عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 06-10-2019, 10:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,502
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لطائف من القرآن الكريم

لطائف من القرآن الكريم [2/3]
د. صالح بن أحمد الغزالي

الحلقة الثامنة عشرة:
يقول الله تعالى عن اليهود: "فلما جاءهم ما عرفوا " أي محمد صلى الله عليه وسلم " كفروا به فلعنة الله على الكافرين "كفّر اليهود بعد أن بيّن كونهم عارفين بالحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدلنا على أن الكفر ليس محصوراً في الجهل.
وقال الله عنهم: "واُشربوا في قلوبهم العجل" أي حب عبادته وتأليهه، ومن النكت البديعة: أن التعبير عن حبهم للعجل جاء بلفظ (الشراب)، فقال: " واُشربوا ".
قيل: المقصود هو التنبيه على أن حبهم للعجل قد بلغ بهم كل مبلغ، وأنه تمكن من جميع أجزائهم، وتغلغل في جميع أعضائهم، كما يتغلغل الشراب في الأعضاء فيصل إلى باطنها.
وقال لهم مُتحدياً: "قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " يؤخذ منها فائدتين متقابلتين:
الأولى: عدم جواز تمني الموت؛ لأن الله علّق تمنيه على أمر غيبي، وهو كون الدار الآخرة خالصة له عند الله، ولما كان هذا ممتنعاً علمه، امتنع المُعلق عليه وهو جواز تمني الموت.
الفائدة الثانية: أن يُعكس الاستدلال، فيُقال: يؤخذ من الآية جواز الاشتياق إلى الموت الموصل إلى الجنة وإلى الدار الآخرة؛ لأن الله لم ينف التمني مُطلقاً، ولكنه ذكر أن السبب القاضي له هو خلوص الأجر في الآخرة.
وقوله: "ولن يتمنوه أبداً" خبر قاطع من الله تعالى أن اليهود لا يتمنون الموت في تحدي النبي صلى الله عليه وسلم لهم، قال بعض العلماء: وفي هذا إعجاز علمي غيبي؛ لأن ذلك لم يقع مع توفر الدواعي عندهم على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وسهولة الإتيان به.
وفي قوله تعالى: "ولتجدنهم أحرص الناس على حياة … الآية " فوائد:
الأولى: تنكير لفظ (حياة)؛ ليدل على حرص اليهود الشديد على أدنى حياة، ولو كانت حياة قليلة حقيرة، فإن لفظ التنكير هنا يدل على العموم ويُشير إلى القلة والحقارة.
الثانية: قال: "ومن الذين أشركوا " أي أن حرص اليهود على طول العمر أكثر من حرص المشركين، قيل: لأن اليهود يعلمون أنهم صائرون إلى النار، والمشركون لا يعلمون ذلك، أو هم لا يعلمونه كعلم اليهود.
الثالثة: قال: "وما هو بمزحزحه " ولم يقل بمبعده أو بمُخرجه. لماذا؟
"وما هو بمزحزحه" معناها: لا يؤثر في إزالة العذاب عنه أقل تأثير وأدنى إبعاد، ولو قال: ما هو بمُبعده أو مُنجيه لما دل على هذه الآية كدلالة لفظ (مزحزحه).
وفي قوله تعالى: "أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم " وصفٌ لليهود بالغدر المستمر، ونعتهم بنكث العهد على الدوام، قال علماء اللغة: (كلما) تُفيد التكرار، وأنه وصف لازم. والمعنى: كلما حصل منهم عهد، حصل منهم نكث.
ويتفرع عن هذه الفائدة: تحذير المسلمين من الاغترار بعهود اليهود، ووجوب الاحتياط في معاملتهم، وعدم الركون والوثوق بهم، مهما قالوا ومهما قيل عنهم.
ومن الفوائد: أن الله خاطب اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل أسلافهم ونسب الفعل إليهم، فنسب إليهم قتل النبيين، ونسب إليهم تكذيب الرسل والغدر وغير ذلك، قال القرطبي يرحمه الله: وإنما توجه الخطاب لأبنائهم لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا.
ويتفرع عن هذه الفائدة: قاعدة خطيرة وهي: أن مَن تولى الظلمة فهو مثلهم في الحكم ومثلهم في العقوبة، وأن مَن رضي بالمعاصي نُسبت إليه ولو لم يُباشر فعلها.
ومن قوله تعالى: "وما كفر سليمان " يُستنبط أن السحر كُفر ولابد في جميع الأحوال، وأن مُتعاطي السحر كافر بالله العظيم، ووجه الدلالة: أن اليهود اتهموا سليمان عليه الصلاة والسلام بالسحر ونسبوه إليه، فرد الله عليهم دعواهم بنفي الكفر عنه، فدل هذا على أن كل سحر كُفر، ولو لم يكن ذلك كذلك لم تحصل التبرئة التامة لِسليمان عليه السلام، وهذا مُحال في كلام الله تعالى، قال القرطبي رحمه الله: ولم يتقدم في الآية أن أحداً نسبه إلى الكفر، ولكن اليهود نسبته إلى السحر.
وفي قوله تعالى: "وما هم بضارين به من أحد إلاّ بإذن الله " فوائد:
الأولى: إثبات أن للسحر حقيقة. وإثبات أن الله تعالى أودع فيه ضرراً من جهة الأسباب الكونية، وهذا هو الحق الذي عليه أهل السنة، وخالفهم في ذلك المعتزلة ودعاة العقلانية.
الثانية: في الآية الإشارة إلى علاج السحر، وهو الالتجاء إلى الله تعالى، قيل لما كان الضرر حاصلاً بإذن الله، فلابد أن يكون دفعه بإذن الله أيضاً.
وفي قوله تعالى: "يُفرقون به بين المرء وزوجه" فائدتان:
الأولى: قال الشوكاني رحمه الله: ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر الله به من التفرقة، لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر، وبيّن ما هو الغاية في تعليمه، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره.
الثانية: في الآية إشارة إلى أن المحبة بين الزوجين عظيمة جداً، وأن سكون الرجل إلى زوجته، وسكون المرأة إليه أمر شديد، وهو معروف زائد على كل مودة، ولا يُقاس غيره به.
وفي قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا " فوائد:
الأولى: إثبات قاعدة (سد الذرائع) وهي من قواعد الشريعة العظيمة. وقد اعتنى بها الإمام مالك رحمه الله وأصحابه عناية فائقة، وبنوا عليها كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها.
الثانية: استدل علماء التوحيد بالآية على النهي عن الألفاظ المجملة، الدائرة بين معاني حقة ومعاني باطلة. قالوا: كما أن الله تعالى نهى عن لفظة (راعنا) في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فيُنهى أيضاً عن إطلاق كل لفظ يُحتمل لمعنيين أحدهما باطل .
الثالثة: استدل بالآية بعض الفقهاء على إيجاب حد القذف بالتعريض، قالوا: مَن ورّى أو كنّى أو أتى بلفظ يُحتمل قذف المُحصن، فهو مُستحق للعقوبة، والاستدلال في الآية مبني عن النهي الوارد فيها.
وفي قوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها " فوائد:
الأولى: استنبط الفقهاء منها أكثر أحكام النسخ، ومنها: صحة وقوع النسخ في شريعتنا، والرّد على المُنكرين له من المُبتدعة، والآية صريحة في ذلك، لا يُمكن دفع دلالتها على وقوع النسخ إلاّ بالتكذيب لها أو بما يُشبه التكذيب.
الثانية: اُستدل بالآية على أن النسخ في القرآن لا يكون إلاّ إلى بدل، ودلالة الآية تُفيد الحصر في إتيان البدل، إما مثل المُبدل منه، أو بخير منه.
الثالثة: من دلالة الآية، إثبات وقوع التفاضل في سور القرآن الكريم وفي آياته، وهذا التفاضل يُثبت كما أثبته الشرع فنقول مثلاً: سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن، وآية الكرسي أعظم آية، و " قل هو الله أحد " تعدل ثلث القرآن، وأنكر ذلك أهل الكلام، وقولهم ليس بشيء مع قول الله تعالى.
الرابعة: استدل الإمام الشافعي رحمه الله بالآية على أن الكتاب لا يُنسخ بالسنة ولو كانت متواترة. قال: لأن الله يقول: "نأتِ بخير منها أو مثلِها" والسنة لا تكون خيراً من القرآن بحال.
[]
الحلقة التاسعة عشرة:
يقول الله تعالى: "وقالوا لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى " يحكي الله مقالة اليهود والنصارى، ثم رد عليهم سبحانه فقال: "تلك أمانيهم ".
أي هي مجرد أماني، وهاهنا نكتة بلاغية: جمع لفظ ( الأماني ) مع أن ما أُشير إليه أمنية واحدة، لماذا؟
قال صاحب الانتصاف: ليُفيد جمعها أنها متأكدة في قلوبهم، بالغة منهم كل مبلغ. وقال غيره: ليدل على تردد الأمنية في نفوسهم مرة بعد مرة.
قال أهل اللغة: الجمع هنا يدل على الزيادة وعلى التأكيد، والجمع يُفيد بوضعه الزيادة في الآحاد، فينتقل هنا إلى تأكيد الواحد، وإلى إبانة زيادته على نظرائه.
وقوله: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " هي أيضاً رد على دعواهم السالفة، وإبطال لمقولتهم الفاسدة، والتأكيد على أنها مقولة مُجردة عن البرهان.
وقد أشارت الآية إلى أصول النظر والمُحاجة، وإلى تقعيد الأدلة والبينات.
فهذه الآية دلت على بطلان القول بغير علم ولا برهان، قال في الكشاف: هذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وأن كل قول لا دليل عليه فهو غير ثابت.
واستُنبط منها قاعدتان في أصول النظر: الأولى، إثبات حجية النظر، والرد على مَن ينفيه. والثانية، مُطالبة المُدعي بالدليل والبرهان، نفياً وإثباتاً.
وفي قوله سبحانه: "بلى مَن أسلم وجهه لله وهو محسن" الإشارة إلى سر قبول الأعمال عند الله، وهو توافر شرطين: الأول: الإخلاص وأشار إليه بقوله: "أسلم وجهه لله" أي أخلص توجهه وقصده.
والشرط الثاني: الموافقة لهديه صلى الله عليه وآله وسلم وسنته، وأشار إليه بقوله: "وهو مُحسن" أي مُحسن في عمله.
وفي قوله تعالى: "كذلك قال الذين لا يعلمون" النعي على أهل الكتاب، وأنهم والمشركون الذين لا يعلمون سواء، كأنه يقول لهم: من المُفترض أن يُميزكم العلم، ومن المُفترض ألاّ تكونوا وأنتم أهل كتاب كمَن لا كتاب لهم ولا علم لديهم.
وفي قوله تعالى: "ومَن أظلم ممن منع مساجد الله " فوائد:
الأولى: الإشارة إلى أن منع الذكر في مساجد الله هو أعظم الظلم، قال العلماء: "مَن أظلم" أي: لا أحد أظلم منه.
ويتفرع عن هذا الإشارة إلى أن الأصل هو جواز الذكر في المسجد في جميع الأوقات، وأنه لا يجوز منع الذكر فيه إلاّ بدليل يصلح لإخراجه من العموم.
الفائدة الثانية: استُدل بالآية على حُرمة منع المرأة من الحج إذا كانت صرورة – أي لم يسبق لها الحج – استدلوا بها أيضاً على عدم منع المرأة من حضور المساجد لصلاة الجماعة، ولِسماع الموعظة؛ إذا لم يخف الفتنة منها أو عليها.
الفائدة الثالثة: قال القرطبي رحمه الله: دلت الآية على تعظيم أمر الصلاة، وأنها لما كانت أفضل الأعمال كان منعها أعظم الآثام.
وفي قوله تعالى: "أن يُذكر فيها اسمه" الإشارة إلى أن المساجد إنما وُضعت للذكر والعبادة والصلاة، ويتفرع عنه: النهي عن كل ما ليس من الذكر، كإيقاع البيع والشراء والإجارة وإنشاد الضالة، وغيرها من أعمال الدنيا المحضة.
وقوله: (ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ خائفين (إرشاد المؤمنين إلى حماية بيوت الله من الكافرين، وأن يجعلوهم بحالة إذا أرادوا الدخول كانوا على وجل وخوف من أن يفطن لهم أحد من المسلمين فيُنزلون بهم الأذى والإذلال.
ويتفرع عن هذا الإرشاد: إرشاد المسلمين إلى العزة والقوة، وإلى المحافظة على مُقدساتهم، وإلى حماية شعائرهم، وتطهيرها من تدنيس المشركين من يهود ونصارى وثنيين وغيرهم.
وفي قوله سبحانه: "وقالوا اتخذ الله ولداً" لطائف وفوائد:
الأولى: في لفظ (اتخذ) الإشارة إلى بطلان قولهم وتناقضهم؛ لأن الولد لا يُتخَذ ولا يُصنع، ولكن يحصل بالولدية والمُجانسة، كما في قوله سبحانه: " أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ".
الفائدة الثانية: استدل بها بعض الفقهاء على أن مَن مَلَكَ ولده أُعتِقَ عليه؛ لأن الله تعالى نفى الولدية بإثبات العبودية، فدل ذلك على تنافي الماهيتين، وهو استرواح حسن.
الفائدة الثالثة: ويتفرع من الفوائد: الإرشاد إلى حُسن تربية الأولاد، وأن الولد لا يُعامل كما يُعامل العبد، ولا يخضع كخضوع العبد فإن هذا يتنافى مع الولدية، وهو أيضاً يتنافى مع التربية السليمة وغرس الشخصية والعزيمة.
وقال سبحانه: "بل له ما في السماوات والأرض" وقال: "كل له قانتون" ففي الأول جاء بلفظ (ما) الدال على غير العاقل، وفي الثاني جاء بلفظ (كل) الدال على العاقل، لماذا؟
في الجملة الأولى: إشارة إلى المِلك، والمعهود في الذائقة أن الملك عادة يتعلق بما لا يعقل، وفي الجملة الثانية: كان الكلام متوجهاً للقنوت والخضوع لله، والقنوت هو من عمل العقلاء. قال في المنار: وهذا كما ترى من أدق التعبير وألطفه، وأعلى البيان وأشرفه.

وفي قوله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم " فوائد:
الأولى: تكرار النفي بقوله: "ولا النصارى" للإشارة إلى أن رضا النصارى قد يكون غير رضا اليهود، وللتأكيد بأن النصارى يتصفون بنفس صفة اليهود في هذا الأمر، ولو كانوا أقل عداوة كما أخبر في آية أخرى.
الثانية: استدل كثير من الفقهاء بقوله: "حتى تتبع ملتهم" على أن الكفر ملة واحدة، وفرّعوا عن هذه مسائل أهمها: مسألة توارث اليهودي والنصراني إذا كانا قريبين.
الثالثة: من فوائد الآية: التحذير من صنوف الغزو الفكري والغزو الأخلاقي من قِبل اليهود والنصارى، إلى أهل الإسلام والإيمان، وهذه مسألة المسائل في عصرنا هذا.
الرابعة: في الآية كذب مَن يقول: أن عداوة الكفار لنا ليست دينية، وإنما هي عداوة اقتصادية أو سياسية أو أطماع استعمارية. ونحن إما أن نُصدقهم ونكذب الله – عياذاً بالله – أو أن نُكذبهم ونُصدق الله، ومَن أصدق من الله قيلاً.
وفي قوله تعالى: "يتلونه حق تلاوته " فوائد:
الأولى: دلت الآية على وجوب الاستهداء بالقرآن، وأن كل مَن يتلو القرآن ويتدبره بصدق يستهدي به. ويتفرع عن هذا: إثبات أن القرآن مُعجز بهدايته العامة التي لا يُشاركه فيها كتاب ولا كلام.
الثانية: فُسر لفظ (يتلونه) أي يتبعونه، قال ابن عباس: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ "والقمر إذا تلاها". وقال ابن مسعود: يُحلون حلاله، ويُحرمون حرامه، ولا يُحرفونه عن مواضعه.
ومن اللطائف: أنه عبّر عن العمل بالقرآن وبتدبره وفهمه عن طريق لفظ (التلاوة) لِيدلنا على أن ذلك هو المقصود من التلاوة التي يشترك فيها أهل العلم والفهم وغيرهم.
الثالثة: إيجاب تلاوة القرآن تلاوة صحيحة، وإقامة حروفه من غير اعوجاج، والترتيب بين آياته وألفاظه، فهذا كله يدخل في حق التلاوة.

الحلقة العشرون:
الحديث في هذه الحلقة عن قصة خليل الرحمن إبراهيم في سورة البقرة:
يقول الله تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن" يُخبر الله أنه امتحن عبده إبراهيم فوفى الامتحان وبادر إلى الامتثال. قال العلماء: جيء (بالفاء) في قوله:"فأتمهن "للدلالة على الفورية في الامتثال إلى أمر ربه.
" قال: إني جاعلك للناس إماماً. قال: ومن ذريتي؟ " في الآية مشروعية التخصيص بالدعاء للقرابة في موضع لائق به. ومن فوائدها: العناية الفائقة بالأقربين في توجيه أسباب الدعوة وإنالتهم للخير، ومُباشرة إصلاحهم بالوسائل الدعوية النافعة.
ومن فوائدها: بيان أدب الدعاء مع الرب سبحانه، فهو لم يقل: ذريتي. بل قال: ومن ذريتي. مُراعاة لحكمة الله وسنته الجارية المعروفة، التي تقتضي ألاّ يكون نسل الرجل الواحد كلهم أئمة.
وقال: "ومن ذريتي" ولم يقل: أبنائي! ليُشرك في ذلك اللفظ أبناء البنات، ولا يخص به العصبة، وهو خلاف العصبية القبلية لأبناء الأبناء دون أبناء البنات.
وقال سبحانه جواباً على دعاء الخليل: "لا ينال عهدي الظالمين" قال المُفسرون: أي لا يستحق الإمامة مَن تلبس بالظلم. وقد استدل الفقهاء بها على اشتراط العدالة في منصب الإمامة، وأن غير العدل لا يصلح أن يكون قاضياً ولا مُفتياً ولا شاهداً ولا حاكماً ولا إمام صلاة، وفي هذا تفصيل عند كتب الفقهاء.
وفي قوله تعالى: "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً " ثلاث فوائد:
الأولى: قوله: "مثابة" أي يثوبون إليه من البلدان كلها، مرة بعد مرة، مع المحبة والاشتياق، كما قيل: جعل البيت مثابة لهم، ليس منه يقضون الوطر.
ويتفرع عن هذه الفائدة: إقرار الشوق للأعمال الصالحة، والسرور بالعبادات والطاعات، ويتفرع عنه: بأن مَن يأتي إلى البيت يشتاق إلى الرجوع إليه، وإذا لم يكن كذلك؛ فليُراجع الإنسان نفسه، وقد علمنا وعلم غيرنا من حال الناس، حرصهم الشديد على الذهاب إلى هذا البيت، وأداء العبادة فيه، وتكليف النفس لذلك حتى من غير المستطيع، أكثر من غيره من العبادات، ولعل السر في هذا عند قوله: " مثابة للناس ".
الفائدة للثانية: قوله: "وأمناً " استدل به أبو حنيفة وجماعة على ترك إقامة الحدود في الحرم. قالوا: أمناً، أي اجعلوه أمناً.
الفائدة الثالثة: قال: "مثابة للناس" ولم يقل: أمناً للناس، لماذا؟
ليُشير إلى أن الأمن عام للناس ولغيرهم، أي أن البيت يأمن فيه حتى غير الناس، من النبات والحيوان والوحش وغيرهم.
وقال سبحانه: "طهرا بيتي" أضاف الباري سبحانه البيت إليه لفائدة التشريف والتعظيم له، ولاِهتمام إبراهيم وإسماعيل به لكونه بيت الله، وللإشارة إلى أن هذه الإضافة هي السبب في كونه مثابة للناس وأمناً، وفي كونه تهفو القلوب إليه والأفئدة.
وقال سبحانه: " للطائفين والعاكفين والركع السجود" رتبهم بحسب اختصاصهم، فالطائف لا يكون إلاّ في المسجد الحرام، والعاكف يكون في كل مسجد، والركع السجود في كل مكان.
وقال سبحانه: "الركع السجود" ولم يقل المصلين، مع أن لفظ (المصلين) أخصر وأدل، لماذا؟
قيل: لفائدة عظيمة: وهي أن المقصود الصلاة ذات الركوع والسجود، أي صلاة المسلمين الحنفاء لا صلاة اليهود والنصارى.
ومن الفوائد الفقهية في الآية: الإرشاد إلى كون الطائف بالبيت مُتطهراً، كيف؟ لأن الأمر بتطهير البيت لأجل الطائف يقتضي تطهر الطائف نفسه ومن باب أولى.
ومن الفوائد الفقهية أيضاً: استدل جماعة من السلف بالآية على جواز أداء صلاة الفريضة في جوف الكعبة، كجواز أداء النافلة فيها؛ لعموم لفظ الآية، عموم لفظ (الركع السجود)، وعموم لفظ (بيتي)، فالأول يدخل فيه كل صلاة، فريضة أو نافلة. والثاني يدخل فيه كل موضع من البيت جوف الكعبة وغيره.
وقوله: "طهرا" لفظ يُفيد العموم والمُبالغة، فيدخل فيه كل تطهير حسي ومعنوي، ويدخل فيه ما يُمنع منه شرعاً، كالحائض والجنب والمُشرك.
وقوله: "اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات " الإشارة إلى أهم عنصرين من عناصر المدنية الفاضلة والحياة السعيدة في الدنيا، وهما: الأمن والرزق. قال بعض المتأخرين: هذه أول مظاهر تكوين المدينة الفاضلة التي دعا أفلاطون لإيجادها بعد بضعة عشر قرناً.
وقيل: إن الخليل عليه السلام أراد بهذه الدعوة الإعانة على إقامة الدين وتحقيق الملة الحنيفية وخدمة البيت العتيق، فلا يضطر أهله إلى الخروج منه، ولا إلى الانشغال عنه. ويتفرع عن هذه الفائدة: أن من أعظم الوسائل في تقوية الدعوة إلى الله وتهيئة الناس للإصلاح والعبادة، أن يتوفر لهم الأمن وأن يتوفر لهم الرزق. فالأول فقده يستتبع انشغال القلب، والثاني فقده يستتبع انشغال البدن بالبحث عن الرزق.
وقد أجاب الله إبراهيم في دعائه الأول بقوله: "لا ينال عهدي الظالمين" . وأجابه هاهنا بقوله: "ومَن كفر" أي وأرزق كذلك مَن كفر، كما أرزق مَن آمن في الدنيا.
والنكتة هاهنا: أن عطاء الألوهية غير عطاء الربوبية، العطاء الذي يكتبه الله للبشر بصفة الألوهية والعبودية الخاصة، هو خاص بأهل الإيمان، لا يناله الظالمون. وأما العطاء الذي تكفله الله للخلق بصفة كونه رباً وخالقاً، فهذا يناله المؤمن والكافر، ويناله العدل والظالم، كما قال: "ومَن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار".
وفي قوله تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل" فوائد:
الأولى: "يرفع" جاء بلفظ المضارع؛ ليحكي أمراً قد قُضي، والمضارع دال على زمن الحال، قالوا: الفائدة هي استحضار صورة البناء في ذهن السامع.
الثانية: قال: "يرفع " ولم يقل: يبني، وبينهم فرق. قال أهل الهندسة: كل بناء له طول وله عرض وله ارتفاع، والرفع هو الصعود والإعلاء، والرفع لا يكون إلاّ لشيء موجود من قبل. وقد اُستُفيد من هذا اللفظ: أن البيت كان قد بُني من قبل، وإنما هُدم وطُمر فجاء الخليل عليه السلام لِيرفع قواعده، وأصرح منه في الدلالة قوله عليه السلام: " ربِّ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم " قاله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبني البيت، وكان إسماعيل إذ ذاك رضيعاً.
الثالثة: تأخر ذكر إسماعيل بعد ذكر البيت، لماذا؟ قيل: للإشارة إلى أن المأمور من الله ببناء البيت هو إبراهيم، وأن إسماعيل هو إنما كان مُساعداً له.

ومن فوائد التكرار هذا: الإفادة بأن كل طلب من هذه المطالب هو مقصود لذاته.

وفي قوله تعالى: "أرنا مناسكنا" الإشارة إلى العناية بمعرفة مكان العبادة، إذا كانت مُقيدة بمكان مُعين، مثل الطواف بالبيت، ومثل السعي بين الصفا والمروة، ومثل الوقوف بعرفة، ورمي الجمار.
ومن الفوائد: إثبات الصفة المُختصة بالعبادات، وأن مَن جاء بها بغير هيئتها المخصوصة، فهو لم يأتِ بها على الوجه الصحيح.
ويتفرع عن هذه الفائدة: الرد لجميع البدع التعبدية الدينية، وأن الله تعالى لم يرض بها. والله تعالى أعلم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.76 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.13 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.31%)]