عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-10-2019, 05:32 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام عشر ذي الحجة

أحكام عشر ذي الحجة
عبد الله بن عبد الرحمن السعد





الأضحية عنه وعن أهل بيته:
روى الإمام مالك في الموطأ (2/486) والترمذي في جامعه (1505) واللفظ له - من حديث عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: "كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس فصارت كما ترى".
وقال الترمذي: (حسن صحيح)، وأنا أذهب إلى ما ذهب إليه الترمذي.
فالسنة في ذلك أن أهل البيت الواحد تكفيهم أضحية واحدة، ولو أرادوا أن يزيدوا فهذا أفضل وأحسن، وسبق في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين.
وإذا تيسر للإنسان أن يذبح خارج بلده بالإضافة إلى ذبحه في بلده فهذا حسن جداً.
ولا يخفى ما تمر به بعض بلاد المسلمين من حاجة شديدة وفقر مدقع، فعلى المسلم أن لا ينسى إخوانه من مساعدتهم بما ييسره الله له؛ فإن في هذا الأجر العظيم عند الله - سبحانه وتعالى -.
ما يجب على من أراد أن يضحي:
روى مسلم في صحيحه (1977) عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً)).
فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز لمن أراد أن يضحي الأخذ من هذه الأشياء الثلاثة: الشعر والأظفار والبشرة حتى يذبح أضحيته.
والمقصود بالبشرة: اللحم اليابس، الذي قد يكون في نهاية الأظافر، أو في أسفل القدم.
وذهب الإمام أحمد إلى وجوب الامتناع من هذه الأمور، كما هو ظاهر حديث أم سلمة، وذهب الجمهور إلى الكراهية فقط.
والقول الأول هو الأرجح، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذلك، والأصل في النهي التحريم.
والإنسان الذي يريد أن يضحي هو الذي يجب عليه الامتناع، وأما إذا أشرك أهل بيته معه فلا يلزمهم الامتناع.
وكذلك لو وَكَّل غيره في التضحية عنه، فالوكيل لا يلزمه عدم الأخذ من هذه الأشياء؛ لأنه وكيل، وأما الإنسان الذي وَكَّل فهو الذي يجب عليه الامتناع.
ولمن أراد أن يضحي أن يمتشط وأن يمس الطيب، وإنما يمنع من هذه الأشياء الثلاثة فقط.
ومما يدل على أن الامتشاط ليس بممنوع منه من أراد أن يضحي: ما رواه البخاري في صحيحه (310) من حديث عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة - وهي محرمة -: ((انقضي رأسك وامتشطي)).
والإحرام أشد ممن أراد أن يضحي، والمحرم تحرم عليه هذه الأشياء أشد من الإنسان الذي يريد أن يضحي، ومع ذلك قال: ((انقضي رأسك وامتشطي)).
وقت ذبح الأضحية:
كان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يبدأ به يوم العيد بعد الصلاة النحر، ففي الصحيحين (البخاري/922، مسلم/1961) من طريق الشعبي عن البراء قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أول ما نبدأ في يومنا هذا: أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء)).
3- التكبير:
ومن العبادات العظيمة التي تختص بها هذه الأيام عبادة التكبير لله - عز وجل -، ورفع الصوت بذلك؛ قال الله - تعالى -: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) الحج: 28.
والأيام المعلومة هي عشر ذي الحجة، كما ذهب إلى هذا جمهور أهل العلم(21).
وفي صحيح البخاري (كتاب العيدين/باب فضل العمل في أيام التشريق): "وقال ابن عباس: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) في أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق، وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما"(22) ا. هـ.
وقال البخاري في كتاب العيدين أيضاً: "باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة.
وكان عمر - رضي الله عنه - يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه وممشاه، تلك الأيام جميعاً، وكانت ميمونة تكبر يوم النحر، وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد.
حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا مالك بن أنس قال: حدثني محمد بن أبي بكر الثقفي قال: سألت أنسا - ونحن غاديان من منى إلى عرفات - عن التلبية، كيف كنتم تصنعون مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان يلبي الملبي لا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه).
وقال الإمام مسلم في صحيحه (1284): وحدثني محمد بن حاتم وهارون بن عبد الله ويعقوب الدورقي قالوا أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن عمر بن حسين عن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غداة عرفة، فمنا المكبر، ومنا المهلل، فأما نحن فنكبر، قال: قلت: والله لعجبا منكم كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟!
وعبادة تكبير الله - عز وجل -، من أعظم العبادات، وقد أمر الله - عز وجل - بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أمر لأمته من بعده، قال - تعالى - في خاتمة سورة الإسراء: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً * وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً).
ومعنى (كبره تكبيراً) أي: عظمه عظمة تامة، ويقال: أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال: الله أكبر، أي: صفه بأنه أكبر من كل شيء، قال الشاعر:
رأيت الله أكبر كل شيء *** محاولة وأكثرهم جنودا
وقال عمر بن الخطاب: "قول العبد: الله أكبر خير من الدنيا وما فيها" (23).
ويحكى عن بعض السلف أن هذه الآية هي خاتمة التوراة.
ومن عظمة هذا الذكر أن الصلاة تفتتح به، وأن النداء إليها يفتتح بها ويختتم بها، كما أن الصلاة في نهيتها يكون الاستغفار والتهليل والتسيبح والتحميد والتكبير.
وفي الصحيحين (البخاري/806، مسلم/583) من حديث ابن عباس أنه قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير.
والطواف بالبيت يفتتح بالتكبير، ورمي الجمار السنة فيه التكبير مع كل جمرة، وعند الصفا وكذلك المروة يفتتح الدعاء بالتكبير ثلاثاً، وعند الذبح تقول: بسم الله، والله أكبر.
وقد جاء في صحيح مسلم (2173) من حديث هلال بن يساف عن الربيع بن عميلة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت)).
ولو فقه المسلمون معنى هذه العبادة وعملوا بمقتضاها لاستقامت أحوالهم ديناً ودنيا، وأولى وأخرى، وذلك عندما يعلم المسلم حقيقة أن الله أكبر من كل شيء، فإنه سوف يلتزم بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويعبده حق عبادته، ويتوكل عليه، ولا يخشى فيه لومة لائم.
التكبير المطلق والتكبير المقيد:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن التكبير ينقسم إلى قسمين: مطلق ومقيد، فيكون مطلقاً منذ دخول العشر إلى نهاية أيام التشريق، وأما التكبير المقيد فيبدأ من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر يوم من أيام التشريق، وذلك بعد أدبار الصلوات الخمس.
قال القاضي أبو يعلى: "التكبير في الأضحى مطلق ومقيد؛ فالمقيد عقيب الصلوات، والمطلق في كل حال في الأسواق وفي كل زمان" ا. هـ (24).
وهذا لغير الحاج، قال الإمام أحمد عن هذا: في حق أهل الأمصار، فأما أهل الموسم فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر؛ لأنهم قبل ذلك مشتغلون بالتلبية، وحكاه عن سفيان بن عيينة واستحسنه، فقال: "ما أحسن ما قال سفيان" (25).
ودليلهم في ذلك هو ما نقل عن جمع من الصحابة أنهم كانوا يكبرون من بعد صلاة الصبح يوم عرفة، مع أن التكبير يبدأ منذ دخول العشر، فلذا حملوا هذا على التكبير المقيد، وحملوا ما جاء عن بعض الصحابة من التكبير في أول العشر حملوه على المطلق.
وقد نقل الإمام أحمد الإجماع على التكبير المقيد الذي يكون بعد صلاة الصبح من يوم عرفة، فقد حكاه عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، قيل له: فابن عباس اختلف عنه؟ فقال: هذا هو الصحيح عنه، وغيره لا يصح عنه، نقله الحسن بن ثواب عن أحمد ا. هـ من فتح الباري لابن رجب (9/22) (26).
قلت: فأما الرواية عن عمر ففيها ضعف، أخرجها ابن أبي شيبة (2/167) وابن المنذر في الأوسط (2200) و(2207)، والبيهقي (3/314) من طرق عن حجاج بن أرطاة قال: سمعت عطاء يحدث عن عبيد بن عمير قال: كان عمر...، فذكره.
قال البيهقي: "كذا رواه الحجاج عن عطاء، وكان يحيى بن سعيد القطان ينكره، قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ذاكرت به يحيى بن سعيد فأنكره وقال: هذا وهم من الحجاج، وإنما الإسناد عن عمر أنه كان يكبر في قبته بمنى.
قال الشيخ - أي البيهقي -: والمشهور عن عطاء ابن أبي رباح أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ولو كان عند عطاء عن عمر هذا الذي رواه عنه الحجاج لما استجاز لنفسه خلاف عمر، والله أعلم.
وقد روي عن أبي إسحاق السبيعي أنه حكاه عن عمر وعلي وهو مرسل" ا. هـ.
قلت: ثم رواه من طريق علي بن مسلم الطوسي ثنا أبو يوسف يعني القاضي ثنا مطرف بن طريف عن أبي إسحاق قال: اجتمع عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، على التكبير في دبر صلاة الغداة من يوم عرفة، فأما أصحاب ابن مسعود فإلى صلاة العصر من يوم النحر، وأما عمر وعلي فإلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق (27).
قلت: هذا منقطع كما قال البيهقي.
وأما التكبير في أيام منى وهي أيام التشريق فهذا ثابت عن عمر - رضي الله عنه - عند البخاري معلقا مجزوما به، كما سبق.
وأما ما جاء عن علي فهو ثابت عنه، قال ابن أبي شيبة (2/165): ثنا حسين بن علي عن زائدة عن عاصم عن شقيق عن علي، وعن عبد الأعلى عن أبي عبد الرحمن عن علي.
وأخرجه ابن المنذر في الأوسط (2203)، وينظر: (2201).
قلت: الإسناد الأول حسن من أجل عاصم، وأما الثاني ففيه ضعف من أجل عبد الأعلى، وهو ابن عامر الثعلبي.
وجاء طريق ثالث: رواه ابن المنذر (2209): ثنا علي بن عبد العزيز ثنا حجاج ثنا حماد عن الحجاج عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي أنه كان يكبر يوم عرفة صلاة الفجر إلى العصر من آخر أيام التشريق يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
وروى ابن أبي شيبة (2/168): ثنا يزيد بن هارون ثنا شريك قال: قلت لأبي إسحاق: كيف كان يكبر علي وعبد الله؟ قال: كانا يقولان: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
قال البيهقي في الكبرى (3/314) بعد أن رواه من طريق حسين بن علي عن زائدة به: "وكذلك رواه أبو جناب عن عمير بن سعيد عن علي" ا. هـ.
وأما عبد الله بن مسعود فقد ثبت عنه بإسناد صحيح من طريق أبي إسحاق عن الأسود عن عبد الله به.
أخرجه ابن أبي شيبة (2/167-168) وابن المنذر في الأوسط (2240).
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف (2/167) عن وكيع عن حسن بن صالح عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله أنه كان يكبر أيام التشريق.
قلت: والأول أصح.
وأما ابن عباس فهو صحيح عنه أيضا؛ رواه ابن أبي شيبة (2/167): ثنا يحيى بن سعيد القطان عن أبي بكار عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، لا يكبر في المغرب، يقول: الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد.
وأخرجه البيهقي في الكبرى (3/134، 315)، ولفظه: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر وأجل، الله أكبر على ما هدانا.
وأخرجه ابن المنذر (2202) من طريق ابن أبي شيبة ولفظه كما عند ابن أبي شيبة.
قلت: وما نقل عن هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - في بداية التكبير وأنه يبدأ من صلاة الصبح من يوم عرفة يحتمل عدة احتمالات:
الأول: أن هذا التكبير إنما هو المقيد الذي يكون أدبار الصلوات المكتوبة كما ذهب إلى هذا الإمام أحمد.
الثاني: أن التكبير يتأكد من يوم عرفة وإن كان هو مشروعاً منذ بداية العشر، ولا يخفى أن آكد التكبير في هذه الأيام إنما يكون في يوم العيد الذي هو يوم النحر، ولذا تقدم ما نقل عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يكبر إلى صلاة العصر من يوم النحر.
ولا يخفى أن هذا الوقت هو آكد أوقات التكبير في هذه الأيام.
الثالث: أن هؤلاء الصحابة كانوا يبدؤون بالتكبير من يوم عرفة بغض النظر عن كونه مطلقاً أو مقيداً، وخاصة أن الذين نقل عنهم هذا الشيء لم ينقل عنهم أنهم كانوا يكبرون من أول أيام العشر.
نعم سبق عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما.
وجاء عن ابن عمر أيضا أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق، ولكن في إسناده عبد الله العُمَرِي وفيه ضعف.. أخرجه ابن المنذر (2205)، ورواه أيضاً البيهقي في الكبرى (3313).
وسبق ما رواه عنه مسلم أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غداة عرفة، فمنا المكبر ومنا المهلل، فأما نحن فنكبر.
وثبت عنه من طريق ابن جريج قال: أخبرني نافع أن ابن عمر كان يكبر بمنى تلك الأيام خلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، وفي ممشاه. رواه ابن المنذر في الأوسط (22)، وعلقه البخاري في صحيحه (28) مجزوماً به.
والذي أميل إليه أن ما جاء عن علي وغيره أن هذا من باب تأكيد التكبير، وأنه يتأكد في يوم عرفة وما بعده، وبالذات في يوم النحر، وذلك لأمرين:
الأمر الأول: حديث محمد بن أبي بكر الثقفي السابق - أنه سأل أنس بن مالك - وهما غاديان من منى إلى عرفة - كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان يهل المهل منا فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه.
وفي رواية لمسلم: فمنا المكبر ومنا المهلل، ولا يعيب أحدنا على صاحبه.
ففي هذا الحديث لم يقيد التكبير بصلاة، بل أطلقه في اليوم كله.
بل في حديث ابن عمر السابق - عند مسلم (1284): غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفات، منا الملبي ومنا المكبر.
وفي لفظ: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غداة عرفة، فمنا المكبر ومنا المهلل، فأما نحن فنكبر، قال: قلت: والله لعجباً منكم! كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟!
ففي هذا الخير أن ابن عمر أطلق التكبير منذ الصباح لم يقيده بصلاة، وقال: (فأما نحن فنكبر)، وأما استثناء بعض أهل العلم الحاج من التكبير المقيد فهذا فيه بعض النظر لما تقدم في هذين الحديثين، وبالذات في قول ابن عمر: "وأما نحن فنكبر"، وقد كانا أي: أنس وابن عمر حاجين.
الأمر الثاني: أن الله - عز وجل - قال: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)، والأيام المعلومة هي: الأيام العشر، وقال - عز وجل -: (واذكروا الله في أيام معدودات)، وهي: أيام التشريق، فهذا يفيد العموم، وأن التكبير سواء كان قبل الصلاة أو بعدها أو في الصباح أو في المساء فكل هذا مشروع.
ولكن يتأكد التكبير في يوم عرفة وما بعده، وبالذات في يوم النحر، والأمر في ذلك واسع، والله - تعالى - أعلم.
صفة التكبير:
لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم صفة معينة في التكبير، وإنما ثبت عن صحابته - رضي الله عنهم - في ذلك عدة صفات:
الصفة الأولى: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً:
روى البيهقي في الكبرى (3/316) وفي فضائل الأعمال (227) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عاصم عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أنه كان يكبر فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً.
وهذا إسناد صحيح، وصحح سنده الحافظ ابن حجر في الفتح (2/462).
الصفة الثانية" الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد:
روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف (5633) عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن الأسود عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من النحر، يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
وهذا إسناد صحيح.
الصفة الثالثة: الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيراً، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد:
روى ابن أبي شيبة في المصنف (5646) عن يحيى بن سعيد القطان عن أبي بكار عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، لا يكبر في المغرب: الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد.
وهذا إسناد صحيح.
هذا ما وقفت عليه مما ثبت عن الصحابة - رضي الله عنهم - في هذه المسألة.
فينبغي للإنسان في هذه العشر أن يكثر من التكبير، وإذا التزم بهذه الصفات التي ثبتت عن الصحابة فهذا أحسن وأكمل؛ لأن الذي يغلب على الظن أن الصحابة - رضي الله عنهم - قد أخذوا هذا عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما القسم الثاني: وهو العبادات المشروعة في هذه الأيام وفي غيرها - من صلاة وصيام وسائر العبادات والطاعات غير ما تقدم -، فهذه يتأكد الإكثار منها في هذه الأيام؛ لعموم حديث ابن عباس السابق: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن... ))، فيشمل كل الأعمال الصالحة.
ومن الأعمال الصالحة التي تشرع في هذه الأيام عبادة الصيام، فيستحب للشخص أن يصومها، وخاصة يوم عرفة، ودليل ذلك ما جاء في صحيح مسلم (1162) وغيره من حديث غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد الزَمَّاني عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((... صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده)).
والدليل على بقية التسعة: ما جاء في حديث ابن عباس السابق: ((من أيام العمل الصالح فيهن أحب الله - عز وجل - من هذه العشر)).
وأما ما جاء في صحيح مسلم (1176) من حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط.
فهذا لا يمنع من استحباب صومها، بدليل أنها داخلة ضمن الأعمال الصالحة، والرسول صلى الله عليه وسلم حث على العمل الصالح مطلقاً، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يترك العمل لأسباب ولحكم، فيكفي قوله صلى الله عليه وسلم في الحث على ذلك.
وقد جاء من حديث هنيدة عن حفصة أنها قالت: أربع لم يكن يدعهن النبي صلى الله عليه وسلم: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين قبل الغداة.
أخرجه النسائي (4/220) وأحمد (6/287) وغيرهما.
ولكن هذا الحديث لا يصح، وهو معلول إسناداً ومتناً، فأما إسناداً فقد وقع اضطراب في إسناده ومتنه، وبين ذلك النسائي في سننه وساق روايته.
فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم العشر، ولكن هذا لا يمنع استحباب صيام هذه العشر كما سبق؛ لأن كل الأعمال الصالحة هي مستحبة في هذه العشر.
هذا وبالله التوفيق، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد روى ابن جرير هذا القول عن ابن عباس من ثلاثة طرق عنه، وبعضها صحيح: أحدها هذا، وهو من طريق أربعة كلهم من الثقات المشاهير، وهم: ابن أبي عدي وعبد الوهاب ومحمد بن جعفر وابن علية - عن عوف - وهو ابن أبي جميلة الأعرابي - قال: حدثنا زرارة بن أوفى قال: قال ابن عباس:... فذكره.
والتصريح بالتحديث إنما وقع في رواية ابن علية دون باقي الروايات، وابن علية من كبار الحفاظ.
(2) هذا الإسناد لا يصح، عمر بن قيس الأقرب أنه المكي المعروف بسندل، فقد ذكر في ترجمته أن ابن وهب يروي عنه، وشيخه أيضا مكي، وهذا يؤيد كون عمر بن قيس هو المكي المعروف بسندل، وهو متروك، أما محمد بن المرتفع فهو القرشي العبدري، وثقه الإمام أحمد، وقال: روى عنه ابن جريح وابن عيينة، وقال ابن سعد: ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره البخاري في التاريخ الكبير، وقال: "سمع ابن الزبير".
(3) أخرج عبد الرزاق في المصنف (8120) عن معمر عن الأعمش عن أبي الضحى قال: سئل مسروق عن: (لفجر وليال عشر)، قال: "هي أفضل أيام السنة".
قلت: وهذا إسناد لا بأس به.
ورواه ابن جرير الطبري في التفسير (30/ 169): حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا ابن ثور عن معمر عن أبي إسحاق عن مسروق... فذكره.
قلت: وهذا إما أن يكون اختلاف على معمر، فإن كان كذلك فالإسناد الأول هو الأصح؛ لأن عبد الرزاق أثبت الناس في معمر أو من أثبتهم فيه.
وإما أن يكون لمعمر في هذا الخبر إسنادان.
(4) قال ابن جرير: "حدثنا ابن عبد الأعلى ثنا ابن ثور عن معمر عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد قال: ليس عمل في ليال من ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله له" ا. هـ.
هذا الإسناد فيه ضعف من أجل يزيد بن أبي زياد، فإنه لا يحتج به، ولكن يتسامح في مثل هذا، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا فيه الغنية والكفاية.
(5) روى ابن جرير هذا القول عن ابن زيد، كما سبق.
(6) التبيان في أقسام القرآن (ص: 3).
(7) وفي بعض النسخ زيادة (العشر) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (2/459): "قوله: ما العمل في أيام أفضل منها في هذه كذا لأكثر الرواة بالإبهام، ووقع في رواية كريمة عن الكشميهني: ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه... والسياق الذي وقع في رواية كريمة شاذ مخالف لما رواه أبو ذر وهو من الحفاظ عن الكشميهني شيخ كريمة بلفظ: ما العمل من أيام أفضل منها في هذا العشر، وكذا أخرجه أحمد وغيره عن غندر عن شعبة بالإسناد المذكور، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة، فقال: في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة، وكذا رواه الدارمي عن سعيد بن الربيع عن شعبة، ووقع في رواية وكيع المقدم ذكرها: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام)) يعني: أيام العشر، وكذا رواه ابن ماجه من طريق أبي معاوية عن الأعمش، ورواه الترمذي من رواية أبي معاوية، فقال: من هذه الأيام العشر بدون يعني، وقد ظن بعض الناس أن قوله: يعني أيام العشر تفسير من بعض رواته، لكن ما ذكرناه من رواية الطيالسي وغيره ظاهر في أنه من نفس الخبر، وكذا وقع في رواية القاسم بن أبي أيوب بلفظ: ما من عمل أزكى عند الله، ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى، وفي حديث جابر في صحيحي أبي عوانة وابن حبان: ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة فظهر أن المراد بالأيام في حديث الباب أيام عشر ذي الحجة" ا. هـ.
(8) ينظر: كلام ابن حجر السابق.
(9) وقد روي عن أبي الزبير من طرق:
الأول: أيوب السختياني: وقد اختلف عليه؛ فرواه عنه عاصم بن هلال: عن أبي الزبير عن جابر رفعه: ((أفضل أيام الدنيا أيام العشر يعني عشر ذي الحجة...))، وذكر عرفة فقال: ((يوم مباهاة ينزل الله - تبارك وتعالى - إلى سماء الدنيا، فيقول: عبادي شعثاً غبراً ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق، يسألون رحمتي، ويستعيذون من عذابي، ولم يروا، قال: فلم نرى يوماً أكثر عتيقاً وعتيقةً من النار)).
رواه البزار كما في كشف الأستار (2/28- رقم: 1128) قال: حدثنا أبو كامل حدثنا أبو النضر، يعني عاصم بن هلال به.
وقال البزار: "لا نعلمه عن جابر إلا عن أبي الزبير، ولا نعلم رواه عن أيوب إلا عاصم" ا. هـ.
وأخرجه أبو عوانة (201): حدثنا المعمري ثنا أبو كامل به، ولم يذكر لفظه لا.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.59 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]