
09-10-2019, 03:28 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,190
الدولة :
|
|
رد: لطائف من القرآن الكريم
وفي قوله سبحانه: "وإذا قيل له: اتق الله" إشارة إلى أن المذكور الموصوف يُخالف فعله قوله، فقوله حسن يُعجب، وفعله قبيح غير معجب.
قال تعالى: "وإذا قيل له: اتق الله" لماذا؟ لأن فعله يدعونا إلى الإنكار عليه يدعونا إلى أن نقول له: اتق الله.
سبحانه: " أخذته" تفسير عجيب: كأن العزة الباطلة قد أحاطت به، بل هي جذبته إليها جذباً شديداً وصار كالمأخوذ بها.
وقال تعالى: "بالإثم" لماذا ؟
لأن العزة قد تكون بحق بغير إثم، كما في قوله سبحانه: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين".
ومن فوائد الآية: الذم البليغ لمَن يُعرض عن الموعظة.
ومن الفوائد: الوعيد الشديد لمَن يستنكف من قول: اتق الله، قيل لبعض السلف: اتقِ الله. فوضع خده على الأرض. فقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن من أكبر الذنب أن يقول الرجل لأخيه: اتقِ الله. فيقول له: عليك نفسك.
وقد فرّع الفقهاء على هذا المعنى مسائل. قالوا: إذا قال الخصم للقاضي: اعدل. فله أن يُعزره، وإن قال له: اتق الله. فلا يفعل به شيئاً.
ثم قال الله سبحانه: "ومن الناس مَن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" هذا صنف والأول صنف، هذا مؤمن وذلك منافق، بين الله صفة الرجلين فكان مناسباً تمام المناسبة.
قرأ رجل عند ابن عباس رضي الله عنهما الآيات:"وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة …" ثم قوله:"ومن الناس مَن يشري نفسه ابتغاء …" فقال ابن عباس: اقتتل الرجلان، أرى هذا أخذته العزة بالإثم بقوله: اتقِ الله. فيقول هذا: وأنا أشتري نفسي ابتغاء مرضاة الله. فيُقاتله.
وفي قوله سبحانه: "ادخلوا في السلم كافة" التنصيص على أن الواجب هو العمل بجميع الدين، والدخول في جميع شرائعه وأحكامه.
وفي قوله سبحانه: "كافة" الرد على جميع أهل البدع والأهواء. كيف هذا؟
ما من صاحب بدعة إلاّ وهو تارك لبعض الدين وهو منكر لبعض الشرع جهلاً أو تأويلاً أو تكذيباً.
وفي قوله سبحانه: "كافة" أدل دليل على إبطال مذهب اللادينيين، إبطال الفريا العظيمة التي جعلت الدين أجزاء، وعملت ببعض الشرائع وكفرت بالبعض. عملت بالعقيدة والعبادة كما يفهمون، وكفرت بالاقتصاد والسياسة.
وفي قوله سبحانه: "ولا تتبعوا خطوات الشيطان" بعد قوله: "ادخلوا في السلم كافة" يعني أن مَن لم يدخل في الإسلام، فهو ولابد يتبع خطوات الشيطان.
لما أمرهم أن يدخلوا في السلم حذرهم من اتباع الشيطان، كأنه يقول: إما الإسلام وإما طريق الشيطان، وليس ثمة خيار بين الطريقين " ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان".
وقال تعالى: "خطوات الشيطان" ولم يقل الشيطان. لماذا ؟ ما فائدة ذكر الخطوات والتنصيص عليها؟
ليُبيّن لنا سبحانه وهو الرؤوف الرحيم كيف يضلنا إبليس وجنده.
إن للشيطان خططاً ومخططات فتزيينه ووسوسته كالخطوات واحدة تتلو الأخرى.
وهي خطوات كذلك تندرج في الشر.
وهي خطوات كذلك كل خطوة تتبع الأخرى.. كل معصية وإثم يورّث معصية وإثماً. وهي خطوات كذلك.
ثم قال تعالى: " فإن زللتم".
جاء التعبير هنا يناسب لفظ (خطوات) تمام المناسبة.
الزلل: أصله الزلق. الذي يتبع خطوات الشيطان، الذي يتبع وسوسته يتضرر به ليحصل به الزلق.
يشبه الذي يمشي على أثر غيره. يعني: يقع منه الزلل. كيف هذا؟
طريق الرحمن طريق مستقيم، وطريق إبليس طريق منحرفة، الذي يتبع طريق إبليس يخرج عن الطريق المستقيم، يعني: يزل بخروجه إلى طريق الشيطان وإلى اتباع خطواته. قال بعض أهل البلاغة: إن ما يأمر به الشيطان بمنزلة الطريق المزلقة.
وفي قوله سبحانه: "من بعد ما جاءتكم البينات" دليل على أن عقوبة العالم بالشيء أعظم من عقوبة غيره.
وفي قوله سبحانه: "من بعد ما جاءتكم البينات" دليل على أن الحجة في مجيء الآيات لا في فهمها ومعرفتها. كيف هذا؟
قال: "من بعد ما جاءتكم" ولم يقل: من بعد ما أيقنتم، يعني أن المعتبر هو حصول البيان لا حصول التبيين بها.
ويتفرع عنه أن المكلف لا يُعذر بمجرد الجهل، الذي جاءته البينات والآيات لا يُعذر ولو لم يحصل منه العلم، يلحقه الوعيد كما يلحق العارف لأنه مفرط في طلب الحق.
وفي قوله سبحانه: "فإن زللتم فاعلموا أن الله عزيز حكيم" تهديد بليغ، أبلغ من التصريح بالعقوبة.
لو قال الوالد لولده: إن خالفت أمري فأنت تعرفني، تعرف بأني كذا وكذا. فهذا أبلغ.
وقوله سبحانه "عزيز حكيم" تدليل مناسب للتهديد بالعقوبة، "عزيز حكيم" هنا تلويح بالعقوبة وتهديد بالكف عن المخالفة.
روي أن أعرابياً سمع قارئاً قرأ هذه الآية وقال: فإن الله غفور حكيم، فأنكره - وهو لا يحفظ لفظ الآية – وقال: لا يقول الحكيم كذا، لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه.
وفي قوله سبحانه:"حكيم" إيحاء أن ما أمر به لا يخرج عن مقتضى الحكمة، وأن شرع الله هو الخير المحض لا طرق الشيطان.
وفي قوله سبحانه: "إنه لكم عدو مبين" تبيين وتنبيه لقوله: "خطوات الشيطان" يعني: إشارة إلى أن مَن لم يُدرك عداوته في مبدأ الخطوات، أدركه في العاقبة وفي الغايات، يعني: الشيطان عدو مبين لكم فلا تعتبروا به ولا تغتروا بخطواته، وهي خطوات لخفاء مكره لا لخفاء عداوته. ودّ العدو لو أهلك عدوه لأول وهلة، ولكن مقتضى الإضلال يقتضي التدرج والإمهال.
الحلقة الثلاثون:
وقال: "الغمام" لماذا؟
الغمام هو السحاب، أو هو السحاب الأبيض منه، والغمام عند اليأس مظنة الرحمة وهو رمز لحصول الخير، وتجد هذا في قصصهم وفي أشعارهم وفي صورهم. لو قيل لأحدهم: صوّر لنا منظر يستوحي منه الناظر معاني الرحمة. لما وجد شيئاً أحسن من تصويره لمنظر الغمام.
أن الغمام هو مظنة للرحمة فإذا نزل منه العذاب كان أفظع، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يُحتسب فهو أهول، فكيف إن جاء من حيث يُحتسب أن يأتي منه الخير ! لا شك هذا أفظع وأهول.
وفي قوله سبحانه: " وقُضي الأمر" إشارة إلى أن أحوال يوم القيامة إن جاءت فهي متتالية سريعة التتابع، كما جاء في وصف علامات الساعة الكبرى، يقع أمر الله تعالى ليس لقضائه دافع ولا لحُكمه مانع، سبحانه وتعالى ما أعظم شأنه.
وقال تعالى: "زُيّن للذين كفروا الحياة الدنيا" ولم يقل: زُيّنت الحياة الدنيا. لفظ (زُيّنت) مؤنث والحياة مؤنثة. لماذا جاء اللفظ هنا (زين) المذكر ؟ ما هو الجواب ؟
قيل: لأنه فصل بين لفظ (زُيّن) وبين لفظ (الحياة الدنيا) بقوله: " للذين كفروا" وإذا فُصل بين المؤنث وبين الاسم بفاصل، حسُن تذكير الفعل، لأن الفاصل يغني في هذا الحال عن تاء التأنيث.
وفي قوله سبحانه: "زُيّن للذين كفروا" إشارة إلى الابتهاج بالدنيا هو من خصائص الذين كفروا، فلا ينبغي لنا أهل الإيمان أن نكون مثلهم.. وفيه أن هذه الدنيا هي آفة الخلق من الانقطاع عن الحق سبحانه.
وفي قوله سبحانه: " زُيّن للذين كفروا الحياة الدنيا" إشارة إلى أن سبب الكفر هو تزيين الحياة الدنيا وشهواتها المحرمة وفي مثله قالوا: حب الدنيا رأس كل خطيئة. وفيه إشارة إلى أن الكفار وأن أعمالهم إنما هي لأجل الحياة الدنيا، وأنها لا لأجل القيم ولا المعاني السامية، ولا لأجل منطق ولا غيره من أغراض الخير، ولهذا يقول أهل الخبرة والحقائق: أن ما يستحسن من أخلاق الكفار إنما هي في الحقيقة أخلاق تجارية، تؤول في حقيقتها إلى مصالح دنيوية لا غير.
وقال تعالى: "والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة" ولم يقل سبحانه: والذين آمنوا. لماذا؟
قيل: لأجل أن بني إسرائيل هم يدعون الإيمان لأنفسهم، فجاء لهم لفظ لا يُمكن أن يدعوه.
وقيل: آثر التعبير بالتقوى للإشعار بعلية الحكم.
وفي قوله سبحانه: "يرزق مَن يشاء بغير حساب" الإيماء إلى أن مقدورات الله غير متناهية.
وفي قوله سبحانه: "بغير حساب" إشارة إلى أن كل ما أعطاه فقد أعطاه بمحض الفضل والإحسان لا بسبب الاستحقاق، وهو تفضل وتكرم لا غير.
وفي قوله سبحانه:"بغير حساب" إشارة إلى أن الرزق قد يكون له سبب ظاهر، وقد لا يكون له سبب، وأن الأمر في الحقيقة مرده كله إلى الله.
وقال الله تعالى: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مُبشرين ومُنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه إلاّ الذين أُتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".
وفي قوله سبحانه: "فبعث الله" إشارة إلى كلام محذوف مقدر، يعني: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا، فبعث الله النبيين.
كيف فُهم؟ هذا ومن أين؟
الفاء في قوله: "فبعث" تقتضي ذلك، تقتضي أن يكون بعثهم بعد الاختلاف. لو كانوا قبل ذلك أمة واحدة – كما يدل عليه اللفظ من غير تقدير لكان بعثة الرسل قبل هذا الاختلاف أولى وأحق؛ لأنهم لما بعثوا عندما كان بعضهم محقاً وبعضهم مبطلاً، فلأنْ يُبعثوا حين ما كانوا كلهم مبطلين مصرين على الكفر كان أولى.
ويؤيده قوله تعالى: "وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" هو تأييد وتأكيد إلى وقوع الاختلاف قبل البعث.
وفي قوله سبحانه: "ليحكم" التنصيص على علة إنزال الكتاب، أي أن الله تعالى أنزل الكتاب من أجل أن يحكم بين الناس، لم ينزل الكتاب ليُركن ويُعلق أو تُغطى به الجدر أو حتى ليُعتنى به ويُرتل فقط.
نصت الآية على أن الكتاب أُنزل ليحكم.
أسند الضمير في "ليحكم" إلى الكتاب. لماذا ؟ ليدل على أن الحاكم على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى.
وفي قوله سبحانه: "ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" إشارة بليغة إلى أن وحدة الأمة لا تكون إلاّ عن طريق إثبات الحق، ويُقدم حكم الكتاب على كل حكم.
وفي قوله سبحانه: "ليحكم بين الناس" الرد على كل مَن أخر حكم الكتاب.
وفي قوله سبحانه: "معهم" إيذان بالمصاحبة على جهة التأييد والنصر.
هي أن الكتاب يحصل به النصرة والتأييد كما في قوله تعالى لموسى وهارون: "إنني معكما أسمع وأرى" وقال هنا: "أنزل معهم الكتاب".
وقال تعالى: "فهدى الله" ولم يقل: ثم هدى الله. قيل: لأن للإيذان سرعة اهتداء المؤمنين في مواطن الاختلاف، وفيه التنبيه إلى عظم تدارك رحمة الله بهم.
وقال سبحانه: "فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق" ولم يقل: فهدى الله الذين آمنوا إلى الحق فيما اختلفوا فيه، بمعنى: لماذا قدم لفظ الاختلاف ؟
قال أهل التفسير: قدم لفظ الاختلاف على لفظ الحق للاهتمام به، إذ القضية المعتنى بها هنا هي قصة الاختلاف، كما في قوله سبحانه: "لم يكن له كفواً أحد" قدم كفء على أحد بنفي الكفء والمثيل والنظير عن الله.
وقال سبحانه: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا، حتى يقولَ الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب".
قال تعالى: "ولمّا يأتكم" ولم يقل: ولم يأتكم؟!
قال كثير من المفسرين: (لمّا) هي مثل (لم) للنفي و (ما) زائدة!
هل هذا صحيح ؟ الجواب: لا. ليس في القرآن حرف زائد، ولله في كتابه وألفاظ القرآن مقاصد.
(ما) ليست زائدة؛ (لمّا) تقع في مواضع لا تقع فيها (لم).
(لمّا) لما على التوقع، إذا قال القائل: لم يأتني زيد. فهو نفي لقولك: أتاك زيد؟
وإذا قال: (لمّا) يأتيني. فمعناه: لم يأتِ بعد وأنا أتوقعه.
وقال تعالى: "لمّا يأتكم مَثَل الذين خلوا" ولم يقل سبحانه: مِثْل.
قال أهل البيان: إن لفظ (المَثل) فيه معنى المثلية، ولكن زيادة معنى الروعة والتعجب.
وقال سبحانه: "مستهم الضراء" لفظ (مستهم) تدل على تحقق وقوع الضر وبلوغه كل مبلغ.
وقال: "وزلزلوا" وفيه إيحاء بحقيقة الزلزلة، أعني: أن لفظ (زلزلوا) يوحي لنا عند نطقه بصورة الزلزلة وواقعية معناها.. وهذا من خصائص هذه اللغة ومن عجائب القرآن.
"زلزلوا" يُشير إلى معنى الزلزلة، وهو الوقوع المتكرر المتخالف. لفظ (الزلزلة) يعني: تحرك الجسم من مكانه بشدة والتضعيف فيه (زل زل) يدل على تكرار الفعل، يعني: تكرار الوقوع.
مثل لفظ(كُبكِبوا) يوحي هذا اللفظ بحقيقة معناه، نطقه يصور لنا واقعية المعنى وكيفية وقوع الحدث.
ونختم هذا الحديث بجملة مناسبة للعالم ابن المنيّر - رحمه الله – يقول: فتنبه لهذا السر فإنه بديع، لا تجده يراعى إلاّ في الكتاب العزيز؛ لاشتماله على أسرار البلاغة، ونكت الفصاحة، ولا يُستفاد منه إلاّ بالتنقيب في صياغة البيان، وعلم اللسان.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|