
17-11-2019, 09:30 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,625
الدولة :
|
|
رد: المشكلات الاقتصادية في المجتمعات الإسلامية
المشكلات الاقتصادية في المجتمعات الإسلامية (1)
خباب بن مروان الحمد
المبحث الرابع: طرق العلاج:
يقول علماؤنا: "التصرُّف ناتج عن التصوُّر"، فمَن أحسن التصوُّر للشيء فقد أدرك حسن العمل، ومَن أساء التصوُّر له فقد أساء التصرُّف.
لقد عالَج الإسلامُ الفقرَ معالجةً واضحة؛ فالشخص حينما يحنث في يمينه، فكفَّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الحانث أهله أو كسوتهم أو تحرير رقبة، وكذلك في كفَّارة الظهار فكفارته تحرير رقبة، فمَن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمَن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، وحينما يعجز عن أداء فريضة الصوم لسقم أو مرض أو كِبَر، فإنَّه يفطر ويُطعِم عن كلِّ يوم مسكينًا، وحينما يرتَكِب الحاج محظورًا من محظورات الإحرام، فعليه دم فدية، يقدِّمه للفقراء والمساكين.
ما يدلُّ على أنَّ الإسلام اعتنى عنايةً فائقة بالفقراء والمُعوِزين والمحتاجين، ولكنَّه مع ذلك لم يجعل لهم الأخذ من الناس ديدنًا، بل هنالك طرق عديدة شرعية ومشروعة لمعالجة الفقر والاستفادة منها، وذلك من قبيل:
1 - الالتجاء بالدعاء لمالك الأرض والسماء:
فلقد حثَّ الإسلام على الدعاء بطلب الغِنَى، وجاءت في ذلك النصوص الكثيرة عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد كان من دعاء رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اللهم إني أسألك الهدى والتُّقى، والعَفاف والغِنَى))[36]، ومن أدعية الصباح والمساء: ((اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملاً صالحًا متقبلاً))[37]، وكذلك جاء الحثُّ على الدعاء بالاستعاذة من الفقر، بل قرنه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في تعوُّذه بالكفر؛ فعن أبي بكر مرفوعًا: ((اللهمَّ إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت))؛ رواه أبو داود.
ونرى تلك المحاربة واضحة في مثل قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ منَ الجوع؛ فإنَّهُ بئسَ الضَّجيعُ))؛ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة - رضِي الله عنه.
وجاء كذلك الدُّعاء من الاستعاذة بفتنتَي الغِنَى والفقر؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يتعوَّذ: ((اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، ومن عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة الغِنَى، وأعوذ بك من فتنة الفقر))؛ رواه البخاري.
ومع هذا، فإنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد عانَى من الجوع والفقر، حتى لقد ربَط على بطنه الشريف حجرَيْن؛ لكي لا يشعر بألم الجوع وقرقرة البطن أثناء حفره هو وصحابته الكِرام للخندق في غزوة الأحزاب، بل كان لا يُرِيد من هذه الدنيا كثيرًا إلا لِمامًا؛ ولهذا نجده - صلَّى الله عليه وسلَّم - يدعو الله فيقول: ((اللهم اجعلْ رزقَ آلِ محمَّدٍ قوتًا))؛ متفق عليه.
2 - الإيمان بالله وتقواه واستغفاره:
وإنَّ هذا مِن أعظم الحُلُول النافعة لعلاج مشاكل الفقر، والنصوص على ذلك متواترة شاهدة بصدق ما نقوله، ويوضح ذلك عدد من آيات الذكر الحكيم؛ حيث يقول الله - تبارك وتعالى -: ï´؟ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ï´¾ [المائدة: 65 - 66].
ويقول - تعالى -: ï´؟ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ï´¾ [الأعراف: 96].
والتوبة والاستغفار للعزيز الغفار سببٌ لإغداق النِّعَم؛ فالله - تعالى - يقول: ï´؟ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ï´¾ [نوح: 12].
ويقول - تبارك وتعالى -: ï´؟ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ï´¾ [الطلاق: 2 - 3].
ولقد ورَد حول هذه الآية حديثان يَدُلاَّن على مضمونها:
فأمَّا الأوَّل: فهو الحديث الذي يرويه الصحابي الجليل أبو ذرٍّ - رضي الله تعالى عنه - قال: جعَل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتلو هذه الآية: ï´؟ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ï´¾ [الطلاق: 2 - 3]، قال: فجعل يردِّدها حتى نعست، فقال: ((يا أبا ذرّ، لو أنَّ الناس أخذوا بها لكفتهم))[38].
وأمَّا الثاني: عن جابر بن عبدالله - رضي الله تعالى عنهما - قال: نزلت هذه الآية: ï´؟ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ï´¾ [الطلاق: 2 - 3] في رجلٍ من أشجع، كان فقيرًا، خفيف ذات اليد، كثير العِيال، فأتى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فسأله، فقال له: ((اتَّقِ الله واصبر))، فرجع إلى أصحابه فقالوا: ما أعطاك رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم؟ فقال: ما أعطاني شيئًا، وقال لي: ((اتَّقِ الله واصبر))، فلم يلبث إلا يسيرًا، حتى جاء ابنٌ له بغَنَمٍ له كان العدوُّ أصابوه، فأتى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فسأله عنها وأخبره خبرها، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كلها))، فنزلت: ï´؟ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ï´¾ [الطلاق: 2 - 3][39].
يقول السخاوي في كتابه "المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي" - بعد أن ذكر نصَّ رسالة النووي إلى نائب السلطنة بدمشق يطلب منه جمع الناس للاستسقاء -: ولما وصلت الرسالة لوليِّ الأمر - وفَّقه الله تعالى - أمر محتسب البلد فنادَى ساعته في الناس بصيام ثلاثة أيام، أولها يوم الاثنين، الثاني عشر من جمادى الأولى المذكور، وبالصدقة والمعروف ومصالحة الأعداء، وغير ذلك ممَّا هو من آداب الاستسقاء، ثم خرج ولي الأمر والناس يوم الخميس، الخامس عشر من الشهر المذكور، واستسقوا، ثم سقوا بعد ذلك بتسعة أيام سقيًا عامًّا، وترادَفت أمطار كثيرة، بعد أن حصل لكثيرٍ من الناس قنوط، فللَّه الحمد على نعمه والتوفيق لإظهار شعائر دينه، ومتابعة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والاعتناء بسنّته، ومسارعة المسلمين إليها.
وكتب وليُّ الأمر إلى نوَّابه في البلدان يأمرهم بالاستِسقاء في اليوم الذي يستسقي فيه أهل دمشق، فامتثلوا أمرَه في ذلك، فسقوا كلهم في بلدانهم في الوقت المذكور، ثم وقعت في البلدان ثلوجٌ كثيرة لم يُرَ في تلك السنين مثلها، وأبطل تضمين الحانات والخمور، وأُرِيقت على كلِّ مَن وجدت عنده في دمشق وسائر بلاد الشام، ورفعت المنكرات - ولله الحمد - رفعًا تامًّا، بعد أن كانت شائعة أفحش الشياع، وذلك في ربيع الآخر من السنة، ثم جعَل الله الكريم في الغلات أنواعَ البركات، وأخصبت الغلات في جميع بلاد الشام إلى حدٍّ لم يُعهَد مثْله من نحو ثلاثين سنة، ثم أعقب ذلك رخص - لكثرة الغلات - لم يُعهَد مثلُه من نحو خمس عشرة سنة، حتى بِيعَت غرارة القمح بثلاثين درهمًا وبأربعين وما بينهما، والشعير بأربعة عشر درهمًا، وقلَّت رغبة الناس في الغلات لكثرتها - ولله الحمد والمنة".
3- حثُّ الناس على العمل والسعي لتطلب الرزق:
لقد حثَّ الشارع الحكيم على المُضِيِّ في التكسُّب والعمل، بل قرَن مَن يفعَل ذلك بِمَن يُجاهِد في سبيل الله لقتال الكفار؛ فقال - تعالى -: ï´؟ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ï´¾ [المزمل: 20]، بل حثَّ الشارع الحكيم على ذلك؛ فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان، إلاَّ كان له به صدقة))[40].
وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:: ((ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبيَّ الله داود كان يأكل من عمل يده))[41].
وقد كان رسول الهدى - صلَّى الله عليه وسلَّم - خيرَ مثالٍ لتعليم الناس السعي في طلب الرزق، ولو وقَفنا عند هذا الحديث لوجدنا فيه الفوائد الكثيرة والدروس المهمة، فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به عن الناس، خيرٌ له من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منَعَه، ذلك بأنَّ اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى))؛ أخرجه مسلم، وحين جاءَه رجلٌ يطلب منه - عليه الصلاة والسلام - مالاً ويشكو إليه داء الفقر وقلَّة ذات اليد، صنع – عليه الصلاة السلام - موقفًا إيجابيًّا، وحوَّل فيه النِّقمة إلى نعمة؛ فعن أنس بن مالك أنَّ رجلاً من الأنصار أتى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يسأله فقال: ((أمَا في بيتك شيء؟))، قال: بلى، حِلْس - الحلس: كساء يوضع على ظهر البعير أو يفرش في البيت تحت حر الثياب - نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقعب - والقعب: القدح - الإناء - نشرب فيه الماء، قال: ((ائتني بهما))، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال: ((مَن يشتري هذين؟))، قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، وقال: مَن يَزِيد على درهم؟ - مرتين أو ثلاثًا - قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري وقال: ((اشترِ بأحدهما طعامًا وانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخَر قدومًا فائتني به))، فشد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عودًا بيده ثم قال له: ((اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا))، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألةُ نكتةً في وجهِك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مُدقِع - والفقر المدقع: الشديد، وأصله من الدقعاء وهو التراب، ومعناه: الفقر الذي يُفضِي به إلى التراب؛ أي: لا يكون عنده ما يتقي به التراب - أو لذي غرم مفظع - والغرم المفظع: أن تلزمه الدية الفظيعة الفادحة، فتحل له الصدقة ويُعطَى من سهم الغارمين - أو لذي دم موجع - الدم الموجع: كناية عن الدية يتحمَّلها، فترهقه وتوجعه، فتحل له المسألة فيها)))[42]، فهو هنا - عليه الصلاة السلام - صنع له البديل الأفضل، والطريقة المثلى لعلاج ما به من فقر وفاقة، وكما يقول المثل الدارج: "لا تطعمني كلَّ يوم سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد".
مع أنَّه - عليه الصلاة والسلام - بإمكانه أن يقول له: يجب عليك ألاَّ تكثر السؤال، وينبغي عليك أن تعمل، ولا بدَّ أن تفكِّر في حلِّ مشكلتك، ويلزمك... إلى غير ذلك من العبارات بدون تقديم حلول واقعيَّة، وخطط عمليَّة.
1– الزكاة:
لعظَمِ أهمية الزكاة فإنَّ من بين ستة آلاف آية في القرآن الكريم، اختصَّت اثنتان وثمانون منها بالزكاة، وذلك بخلاف أحاديث سيدنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.
وهناك شروط ضرورية لضمان نجاح الزكاة في التطبيق المعاصر، وخصوصًا إذا قامت عليها مؤسسة، ومن الشروط المهمَّة لكي تنجح الزكاة في تحقيق أهدافها وآثارها:
1- الأخْذ بنظرية الموسعين في إيجاب الزكاة تحت الضوابط الشرعيَّة في هذه المسألة.
2- تحصيل زكاة الأموال ظاهرة وباطنة.
3- حسن الإدارة التي تُشرِف على جباية الزكاة وتوْزيعها.
4- حسن التوزيع وقيامه على أسس سليمة، بحيث لا يُحرَم من الزكاة مَن يستحقُّها ويأخذها مَن لا يستحقها، أو يأخذ المستحق ما لا يُغنِي، أو يأخذ الأحسن حالاً، ويترك الأشد حاجة"[43].
ولهذا فقد كان كبارُ الاقتصاديين المسلمين يدعون لعلاج مشكلة الفقر في المجتمعات الإسلاميَّة عن طريق نظريَّة الزكاة لعلاج الفقر، ومنهم الدكتور محمد شوقي الفنجري، وحين سأله أحد الصحافيين: البعض يرى في قصر علاج مشكلة الفقر على أموال الزكاة تشجيعًا للكسالى على عدم العمل، فما ردُّكم؟
فأجاب: "الإسلام لم يشجع أبدًا على الكسل وعدم العمل، بل حثَّنا على الإنتاج، ولكن ماذا يفعل مَن لا يقدر على العمل لأسباب خارجة عن إرادته كعجز أو شيخوخة؟ هذه هي الفئة التي تستحقُّ الزكاة، والتي يجب على كلِّ مسلم ثري أن يُعطِيَها من ماله ما يضمن لها حدَّ الكفاية؛ أي: المستوى اللائق للمعيشة، وليس مجرَّد الكفاف"[44].
2- ضرورة تفعيل شبكات التكافل الاجتماعي الأهليَّة:
إنَّ تحقيق مبدأ التكافُل الاجتماعي على مستوى المجتمع، وتحقيق هذه العدالة مع دعْم الجمعيات الخيرية الإسلامية لإغاثة الشعوب الفقيرة، لَهو من أنجح الخطط لنشْر الإسلام، وإلا فسيكون الفقر والمرض هما الطُّعم لتلك الدول للوقوع في شباك التنصير.
وذلك لأنَّها أكثر كفاءة من الشبكات الحكومية، وتُقاس كفاءة شبكات التكافُل الاجتماعي من ثلاث زوايا:
• مدى قدرتها على جباية الموارد المستحقَّة، واستيعابها في أنظمتها المالية والإدارية.
• تكاليف إدارة هذه الشبكات، ونسبة التكاليف إلى الموارد المالية.
• مدى كفاءة الشبكات في توصيل المراد إلى مستحقيها[45].
3- إنشاء صندوق لعلاج الفقر:
وذلك ليكون هذا الصندوق في كلِّ دولةٍ من الدول الإسلامية مُعِينًا للفقراء في قضاء حوائجهم والصرف عليهم، ومحاولة تشغيلهم قدر الإمكان، بدل أن يكون الأمر فقط مجرَّد صدقات وأعطيات تصبُّ في جيوب الفقراء فيصرفونها، ولا يتعلَّمون كيف يقتاتون، ولا يدخلون في مخارط العمل ودواليب الشغل.
وممَّا يُساعِد على تنمية صندوق مكافحة الفقر القيامُ بحملات تبرُّع خيرية، هدفها معالجة ظاهرة الفقر في العالم الإسلامي؛ بحيث تُوجَّه تبرُّعات القادرين من المسلمين لكلِّ الفقراء، وإحياء ثقافة الوقف داخل المجتمعات الإسلامية، مع تشجيع وتحفيز رجال الأعمال على عمل وقفيَّات يعود ريعُها على الفقراء.
4- تكفُّل الأغنياء ببعض الفقراء:
يقول الإمام ابن حزْم: "وفرضٌ على الأغنياء من أهل كلِّ بلدٍ أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكاة بهم، فيُقام لهم ممَّا يَأكُلون من القوت الذي لا بُدَّ منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يُكِنُّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة"[46]، وإنَّ مثل هذا التكفُّل أو كفالة الأغنياء للفقراء لا بُدَّ وأن يصل إلى درجة حدِّ الكفاية، ولقد قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: "إذا أعطيتم فأغنوا"، وقول الخليفة الرابع علي بن أبى طالب - رضي الله عنه -: "إنَّ الله فرَض على الأغنياء في أموالهم بقدرِ ما يَكفِي فقراءَهم".
ويقول الإمام الماوردي: "فيدفع إلى الفقير والمسكين من الزكاة ما يُخرِجه من اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى"[47]، كما يقول: "تقدير العطاء معتبر بالكفاية"[48].
ويقول الإمام السرخسي: "وعلى الإمام أن يتَّقي الله في صرف الأموال إلى المصارف، فلا يدع فقيرًا إلا أعطاه من الصدقات - أي: أموال الزكاة ببيت المال - حتى يغنيه وعياله، وإن احتاج بعضُ المسلمين وليس في بيت المال من الصدقات شيء، أعطى الإمام ما يحتاجون من الأموال الأخرى ببيت المال"[49].
ويقول الإمام ابن تيميَّة: "الفقير الشرعي المذكور في الكتاب والسنة الذي يستحقُّ من الزكاة والمصالح ونحوها، ليس هو الفقير الاصطلاحي الذي يتقيَّد بلبسة معينة أو طريقة معيَّنة، بل كل مَن ليس له كفاية تَكفِيه وتَكفِي عياله فهو من الفقراء والمساكين"[50].
5- استِنهاض الأمَّة كلها للاستِفادة من مواردها:
ونقصد بذلك كلَّ الأمَّة؛ حكامًا ومحكومين، مثقَّفين وعامَّة، وذلك لئلاَّ يكون ديدن بعض الناس احتقار أو التقليل ممَّا لدى الأمَّة والدول المسلمة من كفاءات، فنحن لدينا مواد خام تجعلنا من أغنى الأغنياء، ولكن نحن في حاجةٍ لاستِغلال هذه الموارد.
6- ضرورة التكامل الاقتصادي الإسلامي:
يلخِّص عمر بن الخطاب ذلك بقوله: "ما من أحدٍ إلاَّ وله في هذا المال حقٌّ، الرجل وحاجته، الرجل وبلاؤه (أي: عمله)"، ثم في قوله: "إني حريص على ألاَّ أدع حاجةً إلاَّ سددتها ما اتَّسَع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا آسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف".
ولذلك وجدنا أنَّ هذه السياسة العمريَّة الراشدة آتَتْ أكلها؛ ففي "تاريخ الخلفاء" يذكر السيوطي: "قال عمر بن أسيد: والله ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح حتى يرجع بماله كله، وقد أغنى عمرُ الناس".
ولقد طُبِّقت أحكام التكافُل الاقتصادي في صدر الدولة الإسلامية وتحقيق الخير للمسلمين جميعًا، والنموذج العملي لذلك عندما نادى عمرُ بن الخطاب عمرَو بن العاص في مصر وقال: واغوثاه، فأجابه عمرو بن العاص بقافلةٍ من الطعام والشراب أولها الفسطاط وآخرها المدينة المنورة.
إنَّ دول الخليج تمتاز بأموالها، ودولة مصر الشقيقة تمتاز برجالها وكثرة الأيدي العاملة، والسودان يمتاز بخصوبة أرضه ووجود قرابة 200 مليون فدان صالح للزراعة، والباكستان كذلك، ففي العالم الإسلامي إذًا عناصر الإنتاج التي تُبعِدنا عن خط الفقر - بإذن الله - وهي: العمل - رأس المال - الموارد الطبيعية - المنظم والأسس الإدارية.
7- العمل على تحرير العملات النقدية في البلاد الإسلامية من التبعية المعلقة بالدولار الأمريكي:
لكلِّ عملٍ نتائجُه وإيجابيَّاته وسلبيَّاته - كما لا يخفى - وإنَّ عمليَّة فكِّ ارتِباط عملة الدول العربية والإسلاميَّة قد يكون فيها نوعٌ من السلبيَّة في بداية فكِّ هذا الارتِباط، والذي يؤثِّر نوعًا ما على الاقتِصاد العام للدُّوَل العربيَّة والإسلاميَّة؛ إذ إنَّ فكَّ الارتِباط الحالي بالدولار يكلِّف الاقتصاد الإسلامي والدول الخليجية مثلاً الكثير؛ بسبب دفعها الفوارق السعرية ما بين الدولار والعملات الأخرى، ولكنَّنا بحاجةٍ إلى أن يفكِّر الساسة بما يخدم مَصالِح الدُّوَل الإسلاميَّة والعربيَّة؛ ليكون على الأقل بداية التدرُّج في التغيير بارتباط العملات بالدولار، وذلك بأن يكون هنالك فكٌّ لهذا الارتِباط في البداية جزئيًّا رويدًا رويدًا؛ لكي يكون هنالك فكٌّ كامل، وخاصَّة حين أُطلِق اليورو ليصبح عملة دوليَّة يمثِّل كتلة اقتصاديَّة من أقوى الكُتَل في العالم.
إنَّ فكَّ ارتِباط كثيرٍ من عملات الدول العربية والإسلامية بالدولار من شأنه أن يكون له دورٌ أكيد في تقليل عمليَّة التضخُّم النقدي، بل إنَّ هذا الفكَّ سيرفع سعر العملات النقدية العربية والإسلامية كنتيجةٍ طبيعية لاستقلاله السعري.
8- دراسة التجربة الماليزية في تخفيف نسبة الفقر:
"فقد استَطاعت ماليزيا خلال ثلاثة عقود (1970 - 2000م) تخفيض معدَّل الفقر من 52,4% إلى 5,5%، وهو ما يعني أنَّ عدد الأسر الفقيرة تَناقَص بنهاية عقد التسعينيَّات إلى أكثر من ثلاثة أضعاف عمَّا كان عليه الحال في عقد السبعينيات، ويتوقَّع إذا استمرَّت جهود الحكومة في محاربة الفقر على نفس الوتيرة أن يصل معدَّل الفقر بحلول العام 2005 حوالي 0,5%، ويكون الفقر المدقع قد تَمَّ القضاء عليه قضاءً مبرمًا"[51].
وتقوم فلسفة التنمية في ماليزيا على فكرة أن "النمو الاقتصادي يقود إلى المساواة في الدخل"؛ وعليه؛ فإنَّ مكاسب التطوُّر الاقتصادي يجب أن تنعكس إيجابيًّا على المواطنين في تحسين نوعيَّة حياتهم بما يَشمَل توفير الضروريات من الغذاء والعلاج والتعليم والأمن، وأن يكون أوَّل المستفيدين من هذا النموِّ الاقتصادي هم الفقراء والعاطلون عن العمل والمرضى والمجموعات العرقية الأكثر فقرًا في المجتمع والأقاليم الأقل نموًا[52].
"ولكي تتحقَّق عمليَّة التكامل الاقتصادي، فلا بُدَّ من اتِّخاذ عدَّة خطوات، منها: أولويَّة التعامُل مع الدول الإسلامية وفقًا لفقه الأولويَّات، واستِثمار أموال المسلمين في بلاد المسلمين، وتحقيق الأمن الشرعي للمال؛ ليؤدِّي وظيفته التي خُلِق من أجلها، والأولويَّة في فرص العمل للمسلمين؛ لعلاج مشكلة البطالة، ورفع قيود التجارة وما في حكمها بين الأقطار الإسلاميَّة، وإنشاء الوحدات الاقتصاديَّة الكُبرى بمساهمة الدول الإسلاميَّة، والتدرُّج في تطوير وتوحيد السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية بين أقطار الدول الإسلامية، وإنشاء نظام المعلومات الاقتصادية وشبكات الاتِّصالات الاقتصاديَّة بين الأقطار الإسلاميَّة، والتفكير في تحرير العملات النقديَّة في البلاد الإسلامية من التبعيَّة المطلقة للدولار الأميركي، ومن المؤكَّد أنَّ الفكر والتراث الإسلامي تضمَّن نماذج من نُظُمِ التكامل الاقتصادي الإسلامي، يُمكِن إحياؤها لتقوم بدورها المُعاصِر في تحقيق التكامُل الاقتصادي بين الدول العربية والإسلامية؛ منها: نظام السوق الإسلامية المشتركة، ونُظُم المشاركات في المشروعات الاقتصاديَّة المهمَّة، ونُظُم التبرُّعات والمساعدات الاقتصاديَّة، ونظام زكاة المال، والقروض الحسنة، والوقف الخيري، والتعويضات وقت الأزمات... وغيرها"[53].
احذروا من ثورة الفقراء:
إِذَا قَلَّ مَالُ الْمَرْءِ قَلَّ بَهَاؤُهُ 
وَضَاقَتْ عَلَيْهِ أَرْضُهُ وَسَمَاؤُهُ 
وَأَصْبَحَ لاَ يَدْرِي وَإِنْ كَانَ دَارِيًا 
أَقُدَّامُهُ خَيْرٌ لَهُ أَمْ وَرَاؤُهُ 
"لقد أصبح العالم جزيرة أغنياء تُحِيط به بحار الفقراء"، إنَّها مقولةٌ رَنَّانةٌ كان يقولها رئيس جنوب إفريقيا "مبيكي" التي ألقاها في خطابه بمناسبة مؤتمر الأرض الذي أُقِيم بالعاصمة جوهانسبورغ: "أصبح العالم جزيرة أغنياء تحيط به بحار الفقراء".
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|