عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-10-2019, 05:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,225
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الإتجاه المحافظ في الشعر إبان الحروب الصليبية

الإتجاه المحافظ في الشعر إبان الحروب الصليبية

مسعد بن عيد العطوي

الخطابية:
الشعراء المحترفون يغلب عليهم التكسب بشعرهم، وعرضه والاستعراض به في المنتديات، وذلك يقتضي الإنشاد، وكما يصلح له ذلك فلا مناص من أن يتأطر بأطر منها:
كثافة المضمون التي يقتضيها الموقف، فليس من المنطق أن يقف الشاعر لينشد مقطوعة شعرية أو قصيدة قصيرة، إذاً عليه أن يحشد المضامين ثم ينتظمها في منظومة شكلية خطابية، ومن هنا تعددت موضوعات القصيدة، فطالت قصائدهم، وغلبت على دواوينهم.
وتقتضي أيضاً الإِتقان في الصنعة لأنها تنشد على ملأ من علية القوم ومثقفيهم وعلى مسمع من المتنافسين والمتبارين.
ولابد من طول الأبحر الشعرية كيما تحتوي مضموناً كثيفاً.
ويغلب عليها اختيار الألفاظ القوية المكونة من حروف الحلق حيث الجهر والفخامة، وتتركب من هذه الألفاظ تراكيب جزلة فيتلوها الشاعر بصوت جهوري.

الموضوعية:

وتسود أشعارهم النظرة الموضوعية التي تعمد إلى وصف الأشياء وصفاً خارجاً بعيداً عن التأثر الذاتي في أغلب الأحيان. ونحن لا نلتمس الذاتية في قصائد المدح عند الشعراء المحترفين إلا في الغزل الذي يدبج في مقدمة القصائد، وتلتمسه في طلب النوال والشكوى التي يستدربها، وماعدا ذلك فالشاعر يجرد نفسه وينأى بها عن الحضور الذاتي داخل كل بيت أو أي موضوع من الموضوعات.
ونتيجة لذلك فإن القصائد التي تخلو من المقدمات الغزلية، لا تظهر فيها روح الشاعر ولا شخصيته، ولو حذفت من ديوانه لا تُعرف إلا بالأسلوب الذاتي للشاعر. ومرد كل هذا لعدم تلبس الشعر بتجربة ذاتية تتأطر القصيدة بأطر زمانها ومكانها ونوعيتها، كقصيدة سبط التعاويذي الهمزية في الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله عام 572هـ فيستهلها بالأخبار بالماضي ليثبت الحدث. ثم يتبعه بخمسة عشر بيتاً تبتدئ بالفعل الماضي، وكأنه يستوحي أعمال الخليفة من الماضي.
خَجِلَتْ من عطائك الأنواءُ وتجلَّت بنورك الظلماءُ
واستجابت لك الممالك إذعا ناً وفيها على سواك إباءُ
أصبحت في يديك واتَّفقت طو عاً عليك القلوب والأهواءُ
نسخ العدل في إيالتك الجو ر كما ينسخ الظلامَ الضياءُ
وأهنت المال العزيز على غير ك حتى استوى الثرى والثراءُ[28]
وانظر إلى قصيدته البائية في مدح صلاح الدين كيف تتجلى الذاتية في غزله، بل يباشر بها الاستهلال في حوار عاتب:
حتَّام أرضى من هواك وتغضب وإلى متى تجني عليَّ وتعتبُ
ما كان لي لولا ملالك زلَّةٌ لمّا مَلِلْتَ زعمت أني مذنب
خذ في أفانين الصدود فإن لي قلباً على العلات لا يُتَغلَّبُ
أتظنُّني أضمرتُ بعدك سلوةً هيهات عطفُك من سلوي أقربُ
لي فيك نار جوانحٍ ما تنطفي حرقاً وماء مدامع ما ينضبُ
قالت وريعت من بياض مفارقي وشحوب جسمي: بأن منك الأطيبُ[29]
فالقارئ يحس بحضوره في كل بيت:
وابن عنين من الشعراء المحترفين يمتدح المعظم عيسى بن العادل بعينية تظهر ذاتيته في مقدمتها الغزلية، والموضوعية في المدح وتعود الذاتية في شكوى الغربة فهو في مطلعها لا يذيع سر أهل الحمى الذي نأى عنه[30]:
ما سر سكان الحمى بمذاع عندي ولا عهد الهوى بمضاع
أين الحمى مني سقى الله الحمى ريَّا وكان له الحفيظ الراعي
ويجرد الأبيات من ذاته في المدح:
ليث الشرى في متن أجدل كاسر يسطو بصلٍّ في ثياب شجاع[31]
ملك فواضلُ جوده مبثوثة في الأرض تسأل عن ذوي الإِدقاع
خُلقتْ أناملُهُ لحطم مُثقفٍ ولفل هندي وحفظ يراع
وتعود ذاته في شكواه من الغربة:
فإلى متى أنا بالسفار أضيع الأيا م بين الشدِّ والأَيضاع
حِلفَ الرَحالة والدَّجى فرواحلي ما تأتلي ممعوطة الأنساع
بينا أُصبِّحُ بالسلام محلة حتى أمسي أهلها بوداع[32]
ودواوين شعراء الاحتراف تزخر بالقصائد المطولات التي يدبجونها في المناسبات؛ كالتهاني بالأعياد، أو الانتصارات الحربية، أو تهنئة بتولي السلطة، أو الرثاء.
ولا قناعة لهم بالمقطوعات الشعرية، فمعظم دواوينهم قصائد حتى إنهم يطيلون في الألغاز والأحاجي لتبلغ أكثر من عشرة أبيات، وتتجاوز خمسة عشر بيتاً أحياناً كما هو عند ابن عُنين.
وبعضهم أفرد المطولات في ديوان منفرد كالأبيوردي، فالجزء الأول في القصائد، وخص الثاني الذي يسمى (النجديات) بالمقطوعات الشعرية. ومثل ذلك (الثغريات) عند القيسراني.
ويغلب النفس الطويل على الأرجاني من ناحية طول القصائد وضخامة الديوان:
أما ديوان سبط التعاويذي فإن النفس الطويل يتجلى فيه، ونقل المقطعات الشعرية، ويماثله أبو الفوارس في ديوانه المكون من جزئين، لكن أبيات القصيدة عنده أقل منها عند سبط التعاويذي.

موقف المحترفين المقلدين من التجانس:

والذي يستضيئون على هذه المرحلة من الأدب العربي بالأحكام الاتباعية للنقاد الذين درجوا على وسم هذا العصر بالمغالاة في ألوان البديع، فإنهم يجانبون الأحكام الصادرة من الواقعية والانطباعية المباشرة، وقد أثرت الأحكام السلفية على كثير من المؤلفين والأدباء الذين لهم شأن في هذا المضمار، فمثلاً الدكتور محمد زغلول سلام يشير إلى تفنن الشاعر الأرجاني للبديع. وأنه أكثر تأثراً به لكونه ينتمي للمدرسة العراقية[33].
ولما نتقصى ديوان الأرجاني بنية استنباط الألوان البديعية، ونلتقي بالحقيقة الإِحصائية فإننا نقف أمام شاعر ينأى عن التكلف، وهو معتدل في صنعته، أوجد تلاحماً بين الشكل والمضمون، فلم يسرف في التجانس ولا التقابل، ولا مراعاة النظير، أو التورية.
وسطحية المضمون إن لُمِحت فتعود إلى الفكر بعامة، وإلى تكرار الموضوعات الشعرية، وإلى فقدان التوتر الذي يلحق التجارب المنفصلة الصادقة ونحن نأخذ نماذج عشوائية كما نطرح واقعه أمام القارئ.
والأرجاني من الشعراء المحترفين الذين يشتقون من الكلمة؛ فيكون اشتقاقاً، أو تكراراً أو جناساً، غير أنه لم يسرف فيه، وإن عني به، فعينيته تتكون من ثلاثة وسبعين بيتاً أحصيتُ التجانس فيها فكان تسعة وعشرين بيتاً، وبينما التقابل لم يتجاوز عشرة أبيات ومن التجانس قوله فيها أبيات متباعدة من القصيدة:
فلئن أقمتُ فلاتَ حينَ إقامةٍ ولئن رجعتُ فلات حينَ رجوعِ
وإذا سَمِعتَ به سمعتَ بماجدٍ يأتيك واصفه بكل بديعِ
والمرء يُمنعُ ثُم يَرتعُ آمناً ما نجعة إلا وراء نجيعِ[34]
وله قصيدة ميمية في مدح معين الدولة مختص الملوك، عدد أبياتها أربعة وخمسين بيتاً، فكان التجانس فيها تسعة عشر بيتاً ومنه:
قل قولةً لله فاصلةً والداءُ تحسمُهُ فينحَسِمُ
دم للأفاضل ماهَمَتْ دِيَمُ وأسلم لهم ما أورق السَّلمُ[35]
وقصيدته القافية في ظهر الدين شمس الملك الوزير عثمان بن نظام الملك مكونة من ثلاثة وخمسين بيتاً، والتجانس فيها لا يتجاوز ستة أبيات، والتقابل ثلاثة أبيات فقط ومطلعها:
رمين القلوب بأشواقها ظباء تصيدُ بأحداقها
تحيَّر من حسنها الطرف بين حبيس الدموع ومُهراقها
رمتْ بالهوى قلبَ كلِّ امرئ عليل الجوانح خفاقها
فلم لا تَرِقُ لأشباهها عيون مراض كعشاقها[36]
فالتقابل ظهر في البيت الثاني: (حبيس الدموع ومهراقها).
أما التجانس فلم يستخدمه إلا في البيت الخامس عشر وما بعده كما في قوله:
قوافٍ على القاف مبنيةٌ لوصف الفراق بمُنساقِها
وقصيدته القافية التي يمدح فيها الصفيء علي بن نصر السالمي، التي بلغت واحداً وثمانين بيتاً استغرق التجانس منها عشرين بيتاً فقط، والتقابل سبعة أبيات[37]. وتجانسه غير متكلف وهو يستهل به قصائده أحياناً، كمدحته في شرف الملك أبي سعد محمد بن منصور المستوفي، التي بلغت أربعة وستين بيتاً، استغرق التجانس منها أحد عشر بيتاً، وإليك مطلعها الذي يحويه:
قليلُ لهم أن يحِن المشوقُ وهاهي حنَّتْ إلى الحي نوقُ
أيعلم حاديهم أنه يسوقُ فؤادي فيمن يسوق ؟
يا قلب: أنت مع الظاعنين تسايرهم فإلى من تتوق ؟
وما البين أول ما شاقني ولا هو أول دمع أريق[38]
فهو استخدم الجناس في (يحن وحنت)، والتكرار في البيت الثاني (يسوق ويسوق)، والبيت الثالث: (أول – أول).
ولا تشعر في هذا التجانس تكلفاً ولا تعسفاً، وكأنه عفو الخاطر.
والأرجاني في مقطعاته يقرب إلى الطبع وقرب المأخذ، وإن ظهر عنده التكرار غير أنه له دلالة شعورية تنبض بها ألفاظه المكررة.
يقول في مقطعة شعرية يناجي فيها الحمام الحزين:
أقول وقد ناحت مطوقة ورقا على فننٍ والصبحُ قد نَوَّر الشرقا
بكتْ وهي لم تُبْعِدْ بألافِها النوى كإلفي، ولم تفقد قراءنها الورقا
كذا كنتُ أبكي ضلةً في وصالهم إلى أن نأوا عني فصار البُكا حقاً
فلا تضربي – قال الفراق – مجانةً فتلقي على فقد الأحبة ما ألقى
خذي اليوم في أنسٍ بألفك وانطقي بشكرِ زمانٍ ضم شملكما نطقا
وخلي البُكا مادام إلفك حاضراً يكن بين لقياه وغيبته فرقا
وفي الدهر ما يبكي فلا تتعجلَّي ولا تَحسبي شيئاً على حالةٍ يبقى[39]
فلا جدال في قوة التأثير بتكراره (إلفى) في البيت الثاني، حيث أضافها إلى ذاته للتحبيب ومعاودة ذكره، بينما نستشعر ألم الفرق في تكرار (البكا) في البيت الثالث ومثله (ألقى) في البيت الرابع.
والتكرار الاشتقاقي الذي يلح على الإِفصاح في البيت الخامس، فكأنه يأمر بالشكر، وأن يلهج به على جمع الشمل بين المتحابين، وجميل أن يستنطق الحيوان في هذا البيت.
ومن النادر عنده أن يتجاوز التجانس نصف عدد القصيدة، وقد فعل ذلك في مدح عزير الدين عماد الإِسلام في قصيدته اللامية، ولئن غلبت الصنعة هنا فإن منشأها هو ضعف الوازع في التجربة، فالممدوح ضعيف الشأن.
ومجمل أبيات القصيدة ثلاثون بيتاً استغرق التجانس منها ستة عشر بيتاً[40].
وله قصيدة لامية عدد أبياتها ستة وثمانون بيتاً يمتدح بها سعد الملك أبا المحاسن، لم يتجاوز التجانس فيها أربعة عشر بيتاً، أما التقابل فكاد ينعدم[41].
وقصيدته اللامية في مدح الأستاذ موفق الدين أبي ظاهر الخاتوني التي بلغت ستين بيتاً، والتجانس لم يتجاوز عشرة أبيات، وهي قصيدة رقيقة لينة الجانب يقول في مطلعها:-
هو ما علمتِ فاقصرى أو فاعذلي وترقبي عن أي عقبى تنجلي
لا عارَ إن عطلتْ يداي من الغنى كم سابقٍ في الخيل غير مُحجل
صان اللئيم – وصنتُ وجهي – مالَه دوني فلم يبذل ولم اتبذلِ
أبكي لهمٍ ضافني متأوباً إن الدموع قرى الهموم النزلِ[42]
وقصيدته في مدح شهاب الدين أسعد الطغراني التي بلغت ثلاثة وثمانين بيتاً استغرق التجانس منها ثلاثة وعشرين بيتاً، استهلها بقوله:-
أقِلاّ عن طِيَّتي المقالا وحُلاَّ عن مطيتَّي العقالا
فما خُلِق الفتى إلا حُساماً وما خلِق السرى إلا صِقالا
وما راع الدُّمى إلا فراق خطبتُ به إلى العليا وصالا
سموتُ لها بزهرِ من فُتُوِّ هتفتُ بهم، وجْنح الليل مالا[43]
ومدحته لتاج الدين أبي الغنائم بلغت خمسين بيتاً استغرق التجانس خمسة أبيات[44].
ولاميته التي امتدح به معين الدين الوزير عدد أبياتها أربعة وثمانون، استغرق التجانس أربع وثلاثين بيتاً. والتقابل ستة أبيات ومنه:
أقلب طرفي يمنة ثم يسرة على إثر أحوال الزمان الحوائل

وقوله:
وما هو إلا عزمة منك تنتضى لإِعزاز حق أو لإِذلال باطل

وقوله:
وقد علم الأقوام صدق مقالتي وما عالم في حظه مثل جاهل[45]

وله قصيدة لامية مكونة من سبعين بيتاً لم يستغرق التجانس منها سوى سبعة أبيات يقول في مطلعها:
خفض عليك، وإن أطلت تأمّلاً فلقد عذلت من الرجال مُعذّلا
أعياك إسعادي فصرت مُعنِّفي ليت الذي عدم الجميل تجمّلا
ماذا تُريدُ إلى ردي مطالبٍ مُنِعَ الرِّضا من حاجةٍ فتعلّلا
مالي شكوتُ إليك نار جوانحي لتكون مُطفِئَها فكنت المشعلا[46]
ومن الشعراء الذين وظفوا الاشتقاق أو الجامع اللفظي بين الكلمات في أشعارهم توظيفاً مناسباً؛ يؤدي معنى مقبولاً، وانسجاماً موسيقياً، وتفتيقاً للغة، ابن الخياط الدمشقي المتوفي 517هـ ومن ذلك قوله:
يقيني يقيني حادثات النوائب وحزمي حزمي في ظهور النجائب

فيقيني الأولى من اليقين الاعتقاد ويقيني الثانية من الوقاية، وحزمي الأولى من الإِرادة والعزيمة، وحزمي الثانية من ربط الرحل على المطايا.
ومنه قوله في مدح. مقلد بن منقذ:
وإن امرأ أفضى إليه رجاؤه فلم ترجهُ الأملاك إحدى العجائب
من القوم لو أن الليالي تقلَّدتْ بأحسابهم لم تحتفل بالكواكب
إذا أظلمت سبل السراة إلى العلا سروا فاستضاؤوا بينها بالمناسب
فمن قدرته على الاشتقاق، وتناسق الصوت، جمعة (رجاؤه والفعل (ترجه) وقوله: (السراة – و – سروا).
ومنه قوله:
هم غادروا بالعزِّ حصباءَ أرضِهمْ أَعزَّ منالاً من نجوم الغياهب
ترى الدهر ما أفضى إلى منتواهم ينكِّبُ عنهم بالخطوب النواكب
إذا المُنقذيُّون اعتصمت بعزهم خضبْتَ الحُسام العضب من كل خاضب

إذن فالتوليد درج على ألسنة الشعراء لإِتقان اللغة. وتدارسها الدائب، وقصد[47] توظيفها.
وابن منير (473- 548هـ) ينشد نور الدين لما فتح حارم قصيدة دالية مكونة من واحد وثلاثين بيتاً.
وعند تأملها نجد أن مقدمتها تخلو من التجانس، والتقابل. لكنه سرعان ما يتلألأ في أغصان الأبيات، وقد بلغت الأبيات التي ظهر فيها التجانس أحد عشر بيتاً ومنها:-
أنت الذي خطيت له حساده والفضل ما اعترفت به الحساد

وأشد ما يظهر صنعته في قوله:
حاملوا فلما عاينوا حوض الردى حاموا برائش كيدهم أو كادوا

حاموا الأولى بمعنى طافوا وحاموا الثانية بمعنى دافعوا وكيدهم: حقدهم وتدبيرهم، وكادوا بمعنى: أوشكوا.
وقوله:
ورجا البرنس وقد تبرنس ذلة حرماً بحارم والمصاد مصاد[48].

وهذان البيتان ظهر (فيها) الإِلحاح على الجناس، أما بقية الأبيات فإنه يوحي بمضمون ودلالة، وهذا يشير إلى عدم تكلف ابن منير للتجانس في أغلب بديعه.
وهو من الشعراء الذين لزموا المجاهدين من القادة الإِسلامية، ولمع نجمه الأدبي في شعره المصاحب للجهاد.
والتجانس عنده يغلب عليه إرادة الاشتقاق وتوليد الألفاظ.
وهذا يخفف من تكلف الجناس المقصود الذي يألفه البلاغيون، أحياناً وأحياناً نجده لتوافق بين عملية التوليد والجناس:
فمن الاشتقاق المتوافق معنى قال معرضاً بصاحب دمشق في محاصرة نور الدين لها.
وجالدت جلاداً وأنت مؤنث فذكرت الجلاد أدهى وأجلد
ومنه:
ومنك تعلم القطع المواضي وقد زبنت بها الحرب الزبون
غنوا حتى غزوتهم فغنى الصي دى في أرضهم خف القطين[49]
ومنه استغلاله لكلمة الصليب بمعناها النصراني، حيث هي علامة صلب عيسى عليه السلام في زعمهم، والصلب ويعني في اللغة القوة.
كانوا على صلب الصليب سرادقا أنبت بنيته بكل مذكر[50]

وقوله:
وكم عبر الصليب بهم صلِبيا فردته قناك وفيه ليد[51]

ومن: قوله:
ملأت عظام ساحهم عظاما فكل ملأ لقولك به جرين
وبينهم القنا تجري نجيعا كأن عيون أكعبها عيون
وبين حرار حر خداذ بن حراً له في كل حبحبة كمين
ومنين من العريمة في عرام له في جوانبها الأقصى وجون
ولم حرم لحارم غادرته ودارته لمنسفها درين[52]
فأنت ترى سمات الاشتقاق والجناس معاً فعظام الأولى من العظمة والفخامة وعظام الثانية من العظام البشرية والحيوانية التي تكون هيكل الإِنسان. وكذلك بين عيون وعيون، فالعيون الأولى وهج الدمام وعيون الثانية عيون الرؤية: أو تكون الأولى. من جريان الدم والثانية العين المائية الجارية.
ومن حرار وحرٌ، والعريمة في عرام، وحرم لحارم دارته ودرين.
ومن أسلوب التجانس عنده التكرار.
أيا نور دين الله وابن عماده والكوثر بن الكوثر بن الكوثر[53]

ولما نتبع نماذج من قصائد تتبعاً اعتباطياً نجد أن التجانس بألوانه يأخذ حيزاً من أبياته أقل من نصفها. قصيدته نور الدين في محاصرة دمشق عام 545هـ أورد منها أبوشامة تسعة وعشرين بيتاً، التجانس منها عشرة[54].
وله قصيدة أخرى في الحادثة ذاتها أورد منه أربعين بيتاً بلغ التجانس منا (اثني عشرة بيتاً)، بمعنى أنه أقل من النصف[55]، وقصيدته في موقعة الجولان أورد منها أبوشامة تسعة وعشرين بيتاً بلغ التجانس عشرة أبيات[56].
وله قصيدة ميمية بلغت الأبيات التي أورد ما صاحب الروضتين خمساً وثلاثين بيتاً الجناس منها (أربعة عشرة) بيتاً[57].
وله قصيدة لامية أورد منها أبو شامة ثلاثين بيتاً وبلغ التجانس اثني عشر بيتاً[58].
وأكثر قصائده جناساً الدالية التي وردت في الروضتين في سبعة وثلاثين بيتاً بلغ التجانس فيها عشرين بيتاً، وقد قيلت في عام 546هـ[59] أي قبل وفاته بعامين اثنين وجل قصائده تلك قيلت في الأربعين وخمسمائة مما يعني أنها في آخر حياته لأنه توفى 548هـ وزيادة العدد في قصيدته الأخيرة يوحي بإلحاحه على هذا اللون وقناعته به استجابة للاتجاه النقدي.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.94 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.31 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.75%)]