عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 06-11-2019, 09:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,953
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفصيل ثلاثة أصول من أصول العقائد

تفصيل ثلاثة أصول من أصول العقائد(4)

الشيخ محمد محمد مخيمر



قد أسلفت في الكلمة السابقة كشف شبهتين من الشبه الأربع التي أوردها الرازي على المساواة المفهومة من قوله تعالى في آخر الآيات في سورة الأنعام: ï´؟ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا ï´¾ الشبهة الثالثة قال فيها ما نصه: أحدث موضحتين فصارتا موضحة واحدة أخذ منه أرش موضحة واحدة.

وقال في الجواب عنها: وهذا من تعبدات الشارع وتحكماته.

الموضحة هي ضربة تكشف العظم وتزيل ما فوقه من اللحم، وأرشها ديتها وخلاصة الشبهة وجوابه عنها: أنه لو جنى إنسان على آخر بضربة كشفت العظم وفعل ذلك بموضعين غير متصلين فزال ما بينهما من الاتصال سواء أكان ذلك بفعل الجاني أو المجني عليه أو غيرهما تغير الحكم، وأخذ من الجاني تعويض موضحة واحدة بدلاً من موضحتين؛ ثم زعم في جوابه: أن هذا من تعبدات الشارع وتحكماته.

وأقول: كان يتم له هذا الجواب لو أتى بنص من الشارع على الحكم الذي ذكره، ولا سبيل له إلى هذا، بل هو في مصادمة قوله صلى الله عليه وسلم "في الموضحة خمس من الإبل" وعلى هذا فلا نوافقه على الحكم الذي ذكره، ولو وافقه عليه ألف فقيه مثله ما دام في مصادمة النص السابق، بل الحكم الشرعي: أنه لو صارت عشر موضحات موضحة واحدة، أخذ منه عشرة تعويضات؛ أي خمسون من الإبل.

الشبهة الرابعة: لو أتلف يد إنسان عمداً كان فيها الدية. وقد سوّى الشرع بين ذلك وبين إتلاف النفس، حيث أوجب فيها الدية.

وأجاب عن هذه الشبهة بعين الجواب السابق في الشبهة الثالثة.

وأقول: إن أراد أن الشرع سوَّى بين اليد والنفس في الإتلاف عمداً حكما فباطل لأن موجب القتل القصاص لا الدية حال العمد، فلا مساواة. وإن أراد أنه سوى بين إتلاف اليد عمداً وبين قتل النفس خطأ فباطل أيضا؛ لأن أخذ الدية في القتل الخطأ غير ملحوظ فيه المجازاة، بل الملحوظ فيه مصلحة أولياء الدم. اهـ.

هذه هي الشبه. والآن نناقشه مناقشة إجمالية تعم الشبه كلها بالنقض:
فمن الذي قال له أو لغيره: أن أمور الدنيا معيار لأمور الآخرة، مع أن الملحوظ في العقوبات في الدنيا استقرار الأمن والمحافظة على مصالح المجتمع الإنساني، فإن قصد المفسد للإتلاف في الأموال أو الأنفس أو الأطراف هو الذي كان سببا في تنويع العقوبات الدنيوية؛ وهذا القصد منتف في الآخرة؛ وبهذا ظهر الفرق بين الدارين، وكما تبين أن المساواة حاصلة في الجزاء فيهما من جهة العقوبة.

إذا انكشفت لك هذه الشبه فلنرجع إلى أصل البحث فنقول:
قد سبقت الإشارة في الكلمة السابقة إلى أن التضعيف في الجزاء مخصوص بجزاء الحسنات، منتف في جزاء السيئات تحقيقاً للفضل والعدل في الجانبين، إلا أن المتكلمين اختلفوا: هل الحاصل من الثواب جزاء على العمل أعظم، أم الحاصل من مضاعفة الحسنات؟.

فإلى الأول ذهب المعتزلة، وإلى الثاني ذهب الأشاعرة وأكثر المتكلمين. قال الجبائي في الاستدلال على صحة مذهب المعتزلة: لو لم يكن الحاصل جزاء على العمل أعظم من الحاصل بالمضاعفة لا نتفت فائدة التكليف، ولكان العذاب بحصول مشقته في الدنيا خاليا عن الفائدة.

والجواب: أن فائدة التكليف في هذه الحالة شيئان، الأول: تمييز الصادقين من الكاذبين في الانقياد إلى طاعة الرسل بالقلوب. الثاني: أن حصول التضعيف موقوف على وجود أصل الجزاء على العمل الصالح، لأنه علاوة لا وجود لها إلا بعد ثبوت الجزاء على العمل لصاحبها.

وأمثال هذه المجادلات لا فائدة فيها للمسلمين. لكن ينبغي أن يتنبه هنا إلى أن المساواة في الجزاء أو عدمها مبنية على أصل آخر وهو: هل يجوز الظلم على الله أو لا؟ وهذا هو الذي تنبغي العناية بتحقيق الحق فيه؛ وموعدنا به الكلمة الآتية إن شاء الله تعالى.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 17.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.65%)]