2. ما يجب فيها المثل:
• الصيد، قتل الصيد، والصيد: كل حيوان برِّي حلال متوحش طبعاً كالظباء والأرانب والحمام، لقوله - تعالى -: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) فلا يجوز للمُحْرِم اصطياد الصيد المذكور، ولا قتلُه بمباشرةٍ أو تسبب أو إعانةٍ على قتلهِ بدلالةٍ أو إشارةٍ أو مناولةِ سلاحٍ أو نحو ذلك.
وأما قطع الشجر فليس حراماً على المُحرم من أجل الإحرام؛ لأنه لا تأثير للإحرام فيه، وإنما يَحرمُ على من كان داخل حدود الحرَمِ سواء أكان محرِماً أم غيرَ محرم، وعلى هذا يجوز قطع الشجر في عرفة للمُحرِم وغير المُحرِم، ويحرَّم في مزدلفة ومنى على المحرم وغير المحرم؛ لأن عرفة خارجُ حدودِ الحرم، ومزدلفة ومنى داخل حدودِ الحرمِ.
3. ما يجب فيها بدنة:
• الجماع: وهو إيلاج الحشفة أو مقدارها في فرج أصلي في قبل أو دبر من إنسان أو حيوان أو جني عند من يقول بإمكانية ذلك(9)، فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ).
والرفث الجماع ومقدماته، والجماع أشد محظورات الإحرام تأثيراً على الحج وله حالان:
الحال الأولى: أن يكون قبلَ التحللِ الأول فيترتب عليه شيئان:
أ - وجوب الفدية، وهي بَدنَة أو بقرة تُجزئ في الأضحية، يذبحها ويُفرقها كلها على الفقراء، ولا يأكل منها شيئاً.
ب - فساد الحج الذي حصل فيه الجماع، لكن يلزم إتمامه وقضاؤه من السنة القادمة بدون تأخير.
قال مالك في الموطأ: بلغني أن عمر وعلياً وأبا هريرة سُئلوا عن رجلٍ أصاب أهله وهو مُحرم؟ فقالوا: يَنفذان لوجههما حتى يقضيا حَجهما، ثم عليهما حجٌّ قابل والهدي.
قال: وقال عليٌّ: وإذا أهلا بالحج من عامٍ قابلٍ تفرقا حتى يقضيا حَجَّهما.
ولا يفسدُ النُّسُكُ في باقي المحظورات.
الحال الثانية: أن يكونَ الجماع بعد التحلل الأول، أي بعد رمي جمرةِ العقبة والحلق، وقبل طواف الإفاضة، فالحج صحيح، لكن يلزمه شيئان على المشهور من المذهب:
أ - فديةٌ شاة يذبحها ويُفرقها جميعاً على الفقراء، ولا يأكل منها شيئاً.
ب - أن يخرج إلى الحل، أي: إلى ما وراء حدود الحرم فَيُجدد إحرامه، ويلبس إزراً ورداءً ليطوف للإفاضة مُحرماً.
4. ما يجب فيها دم على التخيير:
من فعل شيئا منها فيخير بين ذبح شاة والذبح والتوزيع في الحرم، ولا يأكل منها شيئا، أو إطعام ستة مساكين توزع في الحرم، أو صوم ثلاثة أيام في أي مكان.
وهي:
• تغطية رأس الرجل بملاصق، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المُحرِم الذي وقصته راحلته بعرفة: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تُخَمِّروا رأسَه)) – أي: لا تُغطوه – (متفق عليه).
فلا يجوز للرجل أن يُغطي رأسَه بما يلاصقه كالعمامة والقُبع والطاقية والغُترة ونحوها، فأما غير الملاصق كالشمسية وسقف السيارة والخيمة ونحوها فلا بأسَ به لقول أم حصين - رضي الله عنها -: حجَجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة، وانصرف وهو على راحلته ومعه بلالٌ وأسامة أحدُهما يقود راحلته، والآخر رافعٌ ثوبه على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - يُظلله من الشمس. (رواه مسلم).
ولا بأس أن يحمل متاعه على رأسه وإن تغطى بعض الرأس لأن ذلك لا يُقصد به الستر غالباً، ولا بأسَ أن يغوص في الماء ولو تغطى رأسه بالماء.
• مس الطيب: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في المُحرم الذي وقَصَتْهُ راحلته وهو واقف بعرفة: ((لا تُقربوه طيباً)) وعلل ذلك بكونه يُبعث يوم القيامة مُلبياً، والحديث صحيح. فدل هذا على أن المُحرِم ممنوع من قُربان الطيب.
ولا يجوز للمحرم شمُّ الطيب عمداً إلا إن كان يريد شراء طيب فلا مانع والعبرة بالنيات، ولا يستعمل الصابون المُمَسك إذا ظهرت فيه رائحة الطيب، ويجوز استعمال الشانمبو والصابون والدهون ذوات الروائح الكيماوية، وأما الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه فلا يضُرُّ بقاؤه - سواء على جسده أو على إحرامه بعد الإحرام - لقول عائشة - رضي الله عنها -: "كنت أنظرُ إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وهو مُحرم" (متفق عليه).
• لبس ما خيط على هيئة عضو للرجل وهو أن يلبس ما يلبس عادةً على الهيئة المُعتادة، سواء كان شاملاً للجسم كله، كالبرنس والقميص، أو لجزء منه كالسراويل والفنايل والخفاف والجوارب وشراب اليدين والرجلين، لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل: ما يلبس المُحرِم من الثياب؟ قال: ((لا يلبسُ القميص ولا العمامة ولا البرانس ولا السراويل ولا الخفاف ولا ثوباً مسَّه زعفرانٌ ولا ورس)) (متفق عليه).
وإن لم يجد الإزار يلبس السراويل ولا يقطعهما، وكذا إن لم يجد النعال يلبس الخفاف ولا يقطعهما أيضاً؛ لأن الأمر بالقطع منسوخ كما رجحه شيخ الإسلام.
• تقليم الأظافر: يجوز تقليم الظفر المكسور؛ لأنه يؤذي.
• مباشرة الزوجة لشهوةٍ بتقبيل أو لمسٍّ أو ضمٍّ أو نحوه لقوله - تعالى -: (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)، ويدخل في الرّفث مقدمات الجماع كالتقبيل والغمز والمُداعبة لشهوة.
فلا يحل للمحرم أن يُقبِّل زوجَته لشهوة، أو يمسها لشهوة، أو يغمزها لشهوة، أو يداعبها لشهوة.
ولا يحلُّ لها أن تمكنه من ذلك وهي مُحرمة، وإن أنزل أحدهما فدى.
• قص الشعر: قال - تعالى -: (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، وألحق جمهور أهل العلم - رحمهم الله تعالى - شعرَ بقية الجسم بشعر الرأس، وعلى هذا فلا يجوز للمحرمِ أن يُزيل أي شعر كان من بدنه.
وقد بيَّن الله - سبحانه وتعالى - فدية حلق الرأس بقوله: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
وأوضح النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصيام مقداره ثلاثة أيام، وأن الصدقة مقدارُها ثلاثة آصع من الطعام لستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك شاة، والمراد شاة تبلغ السن المعتبر في الهدي، وتكونُ سليمة من العيوب المانعة من الإجراء.
وقد أجاز شيخ الإسلام الأخذ من الشعر لمن أراد الحجامة لما صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم، ولا تتم الحجامة إلا بالأخذ من الشعر.
وكل هذه الكفارات فيمن تعمد فعلها، أما من أخطأ فلا، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: "الصحيح أن من فعل محظورا ناسيا فلا فدية عليه، ولو كان إزالة شعر أو ظفر بل لو كان صيدا؛ لقوله - تعالى -: (وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً) وليس في ذلك إتلاف حق آدمي حتى يقال: الإتلاف يستوي فيه المتعمد وغيره، وإنما ذلك في أموال الآدميين ونفوسهم، وأما حقوق الله فإنه يترتب على الإثم"(10).
وقال الشيخ محمد بن عثيمين: "وإذا فعل المُحرم شيئاً من المحظورات السابقة من الجماع أو قتلِ الصيد أو غيرهما فله ثلاث حالاتٍ:
الأولى: أن يكون ناسياً أو جاهلاً أو مُكرَهاً أو نائماً، فلا شيء عليه، لا إثم ولا فدية ولا فساد نسك، لقوله - تعالى -: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، وقوله: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)، وقوله: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
فإذا انتفى حُكم الكفر عمن أُكره عليه، فما دونه من الذنوب أولى.
وهذه نصوصٌ عامةٌ في محظورات الإحرام وغيرها، تفيدُ رفع الحكم عمن كان معذوراً بها.
وقال الله - تعالى - في خُصوص المحظورات في الصيد: (وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ)، فقيَّد وجوب الجزاء بكون القاتل متعمداً، والتعمدُ وصفٌ مناسب للعقوبة والضمان، فوجب اعتباره وتعليق الحكم به، وإن لم يكن متعمداً فلا جزاء عليه ولا إثم، لكن متى زال العذر فعلم الجاهل، وذكر الناسي، واستيقظ النائم، وزال الإكراه وجب عليه التخلي عن المحظور فوراً.
فإن استمر عليه مع زوال العذر كان آثماً، وعليه ما يترتب على فعله من الفدية وغيرها.
مثال ذلك: أن يُغطي المُحرمُ رأسه وهو نائم، فلا شيء عليه ما دام نائماً، فإذا استيقظ لزمه كشف رأسه فوراً، فإن استمر في تغطيته مع علمه بوجوب كشفه كان آثما، وعليه ما يترتب على ذلك.
الثانية: أن يفعل المحظور عمداً لكن لِعُذرٍ يبيحُه، فعليه ما يترتب على فعل المحظور ولا إثم عليه لقوله – تعالى -: (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
الثالثة: أن يفعل المحظور عَمداً بلا عُذرٍ يبيحه، فعليه ما يترتب على فعله مع الإثم.
في صفة العمرة:
العمرةُ: إحرامٌ وطوافٌ وسعيٌ وحلقٌ أو تقصيرٌ.
فأما الإحرامُ فهو نية الدخول في النسك والتلبس به، والسنة لمريده أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، ويتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته بدهن عودٍ أو غيره، ولا يضرهُ بقاؤه بعد الإحرامِ لما في الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يُحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص المسكِ في رأسِه ولحيته بعد ذلك.
والاغتسال عند الإحرام سُنَّةٌ في حق الرجال والنساء، حتى المرأة الحائض والنفساء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عُميس حين ولدت محمد بن أبي بكر في ذي الحليفة في حَجَّة الوداع أمرها فقال: ((اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي)) (رواه مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه -).
ومتى ما انتهى من لبس الإحرام يعين إحرامه، فإن أراد التمتع قال: لبيك عمرة متمتع بها إلى الحج، وإن أراد القران قال: لبيك عمرة وحجا، وإن أراد الإفراد قال لبيك حجا.
ويجوز أن يشترط بقوله: "إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" وليس هو بسنة؛ فإن اشترط فله ما اشترط على ربه - جل وعلا -، والنساء خاصة تعرض لهن العوارض الكثيرة خاصة مع ضعفهن في هذه الأزمنة فلو اشترطت المرأة فهو أحسن.
ثم يلبي بقوله: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
هذه تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم -، وربما زاد: لبيك إله الحق لبيك.
والسنة للرجال رفع الصوت بالتلبية لحديث السائب ابن خلاد - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يَرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية)) (أخرجه الخمسة).
ولأن رفع الصوت بها إظهارٌ لشعائر الله وإعلانٌ بالتوحيد.
وأما المرأة فلا ترفع صوتها بالتلبية ولا غيرها من الذكر؛ لأن المطلوب في حقها التستر وتسمع من حولها من النساء.
في صفة الحج:
الإحرامُ بالحجِّ: إذا كان ضُحى يومِ التروية - وهو اليومُ الثامنُ من ذي الحجة - أحرم من يريد الحجَّ بالحجِّ من مكانه الذي هو نازلٌ فيه.
ولا يُسَنُّ أن يذهبَ إلى المسجد الحرام أو غيره من المساجد فَيُحرم منه؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أصحابه فيما نعلم.
ففي الصحيحين من حديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: ((أقيموا حلالاً حتى إذا كان يومُ التروية فأهلوا بالحج...)) الحديث.
ولمسلمٍ عنه - رضي الله عنه - قال: "أمرنا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم - لما أحللنا أن نُحرِم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح"، وإنما أهلوا من الأبطح؛ لأنه مكان نزولهم.
ويفعل عند إحرامه بالحج كما فعل عند إحرامه بالعمرة، فيغتسل ويتطيب ويصلي سنة الوضوء، ويُهل بالحج بعدها، وصفة الإهلال والتلبية بالحج كصفتهما في العمرة، إلا أنه في الحج يقول: لبيك حجاً، بدل: لبيك عمرة، ويشترطُ: أن مَحلِّي حيث حبستني، إن كان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام نسكه، وإلا فلا يشترط.
الخروج إلى منى:
ثم يخرج إلى منى فيُصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً من غير جمع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل كذلك، وهذا سنة ولا يجب.
وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "صلى رسول – صلى الله عليه وسلم - بمنى ركعتين، وأبو بكر، وعمر، وعثمان صَدْراً من خلافته، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يجمع في منى بين الصلاتين في الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء"، ولو فعل ذلك لنُقلَ كما نُقل جمعه في عرفة ومزدلفة.
ويقصر أهل مكة - حرسها الله - وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلي بالناس في حجة الوداع في هذه المشاعر ومعه أهل مكة - حرسها الله -، ولم يأمرهم بالإتمام، ولو كان الإتمام واجباً عليهم لأمرهم به كما أمرهم به عام الفتح حين قال لهم: ((أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر)) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والشنقيطي وغيرهم، ولكن هل القصر للنسك أو للسفر؟ فيه خلاف، والصحيح أنه للنسك فيقصر حتى أهل العوالي اللذين هم بقرب منى.
الوقوف بعرفة:
فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع سارَ من منى إلى عرفة فنزل بنَمِرَة إلى الزوال إن تَيسر له، وإلا فلا حرج عليه؛ لأن النزول بنمرة سنةٌ لا واجب.
فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين، يجمع بينهما جمعَ تقديم كما فعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
ففي صحيح مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه - قال: وأمر - يعني رسول الله – صلى الله عليه وسلم - بقُبة من شعر تُضرب له بنمرة، فسار رسول الله – صلى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلَت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غَرَبت الشمسُ... الحديث.
وإنما كان الجمع جمع تقديم؛ ليتفرغ الناس للدعاء، ويجتمعوا على إمامهم، ثم يتفرقوا على منازلهم، فالسنة للحاج أن يتفرغ في آخر يوم عرفة للدعاء والذكر والقراءة ويحرص على الأذكار والأدعية الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنها من أجمع الأدعية وأنفعها فيقول:
- اللَّهُمّ لا تجعلني بدعائك ربِّ شقياً، وكن بي رؤوفاً رحيماً يا خير المسؤولين ويا خيرَ المعطين.
- اللَّهُمّ اجعل في قلبي نوراً، وفي سَمعي نوراً وفي بصري نوراً.
- اللَّهُمّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللَّهُمّ إني أعوذ بك من شرِّ ما يلج في الليل، وشَرِّ ما يلجُ في النهار، وشرِّ ما تهبُّ به الرياحُ، وشرِّ بوائق الدهر.
- اللَّهُمّ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عذابَ النار.
- اللَّهُمّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم.
- اللَّهُمّ إني أعوذ بك من جهد البلاء، ومن دَرك الشقاء، ومن سوء القضاء، ومن شماتةِ الأعداء.
- اللَّهُمّ إني أعوذ بك من الهمِّ والحَزن، والعجز والكسل، والجُبن والبُخل، وضِلَعِ الدينِ وغَلبة الرجال، وأعوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أرذلِ العُمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا.
يتبع