عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 17-10-2019, 04:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,455
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مؤسسات الاجتهاد الجماعي ودورها في معالجة قضايا الفقه الإسلامي المعاصر

مؤسسات الاجتهاد الجماعي ودورها في معالجة قضايا الفقه الإسلامي المعاصر


(دراسة تاريخية مقاصدية)


د. أحمد يوسف أحمد الدرديري(*)


المبحث الثاني


أهداف ومقاصد مؤسسات الاجتهاد الجماعي


لمؤسسات الاجتهاد الجماعي مقاصد وأهداف, حيث اهتمت بمعالجة حوائج المسلمين وقضاياهم, وبحثت المسائل والنوازل المستجدة بصورة علمية وواقعية, وأعطت مساحة واسعة للمشاركة الفكرية والعلمية, فأعلت من شأن الحوار, وقللت من شأن الخلاف الفقهي, وعملت على توحيد الأمة الإسلامية من خلال الأحكام الشرعية التي تصدرها, أو من خلال القرارات التي تصدرها, أو التوصيات الرشيدة الحكيمة التي أوصت بها, وهذا يدل على النضج الفكري والمعرفي لأعضاء هذه المجامع, فساهم بدوره في إعداد المجددين الذين أثروا ميدان الحوار الفقهي مما أدي إلى تطور الحركة الفقهية, فمؤسسات الاجتهاد الجماعي أثرت الساحة الفقهية بحكم ومقاصد وأهداف كثيرة ومتعددة يمكننا تلخيص بعضها في الآتي:[26]

1- مواكبة جميع المستجدات على الساحة الإسلامية, وخاصة الفقهية منها, وذلك لبيان الحكم الشرعي فيها.
2- بذل الوسع واستفراغ الجهد, لبيان حكم الله في قضايا الفقه الإسلامي المتجددة, وإيجاد الحلول المناسبة لقضاياه المختلفة, وبيان الراجح من الأقوال الفقهية السابقة بعد فحصها ودراستها.
3- بيان عالمية الإسلام, ومواكبته لكل جديد يطرأ على البشرية, وصلاحيته لكل زمان وتعاطيه مع كل واقع يحكمه التطور العلمي والمعرفي.

4- إحياء روح العمل الجماعي الشوري, لتعميق الشورى في أوساط الأمة, وإحياء الاجتهاد الجماعي, وتجديد الفقه الإسلامي ومواكبته لكل جديد ومتطور
5- التصدي لما يرد من شبهات وما يثار من إشكالات حول الشريعة الإسلامية. بالإضافة إلى دور مؤسسات الاجتهاد الجماعي في البحث عن المسائل والنوازل المستجدة وإيجاد حكم الله فيها بصورة جماعية.
6- جمع كلمة الأمة الإسلامية وتوحيد جهودها, حتى تكون مؤسسات الاجتهاد الجماعي نواة لوحدة الأمة وجمع لصفها ووجهة لتأليف القلوب, ولم شمل المسلمين.

7- توحيد النظم التشريعية والقانونية للأمة, لتصبح قرارات مؤسسات الاجتهاد الجماعي تشريعات عامة لكل شعوب الأمة الإسلامية.

8- مجابهة التيارات الفكرية المنحرفة, وإبطال عقائدها, والتصدي لها, وكشف أمرها للناس.
9- بيان وسطية الإسلام, ويسره ومرونته وأنه قادر على استيعاب جميع الأمور المستجدة, وأن لله حكما في كل مسألة.
10- إصدار فتاوى جماعية تسد حاجة الأقليات المسلمة في جميع أنحاء العالم, ومعالجة قضاياهم ومشاكلهم وكل ما استجد في جوانب حياتهم, في ضوء أحكام الشريعة ومقاصدها.

المبحث الثالث


المراحل التاريخية لمؤسسات الاجتهاد الجماعي وأهم انجازاتها


مرت مؤسسات الاجتهاد الجماعي الفقهي الشوري بمراحل تاريخية عديدة, حيث بدأت مرحلتها الأولى في عصر الصحابة بعد انتقال الرسول e إلى الرفيق الأعلى وتوسع الدولة الإسلامية وتمددها وضمها لكثير من الأمصار, وكثرة النوازل والوقائع, وتعدد الثقافات وتنوعها, فقد كان الطابع العام للخلفاء الراشدين y جمع الصحابة ذوي الرأي الذين شهدوا تنزلات الوحي ولازموا النبي e وحضروا أقضيته وفتاويه, واستشارتهم في النوازل التي لم ترد فيها نصوص لبيان حكم الله فيها, فقد كانت لهم جهود عقلية تتصل بالتشريع في المسائل التي لم ترد فيها نصوص خاصة مفصلة, أو التي وردت فيها نصوص تحتاج عند التطبيق إلى تحري روح التشريع ومصالح الناس في عصرهم[27], ولهذا كان الطابع العام للاجتهاد في عصر الشيخين أبي بكر وعمر م جماعيا, حيث كان الصحابة يجتمعون ويتداولون الرأي في المسائل وذلك قبل تفرقهم في البلاد المفتوحة[28], كما حدث في جمع القرآن في عهد أبي بكر, وعدم قسمة أرض العراق على الفاتحين في عهد عمر وغيرها, من اجتهادات الصحابة الجماعية في كثير من القضايا التي استجدت عندهم بعد وفاة النبي e.

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة اجتهادات التابعين, والأئمة المجتهدين, ونشؤ المدارس الفقهية كمدرسة الحديث بالحجاز ومدرسة الرأي بالعراق, فقد كانت مدرسة الحديث تعتمد على الاجتهاد في نصوص الكتابة والسنة, وكان من مجتهديها بالمدينة عبد الله بن عمر م وسعيد بن المسيب وابن شهاب الزهري, ومن مكة عبد الله بن عباس وعكرمة وغيرهم من التابعين, أما مدرسة العراق فيمثلها إبراهيم النخعي والحسن البصري وكانت تبحث في علل الأحكام, وتتشدد في قبول خبر الواحد وتتوسع في المسائل الافتراضية[29], فالآراء الفقهية المسنودة إلى هذه المدارس تؤكد لنا أن الاجتهاد الجماعي كان مرعيا في تلك المدارس ولكن أخذ يضعف ويحل محله الاجتهاد الفردي, فإجماعات أهل المدينة التي كان يرويها الإمام مالك وغيرها من آراء أئمة المذهب الحنفي, أُخذت منها فكرة الاجتهاد الجماعي (بعد عهد الصحابة, أما فيما عدا هذه الفترة من الدولة الأموية في الأندلس فلم ينعقد إجماع, ولم يتحقق إجماع من أكثر المجتهدين, لأجل التشريع, ولم يصدر التشريع عن الجماعة, بل استقل كل فرد من المجتهدين باجتهاده في بلده وفي بيئته أو كان التشريع فرديا لا شوريا[30].

أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الدعوة إلى إحياء الاجتهاد الجماعي وقيام مؤسساته العلمية الشورية الحوارية في العصر الحديث لمعالجة القضايا المعاصرة وتقنين نظمها وتشريعاتها نسبة لكثرة الحوادث والقضايا المستجدة وتداخلها وتعقيداتها ولذلك فقد دعا مجموعة من العلماء المعاصرين إلى إحياء الاجتهاد الجماعي ووجود مؤسساته, ومن أبرزهم الشيخ مصطفى الزرقا, والشيخ بديع الزمان النورسي, والطاهر بين عاشور, وأحمد محمد شاكر, ومحمد يوسف موسى والشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ يوسف القرضاوي وغيرهم...وقد أثمرت هذه الدعوات في قيام ثلاثة مجامع فقهية: مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة, الذي أنشئ سنة 1969م, والمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة سنة 1393ه, ومجمع الفقه الإسلامي بجدة سنة 1981م, وتوالت بعد ذلك المجامع والمؤسسات الاجتهادية. وتمت الاستجابة إلى تلك الدعوات بقيام مؤسسات الاجتهاد الجماعي, وظهور عدد من المجامع الفقهية والهيئات العلمية ولجان الفتوى ومجالس الشورى والإفتاء والتي منها ما يلي[31]:

1- مجمع البحوث الإسلامي في مصر بالأزهر الشريف والذي تم أنشاؤه عام 1381ه-1961م برئاسة شيخ الأزهر, وهو من أقدم المجامع الفقهية الاجتهادية الإسلامية على الإطلاق, حيث أنشئ في عام 1382ه/1962م, وصدرت لائحته التنفيذية عام 1395ه/1975م, ومن أهم اجتهاداته الشرعية وإنجازاته الفقهية والعلمية ما يأتي: بيان الحكم الشرعي للربا في الإسلام: لقد أقر المؤتمر الثاني الذي انعقد في سنة 1385ه/1965ما يأتي: 1- أما بالنسبة للفائدة على أنواع القروض فكلها ربا محرّم, لا فرق بينما يسمى بالقرض الاستهلاكي, وما يسمى بالقرض الإنتاجي, لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين· 2- الإقراض بالربا محرّم, لا تبيحه حاجة ولا ضرورة, والاقتراض بالربا محرّم كذلك, ولا يرفع إثمه إلا إذا دعت الضرورة, وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته·أما بالنسبة لحكم التأمين الذي تتولاه الجمعيات التعاونية لخدمة الأعضاء المنتسبين لها: فقد قرر المؤتمر الثاني لمجمع البحوث ما يلي: أن التأمين الذي تقوم به جمعيات تعاونية, يشترك فيها جميع المستأمنين لتؤدي لأعضائها ما يحتاجون إليه من معونات وخدمات أمر مشروع, وهو من التعاون على البر. وقد صدرت ضمن قرارات المؤتمر السابع قرار بتحريم التأمين التجاري, حيث أعلن مؤتمر علماء المسلمين الثاني الذي انعقد في القاهرة عام 1385ه, ومؤتمر علماء المسلمين في دورته السابعة أيضاً عام 1392ه/ 1972م قرار بتحريم التأمين التجاري.

2- هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية والتي أنشئت بأمر ملكي سنة1391ه ومهمتها إبداء الرأي الفقهي المستند إلى الأدلة الشرعية, وتتفرع عنها اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
3- المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة والذي تم إنشاؤه عام 1393ه- وقد تم اختيار أعضاؤه من العلماء الراسخين الأتقياء من جميع أقطار العالم الإسلامي, وقد بدأت دورات هذا المجمع عام 1398ه, وفي دورته العشرون عام 2009م, أصدر المجمع أكثر من مئة قرار في مختلف القضايا منها العقيدة والعبادات والفقه الطبي والاقتصاد, والعمل بالرؤية في إثبات الأهلة, لا بالحساب الفلكي, وتم فيه بيان الحكم الشرعي للتأمين بشتى صوره وأشكاله, وبيان حكم التعامل بالأوراق النقدية, وسوق الأوراق المالية والبضائع (البورصة) وما واكبها من أنواع الصفقات المحظورة شرعاً, والمقامرة, والاستغلال, وأكل أموال الناس بالباطل, والعقود الآجلة بأنواعها التي تجري على المكشوف, أي على الأسهم والسلع التي ليست في ملك البائع, وبيع السلعة المتعاقد عليها قبل الحيازة أو القبض الفعلي أو الحكمي·

4- مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والذي تأسس في انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي الثالث عام 1401ه/ 1981م, وصدر عنه في دوراته التسع عشرة وندواته عن التأمين التعاوني, والصكوك الإسلامية, والتضخم النقدي حوالي (150) قراراً في قضايا العبادات ونظام الأسرة وحقوق الإنسان والأطفال والمسنين والأيتام, وعالم الاقتصاد والمعاملات, والمسائل الطبية, وبعض الحقوق الدولية, كهجرة اليهود إلى فلسطين, وحكم الاستنساخ البشري, والبورصات أو الأسواق المالية.

5- مجمع الفقه الإسلامي بالهند والذي تأسس عام 1989م الموافق 1409ه وقد عقدت ندوته الأولى في نيو دلهي عام 1989م. وبعدها عقد هذا المجمع خمس عشرة ندوة فقهية في النوازل الفقهية القضايا المستجدة في مختلف ولايات الهند, بدءاً من عام 1410ه/ 1989, وصدرت عنه حوالي (75) قراراً في مجمل القضايا الفقهية المستجدة وأحكام النوازل, نذكر منها ما يلي: تنظيم الأسرة, وبدل الخلو, وزراعة الأعضاء, والتكييف الشرعي للعملات الورقية, وحكم الفوائد البنكية والمعاملات الربوية, والمصرفية الإسلامية والمرابحة, وبيع الحقوق, والتأمين, وقضايا مستجدة تتعلق بالزكاة, ونظام العُشْر والخراج في الإسلام, والضرورة والحاجة الشرعيتان, وأخلاقيات الطبيب وواجباته, ومرضى الإيدز, وضوابط العرف والعادة, وأسهم الشركات, وقضايا الأوقاف والكفاءة والولاية في النكاح, وحكم الأحاديث الضعيفة, وصفة اختلاف الأئمة, وطلاق السكران وحكم الإنترنت وأجهزة الاتصال الحديثة, واستثمار أموال الزكاة, وعلاقة المسلمين مع غيرهم, والإسلام والسلام العالمي, وحكم مادة الجيلاتين, والتأمين الصحي وبطاقات الائتمان والهندسة الوراثية.

6- مجمع الفقه الإسلامي بالسودان وقد تم اعتماده في شهر شعبان عام 1419ه ويضم أربعين عضوا من الفقهاء والعلماء وقد عقد مؤتمره الأول عام 1422ه, وينظر في كل قضايا المجتمع والمستجدات الفقهية, وأحكام النوازل.
7- رابطة علماء المغرب وتبحث في المسائل الفقهية المعاصرة وأحكام النوازل ومقرها الرباط.
8- قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية بالكويت وهو تابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت والذي تأسس عام 1408ه- الموافق 1987ه.

9- الهيئة الشرعية العالمية للزكاة, وقد تم تأسيسها عام 1408ه- الموافق 1987م بالكويت والمتخصصة في مختلف قضايا الزكاة, وفي كل المستجدات الفقهية وأحكام النوازل الخاصة بالزكاة.
10- المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث بإيرلندا وقد تأسس عام 1417ه- ويعمل على توحيد الآراء الفقهية وإيجاد التقارب بين علماء أوربا بإصدار فتاوى جماعية, وكذلك الأحكام والمستجدات الفقهية المتعلقة بالأقليات المسلمة.
11- مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا, وقد تأسس بواشنطن عام 1423ه- 2002م ويهدف إلى بيان أحكام الشريعة للمقيمين في أمريكا هذه المؤسسات تعتمد على الشورى وإبداء الرأي الشرعي في القضايا الفقهية المطروحة عليها, والمستجدات الفقهية, وأحكام النوازل[32].

المبحث الرابع

الدور المقاصدي لمؤسسات الاجتهاد الجماعي في معالجة قضايا الفقه المعاصر

المقاصد في اللغة:

المقاصد: جمع المقصد من القصد, وهو التوجه إلى الشيء, ومادة الكلمة تدل على ثلاثة معاني, فالقصد يعني إتيان الشيء وأمه أي التوجه إليه, أو بمعنى التوسط)[33] والمقاصد تأتي بمعنى: (الطريق المستقيم)([34]).

المقاصد في الاصطلاح:

هي: (الغاية من الشريعة والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها)([35]), أو هي: (المعاني الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها بحيث لا يختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص, من أحكام الشريعة)[36].
يعتبر إنشاء مؤسسات الاجتهاد الجماعي مقصدا شرعيا هاما؛ لأنها تهتم بما يحتاجه المسلمون من قضايا ونوازل في حياتهم المجتمعية, حيث تقوم بدراسة المسائل الفقهية المستجدة بواقعية, وتعمل على توحيد المجتمعات الإسلامية باجتهاداتها وإفتائها الفقهي المستنبط من النصوص الشرعية بعمق وبحث ونظر, وإصدار قرارات رصينة وتوصيات مدروسة بدقة وعناية, لمعالجة قضايا الفقه الإسلامي المعاصر, فأثرت الحركة الفقهية وأحدثت فيها التطور والتجديد وقللت من دائرة الخلاف الفقهي, بالإضافة إلى دورها المقاصدي في إعداد جيل من المجتهدين لاستمرار حركة التطور في الفقهي الإسلامي ومعالجة قضايا وأحكام النوازل والمستجدات والقضايا الطارئة في الفقه الإسلامي.

فمقاصد مؤسسات الاجتهاد الجماعي تتعدد بتعدد القضايا المعاصرة وتغير الزمان, وكثرة وقائعه وتجددها وتداخلها وتشابكها, ولذلك كثرت دعوات العلماء بإنشاء المؤسسات والمجامع الفقهية التي أسهمت وبدور فاعل ومؤثر في تحقيق الاجتهاد الجماعي والرأي التوافقي, باعتباره مقصدا شرعيا وعلميا معتبرا, لمعالجة قضايا النوازل, ودراسة المسائل الفقهية المستجدة بواقعية, والوصول إلى فتاوى وقرارات سديدة وحكيمة تعالج قضايا المسلمين في حياتهم المجتمعية القائمة على رعاية المصالح, والنابعة من روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها, فهي مؤسسات شورية ناصحة ومجتهدة في تنزيل الأحكام الشرعية وفق مقاصدها وحكمها وأهدافها لأنها تمثل الطريق الصحيح لمعرفة الرأي الأقرب للحق والصواب والصلاح وتحقيق مقصود الشرع.

كما أن لمؤسسات الاجتهاد الجماعي دور مقاصدي في إعداد المجددين من العلماء والباحثين والمجتهدين في ميادين العلم الشرعي, لاستمرار حركة التجديد والتطور وكثرة الاستفتاء في النوازل والمستجدات والقضايا الطارئة.فمؤسسات الاجتهاد الجماعي نابعة من مفهوم ومشروعية الشورى في الإسلام, قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى:38), وقد سن النبي r هذا المبدأ حينما استشار أبا بكر وعمر م, فطلب رأيهما في الحكم على أسرى بدر, واستشارته للحباب بن المنذر, وسلمان الفارسي في الخندق, ونزوله لتحكيم سعد بن معاذ, وغيرها من معالم الشورى التي كان يمارسها النبي r مع أصحابه, ولم يكن r يطلب الحكم الشرعي وإنما كان يطلب الشورى والرأي الجماعي, ليرسخ مفهوم الشورى وسط أصحابه, وكان أبو بكر t أول من أستن بطلب المشورة والرأي الجماعي, فكان يجمع كبار الصحابة ويشاورهم في الواقعة, فإذا استقر رأيهم على شيء أخذ به, وكذلك كان منهج عمر بن الخطاب t فكان كثيراً ما يفزع إلى الصحابة فيما يعرض له من الوقائع الفردية والجماعية[37].

إن منهج مؤسسات الاجتهاد الجماعي لا يتوقف عند التعرف على الحكم أو الوصول إلى حكم الله في المسائل التي لم يرد فيها نص قاطع أو لم يرد فيها نص مطلقا, ولكنها تحاول أن تستجلي وتكشف حكم الله المراد من خلال ثنايا كليات وجزئيات النصوص الشرعية ومن خلال الطرق والمناهج المعتبرة في خارطة الفقه الاجتهادي, وهذا نوع من أنواع الاجتهاد المقاصدي, وهنالك نوع آخر يهدف إلى التعرف على المحل الذي ينزل فيه مراد الله في الواقع لمعالجة هذا الواقع بطريقة علمية ومنهجية شورية تحقق مقاصد الشارع وحكمه وغاياته, ولذلك يرى الشاطبي: (أن مهمة المجتهد لا تتوقف عند الوصول إلى حكم الله في المسائل التي لم يرد فيها نص قاطع أو لم يرد فيها نص مطلقا, ولكنه ينتظم مهمة أخرى تتمثل في الاجتهاد لأجل التعرف على المحل الذي ينزل فيه مراد الله من المسائل التي ورد فيها نص قاطع أو ظني, ومن المسائل التي لم يرد فيها نص مطلقا)[38].

إن الاجتهاد الجماعي الذي تمارسه مؤسسات الاجتهاد الجماعي الإسلامي المعاصرة, يعد معلما من معالم مسيرة الفقه الإسلامي في العصر الحاضر, لأن صدور الآراء الفقهية الجماعية عنها يعطي قوة للحكم الشرعي, خاصة وأن المجامع الفقهية تتصدى لكثير من النوازل الفقهية والقضايا المعاصرة, وهذا يجعل الفقه الإسلامي قادرا على مواجهة تطور الحياة العصرية فهو مقدم على الاجتهاد الفردي الذي يصدر من أفراد الفقهاء, فهو أكثر دقة وإصابة من الاجتهاد الفردي, كما أن فيه تحقيق المبدأ الشورى في الاجتهاد, وهو مبدأ أصيل في تاريخ الفقه الإسلامي, وفيه قدرة على تقديم الحلول للمشكلات المعاصرة, (فرأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد, مهما علا كعبه في العلم, فقد يلمح شخص جانباً في الموضوع لا ينتبه له آخر, وقد يحفظ شخص ما يغيب عن غيره, وقد تبرز المناقشة نقاطاً كانت خافية, أو تجلي أموراً كانت غامضة, أو تذكر بأشياء كانت منسية. وهذه من بركات الشورى, ومن ثمار العمل الجماعي دائماً: عمل الفريق أو عمل المؤسسة, بدل عمل الأفراد)[39].

كما أن من أهم مقاصد مؤسسات الاجتهاد الجماعي حسم كثير من اضطراب الفتاوى الفردية والشاذة والمنحرفة والاختلافات حولها, (فنحن اليوم بحاجة إلى الإجماع في القضايا المعاصرة, بل وفي القضايا الخلافية التي تسبب الكثير من الحرج للمسلمين, واختلاف الفقهاء في القضايا المعاصرة يتسبب في كثير من البلبلة والاضطراب)[40], وما أدقَّ ما قاله مصطفى أحمد الزرقاء: (لقد كان الاجتهاد الفردي ضرورة في الماضي, وهو اليوم ضررٌ كبيرٌ)[41].

إن من أهم مقاصد مؤسسات الاجتهاد الجماعي أنها توحد الآراء والجهود وتوحد شمل الأمة, وتعيد الثقة للمسلمين من المقتحمين للفتوى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير, ولا يملكون أدوات علمية تمكنهم من الإفتاء, في واقع معقد ومتشابك القضايا, فهذه المؤسسات تعالج ضعف الفتاوى الفردية والشاذة التي كثرت عبر المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي, والقنوات الفضائية, فالمجتهد هو موقع عن الله وكاشف عن الحكم الشرعي ومظهر له, وهذا ما بينته السنة النبوية, قال r: (من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه)[42], ويرى الدكتور. وهبة الزحيلي أن أهمية مؤسسات الاجتهاد الجماعي تظهر في دوره الحاسم في ضبط الفتوى في ما يأتي: (أولا: وحدة الحكم الشرعي..إلا في حدود ما تقتضيه طبيعة الإقليم مثل توقيت الصلاة والصيام... وثانيا: تأصيل الحكم الشرعي: فالاجتهاد الجماعي يمتاز بتأصيل أي حكم أو قرار يصدر عنه الأخذ بالدليل الراجح, وترك الدليل الضعيف, أو القول الذي نص الفقهاء على ضعفه, لضعف تعليله, أو دليله أو معارضته لما هو أقوى منه, ففي ذلك السلامة, والأمان... أما الذين يصدرون بعض الفتاوى الشاذة, مثل إباحة فوائد البنوك...فإنهم مخطئون ولا يصح الالتفاف حول أقوالهم...)[43], (ومما شجع على الفوضى الاجتهادية الفردية, سببان شائعان ومهمان جداً: السبب الأول: افتقاد الرقابة العلمية الدقيقة على المطبوعات... ولا نرى حماية قانونية لقضايا الشرع والإفتاء في دين الله. والسبب الثاني: كثرة القنوات الإعلامية كالإذاعات المرئية, والف-ضائيات الدولية, والمحلية, فيدعى للحديث أو الإفتاء بنحو متعمد أحياناً أو غير متعمد, فيتسرع الواحد منهم بكل جرأة, فيقول: رأيي كذا, وهو يفتقد التكوين العلمي الصحيح وأمام هذا الاضطراب وبعثرة الفتوى كان الطريق المتعين لإلجام أولئك الأدعياء أو حتى بعض العلماء وإسكاتهم هو وجود الاجتهاد الجماعي المتمثل الآن في المجامع الفقهية)[44].

ومن مقاصد وثمرات مؤسسات الاجتهاد الجماعي هو تبادل الآراء والأفكار في المسائل المطروحة على جدول أعمال المجامع الفقهية ومداولتها وتنقيحها واختيار الأصوب منها, (فإذا تبودلت الأفكار, وتداولت الآراء, ظهر وجه الصواب)[45], وهذه فائدة العمل الجماعي في مؤسسات الاجتهاد ومجالس وهيئات ولجان الإفتاء, في كيفية استنباط الحكم الشرعي, وممارسة الشورى, (ولاشك أن تطبيق مبدأ الشورى في الاجتهاد, يحقق الكثير من الفوائد, من أهمها: ذلك التمحيص للآراء والتبادل للأفكار عبر مناقشات علمية تجعل الحكم النابع عن ذلك الاجتهاد أكثر دقة في النظر, وأكثر إصابة في الرأي, ويجنب الاجتهاد ما قد يكون في الاجتهاد الفردي من القصور, أو التأثر ببعض النزعات الخاصة, كما أن الشورى في الاجتهاد تقرب وجهات النظر, وتقلل مساحة الخلاف, وتعزز ثقة الأمة بالأحكام النابع-ة من الاجتهاد الجماعي)[46].
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.49 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.90%)]