الموضوع: شرع من قبلنا
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 11-11-2019, 08:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرع من قبلنا

شرع من قبلنا
عبد الجليل مبرور


• الثالث: أنَّه لو كان متعبدًا باتباعِ شرعِ مَن قبلَه، إمَّا في الكلِّ أو البعضِ، لَمَا نسب شيء من شرعِنا إليه على التقديرِ الأول، ولا كل الشرعِ إليه على التقدير الثَّاني، كما لا ينسب شرعُه - عليه السلام - إلى من هو متعبدٌ بشرعِه من أمتِه، وهو خلاف الإجماع من المسلمين.
• أجيب عنه: بقولِهم: إنَّما يُنسب إليه ما كان متعبدًا به من الشَّرائعِ بأنَّه من شرعِه - بطريقِ التجوُّزِ؛ لكونِه معلومًا لنا بواسطتِه، وإن لم يكن هو الشَّارع له.
• الرابع: أنَّ إجماعَ المسلمين على أنَّ شريعةَ النبي - عليه السلام - ناسخةٌ لشريعةِ من تقدَّم، فلو كان متعبدًا بها لكان مقرِّرًا لها ومخبِرًا عنها، لا ناسخًا لها ولا مشرِّعا، وهو محال.
• أجيب عنه: بقولهم: فنحن نقولُ بها، وأنَّ ما كان من شرعِه مخالفٌ لشرعِ من تقدَّم فهو ناسخٌ له، وما لم يكنْ من شرعِه بل هو متعبَّدٌ فيه باتباع شرعِ مَن تقدَّم - فلا.
ولهذا فإنَّه لا يوصفُ شرعُه بأنَّه ناسخٌ لبعضِ ما كان مشروعًا قبلَه؛ كوجوبِ الإيمان وتحريمِ الكُفران والزِّنا والقتل والسَّرِقة، وغيرِ ذلك مِمَّا شرعُنا فيه موافقٌ لشرعِ من تقدَّم.
• الخامس: لو كان شرعُ مَن قبلَنا شرعًا لنا، لما صحَّ قولُه - سبحانه وتعالى -: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)[11]، ولما صحَّ قولُه - عليه الصلاة والسلام -: ((بعثتُ إلى الأحمرِ والأسود))؛ إذْ تفيدُ الآيةُ والحديثُ اختصاصَ كلٍّ من الرُّسل بشريعة، لكن قد صحَّ مضمونُ الآيةِ والحديث، فلا يكون شرعُ مَن قبلَنا شرعًا لنا.
• أجيب عنه: بقولهم: إنَّ اشتراكَ الشريعتين في بعضِ الأحكامِ لا ينفي اختصاصَ كلِّ نبيٍّ بشريعة اعتبارًا بالأكثر، وهو ما اختلفوا فيه؛ أي: إنَّ الشريعتين إذا اشتركتا في بعضِ الأحكام، واختلفتا في بعضِها، صحَّ أنْ يكونَ شرعُ إحدى الشريعتين شرعًا لمن بعدَها؛ باعتبارِ البعضِ المتَّفقِ عليه، وصحَّ أنْ يكونَ لكلٍّ من النبيين شِرعةٌ ومنهاجٌ؛ باعتبارِ البعض المختَلَفِ فيه من غير تنافٍ، وحينئذٍ قوله - سبحانه وتعالى -: ? لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ? لا ينفي كونَ شرعِ مَن قَبلَنا شرعًا لنا في بعضِ الأحكام، وهو المطلوب.
• السادس: لو كان شرعُهم شرعًا لنا لما توقَّفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في الظِّهارِ واللِّعانِ والمواريث ونحوها من الأحكامِ على الوحي، لكن ثبتَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه توقَّفَ في الأحكامِ على الوحي، فدلَّ على أنَّ شرعَهم ليس شرعًا لنا، وإلاَّ لبادرَ باستخراجِ الحكم من كتبِهم والسؤال عنه فيها؛ لأنَّها من شرعِه كالقرآن، كما أنَّه - صلى الله عليه وسلم - رأى يومًا بيدِ عمر - رضي الله عنه - قطعةً من التوراة، فغضب وقال: ((ما هذا؟! أمتهوِّكون أنتم كما تهوكتِ اليهودُ والنَّصارى؟! لقد جئتُكم بها بيضاءَ نقية، ولو كان موسى حيًّا لما وسعَهُ إلاَّ اتِّباعي))، ولو كان شرعُهم شرعًا لنا، لَمَا غضب من ذلك، كما لا يغضبُ من النَّظرِ في القرآن.
• وأجيب عن هذا: بأنَّ كتبَ مَن قَبلَه حرِّفت، فلم تنقلْ إليه موثوقًا بها؛ فلذلك لم يطلُبْ أحكامَ الوقائعِ العارضة له فيها، ولذلك غضِبَ من نظرِ عمر - رضي الله عنه - في قطعةٍ من التوراة، وصوَّب معاذًا - رضي الله عنه - في انتقالِه عن الكتابِ والسنة إلى الاجتهاد، ولم ينكرْ عليه ترك ذِكْرِ كتب مَن قبلَه، وليس الكلامُ فيما حرِّف منها ولم يصح نقلُه، إنَّما الكلامُ فيما صحَّ عنده منها، كما في القرآنِ من أحكامِها، فذلك الذي هو شرعٌ له لا غيره.
• السابع: لو كان شرعُهم شرعًا لنا، لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - تبعًا لغيرِه في الشَّرع، وفي ذلك غض من منصبِه ومناقضةٌ لقوله: ((لو كان موسى حيًّا لاتبعني))، إذ يكونُ تابعًا لموسى، متبوعًا له بتقدير وجوده في عصره، وذلك باطل.
• وأجيب عنه: بأنَّ الله - تعالى - إذا تعبَّد نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بشرعِ مَن قبلَه وبمقتضى كتبِهم، لم يكن في ذلك غضٌّ من منصبِه، ولا جعله تبعًا لغيره؛ لأنَّه في ذلك مطيعٌ لله - عز وجل - لا لمن قبلَه من الرَّسل، فهو كالملائكةِ لَمَّا أُمِروا بالسُّجودِ لآدم - عليه السلام - لم يكن في ذلك غضٌّ عليهم ولا نقص؛ لأنَّ سجودَهم في الحقيقةِ إنَّما كان طاعةً لله - عز وجل - لا لآدمَ - عليه السلام - وبالجملةِ إذا كانت طاعةُ العبدِ لربِّه - سبحانه وتعالى - لم يضره ما كان هناك من الوسائطِ والأسباب.
القول الثالث: التوقُّفُ حكاه ابنُ القشيري، وحكى ابنُ برهان في الأوسط عن أبي زيد، ووهَّنه الآمدي وأعرضَ عن اعتبارِه بقوله: ومن الأصوليين مَنْ قال بالوقفِ وهو بعيد.
من أمثلة الاحتجاج بشرع من قبلنا:
استدلَّ الفقهاءُ على جوازِ قسمة منافع المال المشترك بطريق "المهايأة" بقولِه - تعالى - في قصةِ صالحٍ - عليه السلام – (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ)[12]، وهو المهايأة بعينِها، وهي جائزةٌ في المذاهب الأربعة.
واستدلَّ الحنفيةُ على جوازِ قتلِ المسلم بالذِّمِّي، والرجلِ بالمرأةِ بقوله - تعالى -: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)[13]؛ أي: في التوراة، واحتجَّ بالآيةِ أيضًا المالكيةُ والحنابلة على قتلِ الذَّكرِ بالأنثى.
واستدلَّ المالكيةُ والشافعية والحنابلة على جوازِ "الجعالةِ" بقولِه - تعالى - في قصةِ يوسف - عليه السلام -: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ)[14].
واحتجَّ غيرُ الشافعيةِ لجوازِ "الكفالةِ" بالنَّفسِ بقولِه - تعالى -: (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ)[يوسف: 66][15]، والشَّافعيةُ استأنسوا بهذه الآية، واحتجُّوا بعمومِ حديث: ((الزَّعيم غارم))، وبالقياسِ على كفالة الدين.
واحتجَّ الحنابلةُ على جوازِ المنفعةِ مهرًا بآيةِ: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ)[القصص: 27][16]، واستأنس الشَّافعيةُ بتلك الآية، واستدلُّوا على الجوازِ بالقياسِ على الإجارة.
واستدلَّ مالكٌ على أفضليةِ الكِباش في الضَّحايا، ثم البقرِ ثم الإبل - بما فعلَه إبراهيمُ - عليه السلام - من فدائه ولدَه بكبشٍ.
واستدلَّ مالك وأبو حنيفة ومحمد - خلافًا للشَّافعي وأحمد وأبي يوسف وزُفَر - بقصةِ إبراهيم على لزومِ نذر ذبح الولد، ووجوبِ الهدي - وهو جزورٌ عند مالكٍ، وشاةٌ عند أبي حنيفة[17].
جاء في "المغني"؛ لابن قدامة (9/409): "اختلفتِ الرِّوايةُ فيمن حلف بنحرِ ولده، نحو أن يقول: إن فعلت كذا فلله عليَّ أن أذبحَ ولدي، أو يقول: ولدي نحيرٌ إن فعلتُ كذا، أو نذر ذبح ولدِه مطلقًا، غير معلَّق ٍبشرط؛ فعن أحمد: عليه كفارةُ يمين، وهذا قياسُ المذهب؛ لأنَّ هذا نذرُ معصية، أو نذر لَجاج، وكلاهما يوجِبُ الكفارة، وهو قولُ ابنِ عباس - رضي الله عنهما - فإنَّه رُوي عنه أنَّه قال لامرأةٍ نذرتْ أن تذبحَ ابنَها: لا تنحري ابنَك، وكفِّري عن يمينِك، والرِّواية الثانية: كفارتُه ذبحُ كبشٍ، ويطعمه للمساكين؛ وهو قولُ أبي حنيفة.
ويُروى ذلك عنابنِ عباس- رضي الله عنهما - أيضًا؛ لأنَّ نذرَ ذبح الولد جُعِل في الشَّرعِ كنذر ذبحِ شاة، بدليلِ أنَّ الله - تعالى – أمرَ إبراهيم بذبحِ ولدِه، وكان أمرًا بذبح شاة، وشرعُ من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يثبتْ نسخُه، ودليلُ أنَّه أُمِر بذبح شاة، أنَّ الله لا يأمرُ بالفحشاءِ ولا بالمعاصي، وذبحُ الولدِ من كبائرِ المعاصي؛ قال الله - تعالى-: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ)[18]"؛ ا. هـ.
جاء في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" (7/142): " (قوله صحَّ التوكيل)؛ أي: تفويض التصرفِ إلى الغيرِ بالكتاب والسنة والإجماع، قال - تعالى - حكاية عن أصحابِ الكهف: ? فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ?[19]، وكان البعثُ منهم بطريقِ الوكالةِ، وشرعُ من قبلنا شرعٌ لنا إذَا قصَّه اللهُ - تعالى - ورسولُه - صلى الله عليه وسلم - من غير إنكارٍ ولم يظهر نسخه، (ووكَّل - عليه السلام - حكيمَ بن حِزام بشراء أضحيته)، وانعقد الإجماعُ عليه وهو عامٌّ وخاصٌّ؛ فالثاني ظاهرٌ، والأولُ نحو أن يقول: ما صنعت من شيءٍ فهو جائزٌ، أنت وكيلي في كلِّ شيء جائز، أمرك على مِلْك جميعِ أنواع التصرفات من البيع والشراء والهبة والصدقة والتقاضي وغير ذلك، ولو طلَّقَ امرأتَه جاز، قال الصَّدرُ الشهيد: وبه يُفتى حتَّى يتبين خلافُه، واختار أبو الليث: أنَّه لو طلَّق أو وقف لم يجزْ؛ كذا في الْوَلْوَالجيَّة وفي البزَّازية ما حكمت فجائز تحكيم لا توكيل، وقدَّمنا فتوى قاضي خان أنَّه يختصُّ بالمعاوضاتِ، (قوله وهو إقامة الغير مقام نفسه في التصرف)؛ أي: الجائزُ المعلوم، حتَّى إنَّ التصرفَ إذا لم يكن معلومًا ثبت أدنى التصرفات؛ وهو الحفظُ فيما إذا قال: وكلتك بمالي". ا.هـ.
خلاصة البحث:
من خلال ما سبق بحثه يتبَيَّنُ أنَّ ما صحَّ من شرعِ مَن قبلَنا من طريقِ الوحي من كتابٍ أو سنةٍ، وليس من كتبِهم المحرَّفةِ من غير إنكارٍ ولا إقرارٍ لها - فهو شرعٌ لنا.
وختامًا، نحمدُ الله على منِّه وفضلِه ودوام إنعامه، والصَّلاة والسلام على إمام المتقين وعلى آله وصحبِه أجمعين.
_________________
[1] العدة في أصول الفقه(3/751)، شرح الكوكب المنير (4/408)، المسودة (1/183)، مختصر ابن اللحام (161)، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (1/145)، تقويم الأدلة (253)، التقرير والتحبير (2/397)، تيسير التحرير (3/130)، فواتح الرحموت (2/183)، كشف الأسرار عن أصول البزدوي (3/315)، المستصفى (1/396)، البرهان في أصول الفقه (1/189)، المنخول من تعليقات الأصول (1/318)، البحر المحيط (4/347)، اللمع للشيرازي (1/63)، الإبهاج في شرح المنهاج (2/276)، جمع الجوامع (109)، غاية الوصول (146)، قواطع الأدلة (2/208)، إحكام الفصول للباجي(مسألة 391)، إيضاح المحصول للمازري (369)، لباب المحصول لابن رشيق (434)، مختصر ابن الحاجب (1/1781)، الردود والنقود (2/663)، شرح العضد على مختصر المنتهى (3/567)، نفائس الأصول للقرافي (6/2379)، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (5/160)، إرشاد الفحول(2/179-180).
[2] المائدة: 44.
[3] الأنعام: 90.
[4] النحل: 123.
[5] البقرة: 194.
[6] المائدة: 45.
[7] آل عمران: 93.
[8] طه: 14.
[9] طه: 14.
[10] ولقد قبَّح إسماعيلُ بن إسحاق القاضي من المالكيةِ قوله: إن رجم النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهودَيْين الزَّانيين تعبدٌ بما في التوراة، قال: وهذا قريبٌ من الكفر!
[11] المائدة: 48.
[12] القمر: 28.
[13] المائدة: 45.
[14] يوسف: 72.
[15] يوسف: 66.
[16] القصص: 27.
[17] أصول الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي (2/849).
[18] الأنعام: 151.
[19] الكهف: 19

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.39%)]