عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 06-11-2019, 09:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفصيل ثلاثة أصول من أصول العقائد

تفصيل ثلاثة أصول من أصول العقائد(5)

الشيخ محمد محمد مخيمر







قلت في خاتمة الكلمة السابقة:

إن المساواة في الجزاء وعدمها أمرٌ مبني على أصل، وهو: "هل يجوز الظلم على الله عقلاً أم لا؟ وهذا هو الذي ينبغي العناية بتحقيق الحق فيه"؛ ا .هـ.



وإني بعون الله مفصل هذا الأصل تفصيلاً شافيًا، كما أني مُبين ما انبنى عليه من الفروع، فأقول وبالله المستعان وعليه التُّكلان:

اختلف المتكلمون في: هل يجوز الظلم على الله تعالى أم لا؟ ومنشأ هذا الأصل في رأينا قول بعض السلف رضي الله عنهم: ((لو عذَّب تعالى أهل سمواته وأرضه، لم يكن ظالِمًا لهم))، وهذا معناه صحيح؛ من حيث إنه تعالى غمَرهم بنِعَمه، ولكنهم لم يقوموا بشكرها مهما كانوا عاملين، فهم من ناحية عظمته وجلاله، وعدم تناهي نِعَمه في أدنى درجات التقصير في الشكر، ومن هذه الناحية لو عذَّبهم على هذا التقصير، ما كان ظالِمًا لهم، وإن كان لا يقع منه ذلك، بل يستحيل وقوعه كما يشير إليه تصدير العبارة بكلمة لو، أما أنه تعالى يجوز عليه الظلم شرعًا - فضلاً عن الوقوع - فهو مُحال، وقد بيَّن الله تعالى ذلك في غير موضع من كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ï´¾ [النساء: 40]، ï´؟ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ï´¾ [الكهف: 49]، ï´؟ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ï´¾ [فصلت: 46]، ï´؟ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ï´¾ [الحج: 10]، إلى غير ذلك من الآيات.



وأما السُّنة، فمنها الحديث القدسي عند مسلم: قال الله عز وجل: "يا عبادي، إني قد حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم مُحرمًا؛ فلا تَظالَموا".



أما صيغ المبالغة التي تقدَّمت في الآيات، فالظاهر أن كلمة "ظلاَّم" فيها للنَّسب؛ على حدِّ قولهم: عطَّار، ولبَّان، ويكون معنى الآية: ليس منسوبًا إلى الظلم، فضلاً عن جوازه أو وقوعه منه.



هذا من ناحية النقل، وهو موضع اتفاق بين مَن سلِمت عقولهم من البشر، وأما من ناحية العقل - وهو الذي اختلفوا فيه - فنحن مع الفريق الذي يقول باستحالة جواز الظلم على الله تعالى، أو وقوعه منه؛ لأنه لو جاز عليه الظلم، لم يكن تامَّ الحكمة، ولا كامل العدل، ولا مُنزَّهًا من النقائص، وهذه كلها محالات، وجواز الظلم كذلك؛ لأنه عبث ونقص يَتنافى مع تمام الحكمة وكمال العدل، والتنزُّه عن النقص، ولنترك لهم ما جادَل به بعضهم بعضًا؛ فإنه لا خير فيه للمسلمين على طوله وحِدَّة النقاش فيه.



فإن قلت: أين المساواة في غفران كبائر الذنوب بصغائر الأعمال الصالحة؛ كما في حديث: (غُفِر لامرأة مومس بسَقي كلبٍ! قلت: إن الغفران إنما ترتَّب على ما وقَر في نفسها من الرفق بمخلوقات الله تعالى، ومن استحضار هيبة الله وعظمته، حتى عمِلت هذا العمل، وقد سبقت الإشارة إلى أن الجزاء تابعٌ إلى ما يطبعه العمل في النفس من الأثر، فقد يعمل العبد عملاً صغيرًا، لكن يترك في نفسه أثرًا كبيرًا، بل قد يعمل اثنان عملاً متساويًا، فيختلف جزاؤهما عند الله تعالى، تبعًا لاختلاف أثر العمل قوةً وضَعفًا؛ ولهذا قال بعض السلف: ما سبق أبو بكر بقية الصحابة بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة، وإنما سبقهم بما وقَر في قلبه.



وإذا عرَفت استحالة الظلم على الله تعالى، فاعلم أن ما بنوه على جواز الظلم من قولهم بجواز إثابة العاصي، وتعذيب المطيع - فاسد؛ فإن تعذيب الطائع من حيث كونه طائعًا، وإثابة العاصي من حيث كونه عاصيًا، عملٌ من أظلم الظلم، ولا يعكِّر على هذا قولهم: إنه تعالى مالك يتصرَّف في ملكه كيف يشاء؛ لأن معناه أنه يتصرف كيف يشاء على حسب عدله وحكمته، ومتى رُوعِيتْ هذه الأوصاف الثلاثة، استحالت إثابة العاصي وتعذيب المطيع!



فإن قلت: ما تقول في إسلام الأطفال ولم يَجنوا شيئًا من الذنوب؟ قلت: ذلك لرفع درجاتهم يوم القيامة؛ كابتلائه تعالى أنبياءَه والمخلصين من عباده، وليُثيب آباءهم إذا صبَروا، كما يُكفِّر عنهم ذنوبهم بهذا الصبر.



ولعل هذا هو السر في اشتداد الأمر على سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه عند دَفنه؛ كما في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم لما نزَل مع سعد بن معاذ قبره، كرب كربًا شديدًا، ومكث في القبر زمنًا طويلاً، ولما استبطأه أصحابه كبَّروا، فلما فرغ من دفنه، وخرَج عليهم وسألوه عن مُكثه هذه المدة في القبر - قال صلى الله عليه وسلم: ((ما رأيت كاليوم، سبحان الله، لقد ضُيِّق على هذا العبد الصالح، فلم أزَل أدعو الله حتى كشَف عنه، ولو أن أحدًا كان ناجيًا من ضمَّة القبر، لنجا منها سعد بن معاذ)).




والذي نراه في حكمة هذا التضيُّق أن الله أعطاه درجات رفيعة لا يُوصله إليها عمله، فلذلك ابتلاه بما ابتلاه به؛ إسناده صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، وهو في مسند أحمد رحمه الله.



انتهى هذا البحث بحمد الله تعالى وتيسيره، ونسأله أن يَجعله خالصًا لوجهه، وأن ينفعَ به مَن قرأه، أو استمَع إليه.





المجلة


السنة


العدد


التاريخ


الهدي النبوي

الثانية

الثالث والعشرين

صفر سنة 1358 هـ





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.44 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.81 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.23%)]