لطائف من القرآن الكريم [3/3]
د. صالح بن أحمد الغزالي
وقال الله تعالى: "مواقيت للناس والحج" ولم يقل مواقيت للصوم أو غيرها من العبادة التي يُشترط فيها التوقيت. لماذا خصص الحج بالذكر؟
قيل: أفرد سبحانه الحج بالذكر لأن أهل الجاهلية من العرب كانوا يؤخرونه عن وقته وكانوا ينسئونه فأبطل الله النسيئة كما في سورة التوبة. وهنا أشار الله إلى أن ذلك لا يجوز تأخير الحج عن وقته، لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر غيرها، والحج مقصور على الأشهر التي عينها الله.
قال الله تعالى: "وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البرَّ مَن اتقى وأتوا البيوت من أبوابها" قال الله: " وليس البرُّ" بالرفع، وقال قبل ذلك في نفس السورة: "ليس البرَّ أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب.." رفع في هذا الموضع ونصب في الموضع الأول. لماذا؟
قال أهل اللغة: يكون الاسم معروفاً لك فتلحق به الوصف، ومرة تجهل الاسم وتعرف الوصف فتلحق الاسم بالوصف وهذا سر اختلاف الرفع والنصب في كلمة البر و قال العلماء: في هذه الآية النفي لجنس البر عن هذا العمل ولهذا قال: "وأتوا البيوت من أبوابها" يعني: هذا الفعل ليس من البر بكل حال ليس فيه أي بر، وهناك نفي البر الأعظم، يعني: ليس البر الأعظم هو تولية الوجه للقبلة لم ينفعه، ولهذا لم يقل: وتولَّوا إلى أي جهة.
ومن فوائد الآية: إنكار كل بدعة لم يشرعها الله، وإبطال كل محدثة في الدين، وأن كل ما لم يُشرعه الله لا يُعد قربة بأن يتقرب به متقرب.
ومن فروعه: أن فعل المباح لا يجوز أن يتخذ قربة إلى الله بذاته، مثلاً: نحن لا نلبس زياً معيناً لم يخصصه الشرع ثم نزعم أنه قربة، ولا نتغنى بالشعر ثم نزعم أن التغني قربة.
وفي قوله سبحانه: "وأتوا البيوت من أبوابها" الإشارة إلى تحسين اليسر في كل شيء، فيه تنبيه إلى أن الواجب على العاقل هو أن يأتي الأمر من الطريق السهل القريب الذي جُعل له موصلاً.
ويتفرع عن هذا: الإرشاد إلى الحسن في جميع أحوال الناس وفي جميع أفعالهم من أمور الدين وشؤون الدنيا مثل: طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطريق العلم، وطريق الأكل والشرب والجماع وغيرها من الوظائف وغيرها. استدل بالآية إلى وجوب إتيان الأشياء من أبوابها وطرقها الصحيحة.
وفي قوله سبحانه: "واقتلوهم حيث ثقفتموهم" استدل به على قتال كل مشرك وأنه كافر يستحق القتل بسبب الكفر، غير مَن استثنى الله وهم أهل الجزية. لماذا؟
لأنه سبحانه أطلق فقال: "واقتلوهم" ولم يُعلق قتالهم بالاعتداء منهم، علق القتال بنفي الشرك بقوله: "حتى لا تكون فتنة" أي شركاً وأكده عموم القتال بقوله: "ويكون الدين كله لله" وأكده مرة أخرى بقوله:"فإن انتهوا" أي عن الشرك "فلا عدوان إلاّ على الظالمين" يعني أن كل مشرك هو مستحق للقتال بسبب شركه – غير الكتابيين – وبه قال طائفة من العلماء الفضلاء.
وفي قوله سبحانه: "والحرمات قِصاص" أصل وقاعدة في جواز المقاصة بالمثل.
وفي قوله سبحانه: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" تبيين صفة المقاصة، فهو أولاً أجمل ثم فصل.
وفي قوله سبحانه: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" الإشارة إلى أن ترك الجهاد وترك الإنفاق هو التهلكة بعينها، كيف فُهم هذا؟
سياق الآيات يدل عليه: قال: "وقاتلوا في سبيل الله" وقال "أنفقوا في سبيل الله" ثم قال عقبه: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".
وفي قوله سبحانه: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" النهي عن كل سبب يؤدي إلى التهلكة.
وفي قوله سبحانه: "بأيديكم" لطيفة ونكتة، قال الألوسي: فائدة ذكر الأيدي: التصريح بالنهي عن الإلقاء إليها بالقصد والاختيار.
وفي قوله سبحانه: "وأتموا الحج والعمرة" أُستدل به على وجوب الحج والعمرة وفرضيتهما، واستدل به على وجوب إتمام الحج لمن شرع فيه، ولو كان نفلاً في أصله.
وجه الأول: أن المراد من قوله: " أتموا" الإتيان بهما على وجه الكمال والتمام. ووجه الثاني يكون المعنى: أنكم إن شرعتم فيهما فلابد لكم أن تتموهما.
وعلى الوجه الأول يكون حكم العمرة كحكم الحج واجبة لا مجرد نافلة.
وفي قوله سبحانه: "لله" الإشارة إلى وجوب الإخلاص وزيادة تحقيقه لوجه الله تعالى، ولم يقل سبحانه في الصلاة والزكاة: (لله) وإنما خص الحج. لماذا؟
قيل: لأنهم في الجاهلية كانوا يتقربون إلى أصنامهم ببعض أفعال الحج فخصها بالذكر.
وقيل: لأن الحج عبادة ظاهرة ظهوراً عظيماً فهي أولى بمراعاة الإخلاص ومدافعة الرياء.
وفي قوله سبحانه: "تلك عشرة كاملة" فوائد، فصل العلماء في ذكر بعضها:
منها: نفي التوهم في أن يكون المقصود هو التخيير إما ثلاثاً وإما عشرة. لماذا ؟ لأن لفظ (الواو) قد يأتي للتخيير.
ومنها: الإشارة إلى أن صوم الصائم الذي لم يجد النسك فعله وحجه كامل كما هو شأن الناسك الذي لم يذبح.
ومنها: أن هذا الخطاب مع العرب ولم يكونوا أهل حساب، فبين الله ذلك بياناً شافياً قاطعاً للشك والريب، كما ورد مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الشهر: (هكذا وهكذا) وأشار بيديه ثلاثاً وأشار مرة أخرى وأمسك إبهامه في الثالثة.
ومنها: إزالة اللبس في أن المراد بـ (السبعة) هو العدد لا الكثرة.
وفي قوله سبحانه: "كاملة" إشارة إلى تأكيد قضية الصوم ولحصول
الأجر فيه كما يحصل في الهدي. كيف هذا؟
إن المعتاد أن يكون البدل أضعف من المبدل منه، فينفي الله هذا الاحتراز بقوله: "كاملة"، فهي كاملة في البدل عن الهدي، وهي كاملة في الثواب عند الله، وهي كاملة في صفة الحج ومناسكه.
الحلقة الثامنة والعشرون:
قال تعالى: "فمَن فرض فيهن الحج" نَسَبَ الفرض إلى العبد المكلَّف، والفرض لا يكون إلاّ من الله. لماذا؟
قيل: السر في ذلك أن الحج عبادة تعرض بالشروع فيها ولو كانت في الأصل مندوبة، تقدير الآية: فمَن ألزم نفسه فيهن بالحج. كيف يلزم نفسه؟
يلزم نفسه بالشروع في الحج، يكون بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام فعلاَ ظاهراً، وبالتلبية نطقاً مسموعاً، ويكون بإشعار الهدي وتقليده.
وفي قوله سبحانه: "فمَن فرض فيهن الحج" الإشارة إلى أن الحج لا يكون في غير أشهره، وأنه لا يجوز الإحرام بالحج إلاّ في تلك الأشهر كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره. قيل: لو جاز أن يكون في غير تلك الأشهر لما كان لذكر (فيهن) فائدة.
وقال سبحانه: "وما تفعلوا من خير" ولم يقل: وما تفعلوا من شيء. قيل الفائدة في ذلك أن السياق يقتضيه، المحرم بالنسك يقتضي أن يُرغب في الخير ويُحض عليه، يقول للحاج: كل ما تتحمله من أنواع المشقة في سبيل الخير وكل ما تفعله من خير فإنني به عليم، أنا مطلع عليه أجزيك عليه.
وفي قوله سبحانه: "من خير" الترغيب في فعل كل خير، والإشارة إلى أنه يجب على الحاج في ذلك الوقت أن يستغل كل فرصة لفعل الخير، وأن يستغل فضل الزمان والمكان. قال العلماء: (من) للتخصيص على العموم.
وفي قوله سبحانه: "وما تفعلوا من خير" بعد قوله: "فلا رفث ولا فسوق ولا جدال" الإشارة إلى أنه لا يكفي المكلف الترك والاجتناب للمنهيات، لكن عليه أن يقرن ترك الشر بفعل الخير والمواظبة على الطاعة.
وفيه إشارة إلى أن ترك الحرام لا يستحق عليه الأجر إلاّ من جهة أنه حرام وأن الله أمر بتركه. وإلاّ لم يُسمَ خيراً.
وفي قوله سبحانه: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى" الإشارة إلى مشروعية الجمع بين عمل الدنيا النافع وبين عمل الآخرة الخالص. التزود من القوت والتزود من الطاعة، وأن هذا من ذاك ولا يُعارضه.
وفي قوله سبحانه: "فإن خير الزاد التقوى" الإشارة إلى أن الدنيا ليست بدار قرار وأنها دار سفر.
وفي قوله سبحانه: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم" إباحة الاتجار في الحج، وأنه فعل لا يُنقص الثواب والأجر، ولا يُخرج المكلف من اسم الإخلاص ولب العبادة.
وقال الله تعالى: "فضلاً من ربكم" ولم يقل: رزقاً أو زاداً!
قيل: لأن ذكر الزاد، والمشار هنا أكثر منه. المعنى: أن الحاج يتزود للحج قبل مجيئه فإذا حضر لا بأس أن يبتغي فضلاً وزيادة من الرزق. قال: "من ربكم" زيادة في التحليل والإشعار بنعمة الخالق على المخلوق.
وفي قوله سبحانه: "المشعر الحرام" الإشارة إلى أن عرفات ليست من الحرم، والتنصيص على أن مزدلفة منه. قال عنها (مشعر) لأنها علامة على مناسك الحج من المبيت والدعاء والذكر والصلاة.
وفي قوله سبحانه: "ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس" بعد قوله: "فإذا أفضتم من عرفات" الإشارة إلى وجوب المبيت في مزدلفة. لماذا؟
قال: "فإذا أفضتم من عرفات" ثم قال: "ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس" (ثم) تدل على التراخي وعلى التأخر، ومقتضى التراخي هنا بين الإفاضتين هو المبيت في منى ليلة العاشر.
وقيل: لفظ (ثم) ليس للتراخي، وليس هنا إفاضتان، هي إفاضة واحدة تُسمى الحُمس كانوا يفيضون من مزدلفة الحرام ترفعاً وتكبراً أن يفيضوا مع الناس، فأكد الله عليهم مكان الإفاضة بقوله: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس" أي: أفيضوا من عرفات حيث أفاض الناس.
ما وظيفة (ثم) على هذا القول؟
(ثم) هنا ليست للتراخي، مستعارة لإظهار التفاوت بين الإفاضتين في الرتبة، فلإشعار أن أحدهما صواب والأخرى خطأ.
وفي قوله سبحانه عقبه: "واستغفروا الله" تعقيد لسنة شريفة وهي ختم العبادات بالتوبة والاستغفار، وأكدها بقوله: " فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله".
وفيه إشارة إلى إثبات قصور العبد في أداء حق الرب سبحانه.
وفي قوله سبحانه: "ومن الناس مَن يقول" عقب قوله: "فاذكروا الله" الإشارة إلى أدب عظيم من آداب الدعاء، وهو تقديم الذكر والثناء على الله وتمجيده.
وفي قرن الذكر بالدعاء فائدة عزيزة ونكتة، قال الألوسي – رحمه الله – قرن سبحانه الذكر بالدعاء للإشارة إلى أن المعتبر من الذكر ما يكون عن قلب حاضر وتوجه باطن كما هو حال الداعي حين طلب حاجة، لا مجرد التفوه والنطق به.
وفي قوله سبحانه: "كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً" التعريض بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاخر بالأنساب، وإبطال التفاخر بالآباء.
ومن الفوائد في الآية: إثبات أن الدعاء ذكر، وأن الذكر دعاء؛ لأن الله سبحانه ربط بينهما فقال: "ومن الناس مَن يقول" بعد قوله: "فاذكروا الله كذكركم آباءكم".
ومن الفوائد: إثبات أن الدعاء يكون بخيري الدنيا والآخرة، وأن الاقتصار على طلب الآخرة لوحدها مع الإعراض عن خير الدنيا ليس هو المطلوب.
ومن الفوائد: الرد على مَن يزعم أن عبادة الله منزهة عن الأغراض، لا لأجل ثواب ولا لخوف عقاب، وإنما هي لذات الله سبحانه.
الحلقة التاسعة والعشرون:
قال الله سبحانه: " من الناس مَن يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه" وفي قراءةٍ: "يشهد اللهُ على ما في قلبه" قوله سبحانه:"والله يشهد أن المنافقين لكاذبون" قال العلماء هذه الآية الكريمة في وصف حال المنافق، وهو من أدق وصف لحال أهل النفاق. ما المناسبة بينها وبين ما قبلها؟
لما ذكر أهل الإيمان بقوله سبحانه: "ومن الناس مَن يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" ثم ذكر أهل النفاق بقوله: "ومن الناس مَن يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وما له في الدنيا من خلاق" بقي صنف ثالث: وهم أهل النفاق ذكرهم هنا عقب الآيتين السابقتين.
وفي قوله سبحانه: " يُعجبك قوله في الحياة الدنيا" الإيماء إلى الذي لا يُحسا إلاّ الحديث عن الدنيا هو مظنة للتهمة، وأن الأمر الحسن حقيقة هو ما كان في الآخرة والأمر الباقي، في الحديث الشريف ما هو أبلغ من الذم، قال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في مجلس لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة).
وفي قوله سبحانه: "وهو ألد الخصام" التنفير ممَن كان هذا وصفه، وفيه الإشارة إلى ذم الخصومة الشديدة.
واستدل به على ذم علم الجدل.
ثم قال الله تعالى: "وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسد فيها" يعني إذا انصرف من عندك كان عمله عمل الفساد لا كقوله الذي يُعجبك.
وقيل: "وإذا تولى" إي إذا غلب وصار والياً عمل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل.
وهذا التفسير سائغ في اللغة، ولكن التفسير الأول هو الأولى هنا؛ لأنه هو المناسب للسياق قبله. قال: "ومن الناس مَن يُعجبك قوله" ثم قال: "وإذا تولى".
وفي قوله سبحانه: "ليُهلك الحرث والنسل" الإشارة إلى زراعة الأرض وغرس الأشجار، وأن جلب النسل - وهو نماء الحيوان - أمر مطلوب.
وفي قوله سبحانه: "ليُهلك الحرث والنسل" التوعد لكل عمل يحصل به فساد الأرض من غير حق وبلا مصلحة، قال بعض العلماء في الآية: أن مَن يقتل حماراً أو كدساً من الزرع فقد استوجب الملامة، ولحقه الشين إلى يوم القيامة.
وقوله سبحانه "ليهلك الحرث والنسل" من الألفاظ الفصيحة جداً الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة.
ومن فوائد الآية: تفطين أهل الإيمان لئلا يغترّوا بالمظاهر دون الحقائق، وأن يعتبروا بما وراء الكلام الحسن.
ومن الفوائد: إثبات مشروعية تحرّية الشهود، وهذا مذهب المالكية. قال القرطبي – رحمه الله -: وفي هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا، واستبراء أحوال الشهود والقضاة.. لأن الله بيّن أحوال الناس، وأن منهم مَن يظهر قولاً جميلاً وهو ينوي قبيحاً.
ومن الفوائد في الآية: أن الاعتبار في التزكية هو الأفعال لا مجرد الأقوال، وأن الأقوال التي تصدر من الشخص لا تدل بمفردها على صلاحه أو فساده.
واستدل المالكية بها أن القاضي يُخيِّر الشهود، وأنه لا يغتر بتمويههم وتزكية أنفسهم لأنفسهم.
وفي قوله سبحانه: "والله لا يُحب الفساد" النهي عن كل فساد قلَّ أو كثر في الدين أو في الدنيا. ما هو الفساد؟
الفساد هو: إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح، فكل ما حصل فساد فهو منهي عنه. قال عطاء – رحمه الله -: أن رجلاً أحرم في جبة فأمره النبيصلى الله عليه وسلم أن ينزعها. قال قتادة لعطاء: إنا كنا نسمع أن نشقها فقال عطاء: إن الله لا يُحب الفساد.
وقال الله تعالى: "وإذا قيل له: اتق الله" أي إذا نُصح هذا المنافق "أخذته العزة بالإثم".
يتبع