجة تتعلق بها مصلحة الحجيج العامة؛ فلا بأس بذلك ولا شيء عليهم؛ وذلك لأنه إذا جاز ترك المبيت بمزدلفة بالكلية لأجل العذر فجوازه هنا من باب أولى مع وجود العذر –والله أعلم–.
المسألة الخامسة:حكم ترك الجندي للمبيت بمنى:
بعض الجنود الحجاج تتطلب طبيعة أعمالهم ترك المبيت بمنى جميع الليالي أو بعضها، وذلك للقيام بمصالح الحجيج، وحفظ الأمن وغير ذلك من الأعمال المناطة بهم، وقبل بيان حكم المسألة يحسن أن نقف على حكم المبيت بمنى وما يلزم تاركه، وذلك لأن مسألتنا مبنية عليه:
اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم المبيت بمنى على قولين:
القول الأول:
أن المبيت بمنى أمر واجب؛ يلزم تاركه الدم.
وهو قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة (50).
القول الثاني:
أن المبيت بمنى سنة.
وهو مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد(51).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
1- عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن العباس –رضي الله عنه- استأذن النبي –صلى الله عليه وسلم- ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له(52).
وجه الدلالة:
قال ابن حجر رحمه الله: "وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج، لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل الإذن"(53)، وقال ابن عبد الهادي الحنبلي رحمه الله: "فوجه الحجة: أنّه لولا أنّه واجب لم يحتج إلى إذن"(54)، وقال القرافي رحمه الله: "والرخصة تقتضي انتفاء الوجوب لقيام المانع، وثبوت الوجوب عند عدمه"(55).
2- أما دليل وجوب الفدية، فلأنه ترك واجباً من واجبات الحج.
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب هذا القول أيضاً بحديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي استدل به أصحاب القول الأول، ولكنهم قالوا في وجه الدلالة: "لو كان واجباً لم يكن العباس يترك الواجب لأجل السقاية، ولا كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يرخص له في ذلك"(56).
المناقشة:
أن العباس -صلى الله عليه وسلم- إنما استأذن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في ترك الواجب لأجل مصلحة سقاية الحجيج؛ لأنهم هم أهل السقاية في الجاهلية وصدر الإسلام، ولو كان المبيت سنة لما احتاج العباس إلى استئذان النبي صلى الله عليه وسلم.
الترجيح:
الذي يظهر ترجيحه –والله أعلم– هو القول الأول القائل بوجوب المبيت بمنى، وأن تاركه يلزمه الدم لتركه واجباً من واجبات الحج، وذلك لقوة ما استدلوا به من دليل، ولسلامته من المناقشة القائمة.
أما رخصة ترك المبيت بمنى لأهل السقاية والرعاة؛ فهي ثابتة ومتفق عليها عند جميع الفقهاء(57)، وذلك مبني على حديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق في استئذان العباس للنبي –صلى الله عليه وسلم- في المبيت بمكة لأجل السقاية، وعلى حديث عاصم بن عدي –رضي الله عنه- قال: رخص رسول الله لرعاء الإبل في البيتوتة، أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في أحدهما "(58).
ولكن هل يلحق بهم من كان في معناهم من أهل الأعذار؟
ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة إلى جواز ذلك(59)، وذلك إذا وجد فيهم المعنى الذي رخص رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لأجله لأهل السقاية والرعاية، قال ابن قدامة رحمه الله: "وكل ذي عذر من مرض، أو خوف على نفسه أو ماله؛ كالرعاة في هذا لأنهم في معناهم"(60)، وقال النووي رحمه الله: "ومن المعذورين من له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت، أو يخاف على نفسه، أو كان به مرض يشق معه المبيت، أو له مريض يحتاج إلى تعهده، أو يطلب آبقاً، أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته، ففي هؤلاء وجهان الصحيح المنصوص: يجوز لهم ترك المبيت ولا شيء عليهم"(61).
وخالف في ذلك فقهاء المالكية، فقالوا: إن الرخصة ثبتت لرعاة الإبل فقط، وللعباس وولده خاصة، فتقصر الرخصة عليهم فقط (62)، وذلك لأنهم لا يرون أن الرخص تتعدى.
والجواب عليهم في ذلك: أن عمومات أدلة القياس لا تفرق بين الأحكام، سواء سميت برخص أو غير ذلك، فمتى ما عقلت العلة وفهم المعنى جاز حينئذ التعدي والقياس(63)، وهنا نص على العلة في ترك المبيت للعباس وأهل السقاية معه؛ وهي الحاجة إلى سقاية الحجيج، وإعداد الماء لهم، و أما الرخصة للرعاة في ترك المبيت فهي مبنية على حاجتهم إلى حفظ أموالهم، والقيام عليها، والمشقة في تركها، فمتى ما وجدت هذه العلل والمعاني في أحد فيصبح حينئذ من أهل الأعذار كما قرر ذلك جمع من الفقهاء، قال ابن دقيق العيد رحمه الله: "والأقرب اتباع المعنى"(64) –والله أعلم–.
قال ابن القيم رحمه الله: "وإذا كان النبي –صلى الله عليه وسلم- قد رخص لأهل السقاية وللرعاء في البيتوتة؛ فمن له مال يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضاً لا تمكنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء"(65).
وقال الشنقيطي رحمه الله: "الظاهر أن من ترك المبيت بمنى لعذر لا شيء عليه، كما دل عليه الترخيص للعباس من أجل السقاية، والترخيص لرعاء الإبل في عدم المبيت"(66).
وبعد عرض هذه المسألة؛ فإن الجنود الحجاج إذا كان العمل يتطلب منهم ترك المبيت بمنى الليالي كلها أو بعضها للحاجة أو المصلحة العامة التي تتعلق بأمور الحجيج، فإنه يرخص لهم في ذلك؛ قياساً على أهل السقاية والرعاية، وذلك لأجل المصلحة العامة، ولأجل المشقة في المبيت، ولأن الشارع قد اعتبر هذه العلل فرخص فيها وراعاها، ومن مقاصد الشريعة التيسير ورفع الحرج إذا وجدت المشقة – والله أعلم .

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.39 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.73%)]