تربية الأستاذ الداعية لتلميذه
عبد اللّه قادري الأهدل
وفي حديث أبي موسى المتفق عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً منتنة)) [البخاري (3/16) ومسلم (4/2026)].
وكم من أستاذ كان ظاهر الصلاح، ويعتبر مربياً فصار ضحية لبعده عن الصالحين واقترابه من الفاسدين، وكم من شاب صالح يعتاد المساجد، ويؤمن بالله ورسوله والإسلام، ويجب ما يحبه الله ورسوله، هوى في حمأة الرذيلة والإلحاد بسبب جليس سوء.
فعلى الأستاذ والطالب معاً الحفاظ على مرافقة عباد الله الصالحين، والبعد عن صحبة أتباع الهوى والشيطان..
وبذلك يمكن البُعد عن المحرمات، وفعل الطاعات، وعدم إضاعة الوقت فيما يضر، أو فيما لا ينفع، فقد خلق الله الليل والنهار، خلفة لمن أراد أن يذكّر أو أراد شكوراً.
(12) الجد والمثابرة في طلب العلم، من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكتب أهل العلم الذين يتمسكون بهما، ولا يقدمون عليهما قول أحد كائناً من كان، والاجتهاد في كل علم نافع للطالب ولأمته.
والتساهل في طلب العلم أو القعود عنه، دليل على لهبوط إلى الجهل، والقعود عن معالي الأمور التي لا تنال بدون العلم.
(13) زيارة القبور: لتذكر أصل الإنسان وقيمة الحياة الدنيا، والموت والبعث، والحساب، والدعاء للمؤمنين بالوارد.
(14) الإكثار من قراءة كتب الترغيب والترهيب، وصفة الجنة والنار، ونعيم القبر وعذابه، وأحوال يوم القيامة، ومصائر الأمم كقوم نوح وعاد وثمود.
(15) الإحساس القوي بالمسؤولية الفردية أمام الله، عن عمله في هذه الحياة، وعن أهله وأولاده وأقاربه، وجيرانه وأصدقائه، بل هو مسؤول عن تبليغ دين الله إلى كل من يحتاج إليه، قدر استطاعته.
وذلك يحتم عليه أن يتحمل أعباء الدعوة إلى الله، مع استكمال أصولها من العلم والحكمة والبيان والصبر، وفي الحديث: (( كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته)) [البخاري (8/104) ومسلم (3/1459)].
خلاصة ما يجب أن يتحلى به الأستاذ:
فلا بد للداعية إلى الله ـ والأستاذ من أوائل الدعاة ـ أن يتحلى بما يأتي:
1- الإخلاص.
2- الإيمان التام بما يدعو إليه.
3- العلم بما يدعو إليه من الكتاب والسنة.
4- العمل بما علم وكونه قدوة حسنة.
5- لين الجانب وعدم الغلظة.
6- الصبر على المحنة والابتلاء.
الأمور التي ينبغي للأستاذ أن يسعى لتحقيقها في نفوس طلابه، وعليه أن يجتهد في تحقيق الأمور الآتية في تلاميذه علاوة على ما مضى:
1- غرس الإيمان بالغيب وتثبيته وتقويته، بالحجج والبراهين المقنعة ودحض الشبه التي يوردها أعداء الإسلام على ذلك.
2- تقوية الجانب العبادي، على ضوء ما مر في تقوية الصلة بالله.
3- تمرينهم على البدء بالأهم فالمهم، اقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم -.
4- اختيارهم الأسلوب السهل عند دعوة غيرهم أو تعليمهم، حسب المقام والأشخاص.
5- مساعدة الطالب في نقله من البيئة الفاسدة إلى البيئة الصالحة، حتى يتمكن من السير في صراط الله ـ ويصبح هو أيضاً قادراً على نقل غيره كما نقل هو.
6- إقناعهم بالاعتصام بحبل الله، والتعاون مع إخوانهم المسلمين في كل أنحاء الأرض، من أجل رفع راية (لا إله إلا الله) والقضاء على رؤوس الفتنة والضلال من أعداء الله مستعيناً بما يأتي:
(أ) التذكير بالأوضاع الكافرة التي أحدثت للعالم كله القلق والاضطراب، ومكنت للظلم والظالمين.
(ب) التذكير بحالة المسلمين التي يعيشونها.
(ج) التذكير بأمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بـ "التمسك بالجماعة وأن (من شذّ شذّ في النار). [البخاري (8/92ـ93) ومسلم (3/1475ـ1476) والترمذي (4/465ـ467)].
(د) التذكير بصفات الطائفة المنصورة، التي تبدأ بالإيمان وتنتهي بالجهاد وطلب الشهادة، من أجل تحقيق رفع راية الإسلام.
(هـ) التذكير بأخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - العهد على الجهاد، وينبغني أن يعينه بذكر الكتب والمراجع التي تفيده في هذا الباب وغيره، ليسير على النهج الصحيح.
المبحث الثاني: عوامل تقوية صلة الأستاذ بتلاميذه وتقوية صلة بعضهم ببعض:
عوامل تقوية صلة الأستاذ بتلاميذه وتقوية صلة بعضهم ببعض:
إن ما عليه كثير من الأساتذة مع طلبتهم، في كثير من المدارس النظامية، من الجفاء، والبعد عن الروح الودية والإخاء لا تقره الآداب الإسلامية.
فقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو المربي الأول لهذه الأمة، كما قال - تعالى - عنه: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) [التوبة: 128].
وكان أصحابه - رضي الله عنهم - يسرعون إليه، كلما اعترضتهم مشكلة، ليحلها لهم.
(قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمح تحاوركما إن الله سميع بصير) [المجادلة: 1].
وكان - صلى الله عليه وسلم - مع تعليمه لهم ونصحه إياهم، يتفقد أحوالهم ويزورهم في السلم والحرب، في البيت وفي المعركة، وهكذا كان أصحابه من بعده، ساروا على دربه، وكذلك كان علماء الإسلام في كل جيل، تربط بينهم وبين تلاميذهم الأخوة الإيمانية والمحبة، ولذلك أثمر عملهم وآتى أكله.
ومما يحقق الإخاء والمحبة بين الأستاذ وطلبته وبين الطلبة بعضهم مع بعض الأمور الآتية:
أولاً: التعارف: وهو من الآداب الإنسانية العامة، التي لا تستغنى عنها الأمم والأفراد، ولا يمكن تحقيق العلاقات التعاملية بدونه، ولذلك كان التعارف من أهم الآداب الإسلامية التي أبرزها القرآن في سورة الحجرات.
كما قال - تعالى -: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات: 13].
والتعارف الإسلامي، لا بد أن يثمر الأخوة الإسلامية الحقة، والمحبة المتبادلة الصادقة، فعلى الأستاذ أن يحقق التعارف بينه وبين طلابه، ويتعرف على مشكلاتهم، ليحاول حل ما قدر عليه منها، ويعمل على إيجاد التعارف بينه طلبته بعضهم مع بعض كذلك.
ثانياً: التناصح: ومن العوامل التي تقوي الصلة بين الأستاذ وطلبته، أن يتواصى معهم بالحق، فلا يسكت عن منكر وخطأ يراه في طالب، بل يسرع في نصحه سراً، فإذا اقتضى الأمر نصحه علناً نصحه.
ويدربهم أيضاً على أن يتناصحوا فيما بينهم بحكمة ولطف وتواضع؛ لأنهم إذا لم يحققوا التناصح فيما بينهم، وهم في ميدان التلقي والطلب، فسيكون الأمر كذلك عندما يدخلون في ميدان العمل والممارسة، وفي ذلك ما فيه من خطورة على مستقبل العمل للإسلام.
وعلى الأستاذ أن يتقبل نصح طلبته له أيضاً، فهو بشر يخطئ ويصيب مثلهم، وإن كان المفروض أن يكون أقل خطأً وأكثر صواباً، وعليهم أن ينصحوه ولا يترددوا في نصحه بأدب ولطف، والأفضل أن يكون نصح الطالب لأستاذه على سبيل الإشكال والاستفسار.
وعلى الجميع أن يكون هدفهم من النصح، محبة الخير للمنصوح عن إخلاص وتواضع لا عن رياء وتكبر وتشهير.
وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستقيم أمر المسلمين، وبدونهما تضطرب الأمور، وتنشر الفوضى والظلم، ويسيطر الفسقة والطغاة.
[تراجع في هذا الموضوع الآيات والأحاديث المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ ويراجع رياض الصالحين وغيره].
ثالثاً: التعاون على البر والتقوى وحل المشكلات التي تعترض الأستاذ وطلبته:
وهذا يقتضي مكاشفة الطلاب الأستاذ، ومكاشفة بعضهم بعضاً بمشكلاتهم، حتى يتعاونوا على حلها، لأن الفرد الذي تعترضه المشكلات في حياته فيخفيها في نفسه، لا يتمكن إخوانه من معاونته على حلها لعدم معرفتهم إياها.
وقد تكون تلك المشكلات معوقة للفرد عن السير في دراسته إذا استمر، ولذلك ينبغي أن يبدأ الأستاذ طلبته بالسؤال عن أحوالهم، تشجيعاً لهم على إبداء ما قد يترددون في إظهاره ابتداءً.
وقد يعجز الأستاذ أو طلبته عن حل بعض المشكلات، ولكن ذلك لا يمنع من إبدائها، من أجل المواساة والتسلية والتواصي بالصبر.
رابعاً: الإسراع في حل أي خلاف:
قد يحدث بين الطلبة أو بينهم وبين الأستاذ خلاف، وعندئذٍ عليهم حله بالصلح مع التزام العدل، والابتعاد عن الإثارة والدعاوى الباطلة، أو التهم التي لا حقيقة لها، هرباً من الاتصاف بصفة المنافق (( إذا خاصم فجر)) [البخاري (1/14) ومسلم (1/78)].
يتبع