عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 29-10-2019, 10:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,396
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح حديث كعب بن مالك في قصة تخلفه عن غزوة تبوك

شرح حديث كعب بن مالك في قصة تخلفه عن غزوة تبوك (2)
سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين




ففي هذه القطعة من الحديث دليل على جواز التخلف عن الجماعة إذا كان الإنسان مهجورًا منبوذًا، وعجزت نفسه أن تتحمل هذا، كما فعل صاحبا كعب بن مالك رضي الله عنهم.



لأنه لا شك أنه من الضيق والحرج أن يأتي الإنسان إلى المسجد مع الجماعة لا يسلَّم عليه، ولا يُرَد سلامه، ومهجور ومنبوذ، هذا تضيق به نفسه ذرعًا ولا يستطيع، وهذا عذر كما قاله العلماء.



ومن فوائد هذا الحديث: شدة امتثال الصحابة لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ودليل ذلك ما جرى لأبي قتادة - رضي الله عنه- مع كعب بن مالك رضي الله عنه.



ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب التحرز من أصحاب الشر وأهل السوء الذين ينتهزون الضعف في الإنسان والفرص في إضاعته وهلاكه.



فإن هذا الملك - ملك غسان- انتهز الفرصة في كعب بن مالك - رضي الله عنه- يدعوه إلى الضلال لعله يرجع عن دينه إلى دين هذا الملك بسبب هذا الضيق.



ومن فوائد الحديث: قوة كعب بن مالك - رضي الله عنه- في دين الله وأنه من المؤمنين الخلص، وليس ممن قال الله فيهم: ï´؟ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ï´¾ [العنكبوت: 10].



فبعض الناس - والعياذ بالله - يقول: آمنا بالله، ولكن إيمانه ضعيف، إذا أوذي في الله ارتد - والعياذ بالله - وفسق وترك الطاعة، وكعب بن مالك رضي الله عنه أوذي في الله إيذاء أيَّما إيذاء، لكنه صبر واحتسب وانتظر الفرج، ففرج الله له تفريجًا لم يكن لأحد غيره وصاحبيه، أنزل الله فيهم ثناء عليهم آيات تتلى إلى يوم القيامة.



نحن نقرأ قصتهم في القرآن في صلاتنا! وهذا فضل عظيم، قصتهم تقرأ في الصلاة، في الصلوات الخمس، في صلاة النافلة، سرًّا وعلنًا.



ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا رأى فتنة أو خوف فتنة أن يُتْلِف هذا الذي يكون سببًا لفتنته.

فإنَّ كعبًا لما خاف على نفسه أن تميل فيما بعد إلى هذا الملك، ويتخذ هذه الورقة وثيقة، حرقها رضي الله عنه.



ومن ذلك - أيضًا -: ما جرى لسيلمان بن داود - عليهما الصلاة والسلام - حينما عُرضت عليه الخيل الصافنات الجياد في وقت العصر، فغفل وذهل- بما عُرض عليه - عن الصلاة حتى غابت الشمس، فلما غابت الشمس وهو لم يصلِّ العصر دعا بهذه الخيل الصافنات الجياد فجعل يضرب أعناقها وسوقها؛ يعني: جعل يقتلها ويعقرها انتقامًا من نفسه لنفسه؛ لأنه انتقم من نفسه التي لهت بهذه الصافنات الجياد عن ذكر الله، ï´؟ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ï´¾ [ص: 32، 33].



فالمهم أنك إذا رأيت شيئًا من مالك يصدك عن ذكر الله فأبعده عنك بأي وسيله تكون، حتى لا يكون سببًا لإلهائك عن ذكر الله.



فإن الذي يُلهي عن ذكر الله خسارة؛ كما قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ï´¾ [المنافقون: 9].



يقول رضي الله عنه: «فلما تمت لنا أربعون ليلة»؛ يعني: شهر وعشرة أيام، وكان الوحي قد استلبث فلم ينزل كل هذه المدة، وهذه من حكمة الله عز وجل في الأمور الكبيرة العظيمة، يستلبث الوحي ولا ينزل، كما في هذه القصة، وكما في قصة الإفك حين انقطع الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم.



وهذا من حكمة الله عز وجل حتى يتشوف الناس إلى الوحي ويتشوقوا إليه: ماذا سيُنزل ربُّ العالمين عز وجل؟ فبقي الوحي أربعين ليلة ما نزل، فلما تمت أربعون ليلة أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى كعب وصاحبيه هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع - رضي الله عنهم- أن يعتزلوا نساءهم.



وجاءت زوجة هلال بن أمية إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخبرته بأنه في حاجة إليها لتخدمه؛ لأنه ليس له خادم، فأذن لها النبي -صلى الله عليه وسلم- بشرط أن لا يقربها، فقالت: «إنه والله ما به من حركة إلى شيء»؛ يعني: أنه ليس له شهوة في النساء، وأنه يبكي- رضي الله عنه - منذ أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بهجرهم إلى يومه هذا، أربعون يومًا يبكي؛ لأنه ما يدري ماذا تكون النهاية.



يقول رضي الله عنه: «فلما مضى عشر ليال بعد هذا، وكنت ذات يوم أصلي الصبح على سطح بيت من بيوتنا»؛ لأنه كما مَرَّ كانوا - رضي الله عنهم- قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، واستنكروا الأرض، واستنكروا الناس، يأتون إلى المسجد لا يكلمهم أحد، وإن سلموا لم يرد عليهم، وإن مر بهم أحد لم يسلِّم عليهم، ضاقت عليهم الأرض، فصار ذات يوم يصلي الصبح في بيته على سطحه، يقول: «فسمعت صارخًا يقول وهو على سلع - وهو جبل معروف في المدينة - أوفى عليه وصاح بأعلى صوته يقول: «يا كعب بن مالك، أبشر، يا كعب بن مالك، أبشر».



يقول: «فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء فرج»، وركب فارس من المسجد يؤم كعب بن مالك ليبشره، وذهب مبشرون إلى هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع يبشرونهما بتوبة الله عليهما.



فانظر إلى فرح المسلمين بعضهم مع بعض، كلٌّ يذهب يسعى ويركض من جهة.



يقول: فجاء الصارخ، وجاء صاحب الفرس، فكانت البشرى للصارخ؛ لأن الصوت أسرع من الفرس، يقول: فأعطيته ثوبيَّ؛ الإزار والرداء، وليس يملك غيرهما، لكن استعار من أهله أو من جيرانه ثوبين، فلبسهما، وأعطى ثوبيه هذا الذي بشره.



أعطاه كل ما يملك، لا يملك غير الثوبين، لكنها والله بشرى عظيمة، بشرى من الله سبحانه وتعالى عظيمة، أن يُنزل الله توبتهم ويمن عليهم بالتوبة.



ثم نزل متوجهًا إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، وإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجزاه الله عن أمته خيرًا - قد بشر الناس بعد صلاة الصبح بأن الله أنزل توبته على هؤلاء الثلاثة؛ لأنه يحب من أصحابه وأمته ان يتوبوا ويرجعوا إلى الله.



يقول: فذهبت أتأمم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعني: أقصده، فجعل الناس يلاقونني أفواجًا؛ يعني: جماعات، يهنئونه بتوبة الله عليه رضي الله عنه.



هؤلاء القوم يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم، فلم يحسدوهم على ما أنعم الله به عليهم من إنزال القرآن العظيم بتوبتهم، بل جعلوا يهنئونهم حتى دخل المسجد.



وفي هذه القطعة من الحديث فوائد:

أولًا: شدة هجر النبي - عليه الصلاة والسلام- لهؤلاء الثلاثة، حتى إنه أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، والتفريق بين الرجل وامرأته أمره عظيم.



ثانيًا: وفيه أن قول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك؛ ليس بطلاق، لأن كعب بن مالك- رضي الله عنه- فرَّق بين قوله: الحقي بأهلك، وبين الطلاق، فإذا قال الرجل لامرأته الحقي بأهلك ولم ينو الطلاق، فليس بطلاق.



أما إذا نوى الطلاق فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى...». الحديث.

فإذا نوى الإنسان بهذه الكلمة وأمثالها الطلاق فله ما نوى.



ثالثًا: شدة امتثال الصحابة - رضي الله عنهم - لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه - رضي الله عنه- ما تردد، ولا قال: لعلِّي أراجع الرسول عليه الصلاة والسلام، أو قال للرسول الذي أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم-: ارجع إليه لعله يسمح، بل وافق بكل شيء.



رابعًا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان رحيمًا بأمته، فإنه بعد أن أمرهم باعتزال النساء رخص لهلال بن أمية؛ لأنه يحتاج لخدمة امرأته.



خامسًا: جواز حكاية الحال عند الاستفتاء أو الشهادة أو ما أشبه ذلك، وإن كان المحكي عنه قد لا يحب أن يطلع عليه الناس، لأن امرأة هلال بن أمية ذكرت من حاله أنه ليس فيه حاجة إلى شيء من النساء.



سادسًا: أن الإنسان إذا حصل له مثل هذه الحال وهجره الناس، وصار يتأذى من مشاهدتهم ولا يتحمل، فإنه له أن يتخلف عن صلاة الجماعة، وإن هذا عذر؛ لأنه إذا جاء إلى المسجد في هذه الحال سوف يكون متشوشًا غير مطمئن في صلاته؛ ولهذا صلى كعب بن مالك - رضي الله عنه - صلاة الفجر على ظهر بيت من بيوته، وسبق لنا ذكر هذه الفائدة في قصة هلال بن أمية ومرارة بن الربيع.



سابعًا: حرص الصحابة - رضي الله عنهم - على التسابق إلى البشرى؛ لأن البشرى فيها إدخال السرور على المسلم، وإدخال السرور على المسلم مما يقرب إلى الله عز وجل؛ لأنه إحسان، والله - سبحانه وتعالى - يحب المحسنين، ولا يضيع أجرهم.



فلذلك ينبغي لك إذا رأيت من أخيك شيئًا يسره، كأن يكون خبرًا سارًّا أو رؤيا سارة أو ما أشبه ذلك، أن تبشره بذلك؛ لأنك تدخل السرور عليه.



ثامنًا: أنه ينبغي مكافأة من بشرك بهدية تكون مناسبة للحال؛ لأن كعب بن مالك - رضي الله عنه - أعطى الذي بشره ثوبيه، وهذا نظير ما صح به الخبر عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - وكان يأمر الناس إذا حجوا أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج؛ يعني أن يأتوا بالعمرة ويحلوا منها ثم يحرموا بالحج في يوم التروية، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينهى عن المتعة؛ لأنه يحب ان يعتمر الناس في وقت، وأن يحجوا في وقت، حتى يكون البيت دائمًا معمورًا بالزوار، ما بين معتمرين وحجاج، فَعَلَ هذا اجتهادًا منه - رضي الله عنه - وهو من الاجتهاد المغفور، وإلا فلا شك أن سنة الرسول - عليه الصلاة والسلام - أولى.



المهم أن رجلًا استفتى عبد الله بن عباس في هذه المسألة، فأمره أن يتمتع وأن يحرم بالعمرة ويحل منها.



فرأي هذا الرجل في المنام شخصًا يقول له: حج مبرور وعمرة متقبلة، فأخبر بذلك عبد الله بن عباس الذي أفتاه، ففرح بذاك ابن عباس وأمره أن يبقي حتى يعطيه من عطائه؛ يعني: يعطيه هديه على ما بشره به من هذه الرؤيا التي تدل على صواب ما أفتاه به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.



والمهم أن من بشرك بشيء فأقل الأحوال أن تدعو له بالبشارة، أو تهدي له ما تيسر، وكل إنسان بقدر حاله.



يقول رضي الله عنه: «حتى دخلت المسجد وإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس وحوله أصحابه، فقام إلى كعبٍ طلحةُ بنُ عبيد الله - رضي الله عنه - فصافحه وهنأه بتوبة الله عليه.



يقول: «والله ما قام إليَّ أحد من المهاجرين رجل غير طلحة»؛ فكان لا ينساها له، حيث قام ولاقاه وصافحه وهنأه، حتى وقف على النبي -صلى الله عليه وسلم- وإذا وجهه تبرق أساريره؛ لأنه- عليه الصلاة والسلام- سره أن يتوب الله على هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا الله ورسوله، وأخبروا بالصدق عن إيمان، وحصل عليهم ما جرى من الأمر العظيم، من هجر الناس لهم خمسين يومًا، حتى نسائهم بعد الأربعين أمر الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يعتزلوهن.



ثم قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ».



وصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه هو ذلك اليوم، لأن الله أنزل توبته عليه وعلى صاحبيه في قرآن يتلى، تكلم به رب العالمين عز وجل، وأنزله على محمد -صلى الله عليه وسلم- محفوظًا بواسطة جبريل، ومحفوظًا إلى يوم القيامة، ولا يوجد أحد سوى الأنبياء أو من ذكرهم الله في القرآن حُفظت قصته كما حفظت قصة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم.



بقيت هذه القصة تتلى في كتاب في المحاريب وعلى المنابر وفي كل مكان، ومن قرأ هذه القصة فله بكل حرف عشر حسنات، فهذا اليوم لا شك أنه خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه.



فقال كعب: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله؛ أي: يتخلى عنه ويجعله صدقة إلى الله ورسوله شأنه وتدبيره. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»؛ فأمسكه رضي الله عنه.



يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.74 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.38%)]