لطائف من القرآن الكريم [2/3]
د. صالح بن أحمد الغزالي
الحلقة الخامسة عشرة:
الحديث في هذه الحلقة عن قول الله تعالى: "يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم " إلى قول الحق سبحانه: "فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ".
ولنذكر لك أخي الكريم من فوائد الآيات، ومن لطائف الإشارات، ونكات التأويل.
في قوله: "يا بني إسرائيل" تهييج للمدعوين أن يستجيبوا للحق، وترغيب لهم أن يمتثلوا أمر الله ويدخلوا في دينه كما كان أبوهم إسرائيل، الذي هو يعقوب بن إبراهيم عليهم السلام، قال ابن كثير – رحمه الله -: تقدير الآية: يا بني العبد الصالح المُطيع لله كونوا مثل أبيكم في مُتابعة الحق.
ويتفرع عن هذه الفائدة قاعدة دعوية وطريقة شريفة في مُخاطبة الناس، فإذا أردنا أن ندعوهم إلى الحق فإن الواجب أن نتخير أحسن اللفظ، وأن نأتي بأفضل الكلمات التي تُرغبهم في قبول الحق.
وقال سبحانه: "أوفوا بعهدي أوف بعهدكم"بينه في سورة المائدة بقوله تعالى:"ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمَن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل".
وفي قوله تعالى: "واركعوا مع الراكعين" فوائد:-
الأولى: الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد، استدل بها بعض الفقهاء على وجوب الجماعة، قالوا: لأن الأمر يقتضي الوجوب، ولفظ (مع) يقتضي الوجود والمصاحبة، ويقوي هذا المسلك أن الأمر بوجوب مطلق لصلاة قد مضى في أول الآية. ولا معنى هنا لتكراره سوى الإرشاد إلى الجماعة.
الفائدة الثانية: تضمنت الآية الإشارة إلى وجوب أن يدخل اليهود في دين محمد صلى الله عليه وسلم وفي صلاته وعبادته. ولفظ الأمر بالركوع دال عليه، إذ إن صلاتهم لا ركوع فيها. قال مُقاتل: أمرهم أن يركعوا مع أمة محمد، يقول: كونوا معهم ومنهم.
الفائدة الثالثة: دلت الآية على إيجاب الصلاة كاملة بأركانها وشروطها، كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم، وكما يفعله المسلمون العابدون الله تعالى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ووجه الدلالة: إن الله تعالى أمر بركن الركوع، والأمر ببعض أركان الصلاة دالٌ على غيره من الأركان والشروط، وهذا من باب دلالة الفرد على النوع والجنس.
ويتفرع عن هذه الفائدة: وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلمفي تفسيره لمجمل القرآن الكريم، لاسيما في أمر العبادة.
ويتفرع كذلك من الفوائد: وجوب اتباع سبيل المؤمنين والاقتداء بهم في العبادات الشرعية، واتباعهم لا مُخالفتهم.
وفي قوله تعالى: "ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً " الإشارة اللطيفة إلى أن جميع ما في الدنيا ثمناً قليلاً مهما عظم ومهما كبر.
وفي قوله تعالى: "واستعينوا بالصبر والصلاة" الإشارة إلى أن في الصلاة سراً إلهيّاً عظيماً في تجلية الأمر وفي كشف الغم عن النفس. وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلمأنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
وقوله: "وإنها لكبيرة" أي مجموع الصبر والصلاة، فهما كالدواء الواحد يُشار إليه بضمير الفرد. كما قال سبحانه: "والله ورسوله أحق أن يرضوه".
وفي قوله تعالى: "يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم" فائدتان:-
الأولى: أنه نسب الذبح إلى آل فرعون، والآمر به هو فرعون؛ وذلك لأنهم هم الذين يُباشرون الذبح.
ويتفرع عن هذه فائدة وقاعدة، وهي أن مَن أمره ظالم بقتل أحد أو ظلمه فقتله فإن المُباشر للفعل مؤاخذ بالفعل، كما يؤاخذ الآمر سواء بسواء، إلا في أحوال خاصة بيّنها العلماء.
الثانية: قال: "ويستحيون نساءكم" ولم يقل: بناتكم كما قال: "أبناءكم"!
قال بعض أهل التفسير: لأن الغرض من إبقاء عنصر الإناث وهو الاستمتاع بهن والتلذذ المحرم وهذا أعظم في الابتلاء كما أخبر الله سبحانه: " وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ".
وقال سبحانه: "وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون" قال أهل اللغة: فائدة " مِن " الإشارة إلى استعجالهم في المخالفة، وبيان أنهم اتخذوا العجل ابتداء من أول زمن بعد مغيب موسى - عليه السلام - عنهم.
في قوله تعالى: "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" فائدة، قال رشيد رضا – رحمه الله -: تضمنت الآية تقريراً لقاعدة مهمة، وهي أن كل ما يطلبه الدين من العبد فهو لمنفعته، وأن كل ما نهاه عنه فإنما يقصد به دفع الضرر عنه.
ويتفرع عن هذه القاعدة: إثبات التعليل لأوامر الله الشرعية، وبناءً عليه إثبات صحة القياس في شرعنا، وأن ما لم ينص الشرع على إباحته أو تحريمه، فهو مُلحق بنظيره مما نص عليه الشارع.
وقال سبحانه: "فبدل الذين ظلموا" ثم قال: " فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً " كرر لفظ (الظلم) هنا مرتين، لماذا؟
قال العلماء: تشنيعا عليهم ولتعظيم الأمر عليهم، وإشارة إلى أنهم كانوا ظالمين فيما بدلوه، وإلى أنهم استحقوا الرجز بسبب الظلم.
وفي قوله عز وجل: "فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم " فائدة شرعية، وهي أن الألفاظ التي أمر الله تعالى بها عباده أن يقولوها، وأراد منهم أن يلتزموا بها لفظاً ومعنى، لا يجوز تبديلها ولا تغييرها ولا تحريفها.
قال العلماء: من ذلك في شريعتنا ألفاظ القرآن الكريم، والذكر المخصوص في الصلاة، والأذكار الشرعية النبوية.
وقال سبحانه: "وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر … الآية " ذكر العلماء فيها فوائد وأحكاماً:
أولاً: مشروعية الاستسقاء والتوسل بدعاء الرجل الصالح كما قال بعد ذلك: "فادع لنا ربك".
الفائدة الثانية: جواز توزيع الماء بين الناس إذا حصل بينهم تشاحٌ عليه وتكاثر على طلبه.
الفائدة الثالثة: في قوله تعالى: "قد علم كل أُناس مشربهم" دليل على صاحب البئر والنبع من الماء وهو أحق به من غيره، وهذه الفائدة من قوله: " مشربهم " فأضاف المشرب إلى صاحبه.
في قوله تعالى: "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" فائدتان تتعلق بآداب الأكل:-
الأولى: جواز تخير الأطيب من الطعام، ويتفرع عن هذا أن العاقل لا يتخير الأدنى على الأعلى من أمور الدين من باب أولى.
والثانية: من لفظ الآية نستفيد جواز قول القائل: هذا الطعام أطيب من هذا، وذاك الطعام أدنى من ذاك، وليس في هذا اللفظ ازدراء لنعمة الله كما يُفهم من سياق الآية وتقريرها.
وقال سبحانه: "اهبطوا مصراً " لماذا قال "مصراً" ولم يقل: مصر؟
قال علماء البيان: التنوين يدل على التنكير، وعدمه يدل على العلمية، والعلم ممنوع من الصرف، يعنى لفظ (مصرَ) بدون تنوين يعني البلدة المعروفة، و (مصراً) يعني بلدة من البلدان، وهذا هو المراد.
وقال سبحانه: "ويقتلون النبيين بغير الحق" في قوله: "بغير الحق" نكتتان:-
الأولى: زيادة التشنيع عليهم.
الثانية: أن فعلهم هذا منكر حتى في معتقدهم ودينهم، فهو بغير حق حتى عندهم، وأنه لم يكن لهم فيه عذر ولا تأويل ولا جهل، قال بعض المفسرين: دل لفظ الآية على شدة التقبيح لفعلهم، فهو أولاً: قتل نبي لا أي نفس، وثانياً: قتل جماعة لا واحد، وثالثاً: كونه بغير حق. والله تعالى أعلم.
الحلقة السادسة عشرة:
قال الله سبحانه: "ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " في هذه القصة فوائد ولطائف:
قال علماء التفسير: إن الله تعالى جازى اليهود من جنس صنيعهم، هم لم يمتثلوا أمر الله حقيقة وإنما فعلوا فعلاً مشابهاً له في الظاهر، والله تعالى حوّلهم إلى أقرب الحيوانات شبهاً بالإنسان.
اليهود أشبهوا البشر في الصورة دون الحقيقة، هم لم يتلقوا أمر الله بفهم مقصده ومغزاه، وأخذوا بصورة اللفظ فأشبهوا العجماوات في وقوفها عند المحسوسات، فهم أشبهوا الحيوان في المعنى، ولهذا استحقوا أن يكونوا مثلهم في الصورة.
اليهود ألغوا آدميتهم، وأسقطوا المعاني البشرية عن عقولهم، فنقلهم الله من الإنسانية إلى البهيمية في القيم والإرادة والخِلْقَة.
الفائدة الثانية: دلت الآية على إبطال القول بالظاهر الذي يتنافى مع المقصد الشرعي والتكليف الإلهي، وقد ذهب إلى بعض هذه المعاني ابن حزم وطوائف، وهذه الآية من أعظم الأدلة على إبطال هذا المسلك وإسقاطه من أبواب الفقه والأصول و الاستنباط.
الفائدة الثالثة: في الآية إبطال نظرية دارون في النشء و الترقي، والتكذيب لِمَن يزعم أن البشر أصلهم قردة، قال العلماء: ومَن قال بذلك فإنه يكون كافراً بمجرد قوله. لماذا؟ لأنه مكذب لله، ولأنه مُنكرٌ لما علم من دين الإسلام بالضرورة.
وفي قوله تعالى: "وموعظة للمتقين" الإشارة إلى أن غير المتقين لا تنفع فيهم الموعظة، ولا تجدي معهم النصيحة.
ويتفرع عن هذه الفائدة فائدة دعوية علمية وهي: إيجاب السعي على الدعاة والمصلحين إلى استصلاح الناس بالتقوى لأجل أن تنفع فيهم الموعظة والنصيحة والتذكير بكلام الله تعالى.
ننتقل إلى قصة البقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها.
قال الله سبحانه: "وإذ قال موسى لقومه: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا: أتتخذنا هزواً؟ قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " فيها فوائد ولطائف:
الأولى: اختلف الفقهاء أيهما أفضل النحر أم الذبح؟ واتفقوا على أن الجميع مُجزئ، وعلى أن الذبح أولى للغنم، وأن النحر أولى للإبل، واختلفوا في البقر، ورجح البعض في البقر الذبح استناداً إلى لفظ الآية.
اللطيفة الثانية: قال الماوردي – رحمه الله -: إنما أُمروا بذبح بقرة دون غيرها؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه.
الثالثة في قوله تعالى: "أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين" الإشارة إلى تحريم الاستهزاء بالغير والسخرية بهم.
وقال سبحانه في وصف البقرة: "لا فارضٌ ولا بكرٌ عوانٌ بين ذلك" قال بعض الفقهاء: يُستحسن في النسيكة أن تكون فوق الصغيرة ودون الكبيرة؛ لأن الله وصفها بقوله: "لا فارض ولا بكر "أي ليست كبيرة وليست صغيرة، ثم أكد ذلك بقوله: " عوانٌ بين ذلك " أي وسط بين الكبيرة والصغيرة.
وقال سبحانه عن البقرة أيضاً: " صفراءُ فاقعٌ لونها تسرُّ الناظرين " قال بعض السلف: إن الصفرة في الألوان السارة التي تُذهب الهم عن النفس وتُدخل إليها السرور بدلالة هذه الآية.
وأُعترض على هذا بأن الله تعالى أضاف إدخال السرور إلى البقرة، وليست إلى مُجرد لون الصُفرة، وهذا على كل حال من مليح العلم وليس من متينه.
وقال بعض الفقهاء: دلت الآية على استحسان الصورة الجميلة في النسيكة التي يُتقرب بها إلى الله تعالى، وأن ما كان جميلاً من الحيوانات فهو أولى بالقربة.
ومن فوائد الآيات: إثبات أن الأمر في الشريعة يقتضي الوجوب، وهذا ظاهر.
ومن الفوائد أيضاً: إثبات أن الأمر يقتضي الفورية، ويوجب المُبادرة إلى الفعل، وهذا مأخوذ من قول موسى لقومه: "فافعلوا ما تُؤمرون "ومن قول الله سبحانه: " فذبحوها وما كادوا يفعلون " ففي الآية الأولى حض لهم على المُبادرة إلى الفعل، وفي الآية الثانية تعريضٌ لهم بسوء تلقيهم الأمر وتباطؤهم في تنفيذه.
ومن فوائد القراءة: أن القارئ ينبغي له أن لا يقف عند قوله: " لا ذلول " ويبدأ بقوله: " تثير الأرض " لماذا؟
لأن المقصود في الآية هو نفي كلا الجملتين، فهي بقرة وصفها الله بأنها ليست مُذللَةٌ بحيث تُثير الأرضَ، وتقدير الآية: لا ذلولٌ ولا تُثير الأرضَ ولا تسقي الحرثَ.
وقال سبحانه: "مُسلمةٌ لا شية فيها " وذلك بعد قوله: "لا ذلولٌ تُثير الأرض ولا تسقي الحرث " قال علماء التفسير: هذا احتراس عن الظن بأن البقرة لا تُثير الأرض ولا تسقي الحرث بسبب علة بها أو عيب ككونها هزيلة أو عجفاء.
ومن الفوائد الفقهية: قال الإمام القرطبي – رحمه الله -: في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته، وإذا ضُبط بالصفة وحُصر بها جاز السلم فيه. وبه قال مالك وأصحابه والشافعي رحمهم الله.
ويتفرع عن هذه الفائدة قاعدة وهي: جواز تعيين المعقود عليه بالوصف، كالتعيين في عقد البيع وفي عقد النكاح، فلو قال الرجل: بعتك بيتي ووصفه بما يتميز به صح البيع، ولو قال الأب: زوجتك ابنتي ووصفها بما تتميز به، صح التعيين، بدلالة صحة التعيين في الآية الكريمة.
وفي الآيات فائدة من دقائق علم أصول الفقه، وقواعد علم القياس، قال ابن عاشور – رحمه الله -: فيها الأخذ بالأوصاف المؤثرة في التشريع، دون الأوصاف الطردية التي ليس لها تأثير.
وفي قوله تعالى: "إن شاء الله لمهتدون" ردٌّ على المعتزلة وإبطال لقولهم في القدر، وإنكارهم للمشيئة الإلهية والإرادة الربانية، قال في التفسير الكبير: احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى، فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لمّا أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة، أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يُريد (أي قدراً) فحينئذ يبقى لقولنا: إن شاء الله فائدة، انتهى.
وقال سبحانه: "وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مُخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه ببعضها … الآية " احتج بعض المالكية بها على اعتبار قول المقتول: دمي عند فلان. وأنه موجب للقسامة، واعتُرض عليه بأن هذه الآية مُعجزة، والخوارق الخارجة عن العادات لا يُقاس عليها.
وأجاب ابن العربي المالكي بأن المُعجزة في إحياء الميت: فلما صار حيًّا كان كلامه ككلام سائر الأحياء. وفي الجواب نظر. والله تعالى أعلم.
الحلقة السابعة عشرة:
في قوله تعالى: "أفتطمعون أن يؤمنوا لكم … الآية " فوائد:
الأولى: الإشارة إلى أن الإيمان لا يملكه الناس، لا أهل الدعوة ولا غيرهم، وأن التكليف على الدعاة هو الدلالة للحق وتبليغ الدعوة، لإدخال الإيمان في قلوب الناس.
الثانية: قوله: "لكم" يتضمن الإشارة إلى أن اليهود يعتقدون في قرارة أنفسهم بصحة القرآن والنبوة، ولكنهم لا يُقرون بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، قال علماء البلاغة: فائدة (اللام) في " لكم " لتضمين " يُؤمنوا " معنى يُقروا.
ويتفرع عن هذه الفائدة: الرد على مذهب غلاة المرجئة، وتفنيد مزاعمهم في تعريف الإيمان الشرعي قالوا: الإيمان هو مجرد المعرفة. والآية نفت عن اليهود الإيمان مع معرفتهم التامة بذلك.
الفائدة الثالثة: أشارت الآية بلحن الخطاب فيها: أن أفضل الطرق الدعوية هي إسماع الناس كلام الله تعالى وإفهامهم له، وقد دلت الآية كذلك على أن مَن لم تُجْدِ معه هذه الوسيلة فهو أجدر ألاّ تُجْدِي معه غيرها، ولا تؤثر فيه.
ثم قال الله سبحانه: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم" أي من نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، وقد جاء التعبير عنه بالفتح للإيذان بأنه سر مكتوم وباب مغلق (أفاده الألوسي رحمه الله في تفسيره).
ثم قال موبخاً لهم: "أفلا تعقلون" قال بعض المتأخرين: هذا ختام منطقي للآية؛ لأن مَن يتصرف تصرفهم ويقول كلامهم لا يكون عنده عقل، الذي يقول: "لِيُحاجوكم به عند ربكم" يكون مؤمناً بأن له رباً، ثم لا يخاف هذا الإله ولا يخاف عقابه، هذا لا يُمكن أن يتصف بالعقل.
وقال الله تعالى عنهم: " ومنهم أُميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني "فُسرت الأماني: بالتلاوة المجردة، وهي التلاوة التي لا يكون معها فهم ولا عمل، وفي هذا أدل دليل على ذم القوم الذين ليس لهم حظ من كتاب الله غير التلاوة المجردة.
ويتفرع عن هذا الذم: الذم لكل عمل يكون فيه وضع القرآن في غير موضعه، ويتجرد صاحبه عن الفهم والعمل به، فيدخل في هذا الذم: تعليق القرآن على الصدور للحفظ من العين، وتعليقه على ألواح لأجل الزينة، أو قراءته في المحافل كرسوم وطقوس خاوية.
وفي ختام الآية قال: "وإن هم إلاّ يظنون " وفُسرت الآية: بإطلاق الذم على اليهود الذين لا يعلمون الكتاب إلا بما يظنون به.
ويتفرع عن هذا التفسير فائدة عزيزة: وهي الترغيب في معرفة كلام الله عز وجل معرفة يقينية، ويدخل فيه إتقان الحفظ لآياته، وإتقان الفهم لمعانيه وتفسيره.
ويتفرع من هذا أيضاً: الجد في طلب العلم لا سيما علم كتاب الله، وتلقيه عن أهل العلم الموثوقين في تلقينه وتفسيره وتزكية الناس على معانيه وآدابه.
وقال سبحانه: "يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله" لماذا قال بأيديهم؟ وهل تكون الكتابة بغير اليد؟
أجاب عنه العلماء بأجوبة لطيفة:
الجواب الأول: أن هذا اللفظ يتضمن التأكيد مثل: "يقولون بأفواههم "وقوله: " ولا طائر يطير بجناحيه " والمقصد منه تحقق وقوع الكتابة ومنع المُجاز عنه.
الجواب الثاني: أنه تصوير للحالة في النفس كما وقعت، حتى يكاد المُستمع لذلك أن يكون مشاهداً للهيئة، فهو من بديع التصوير القرآني.
الجواب الثالث: أنه يتضمن الإخبار عن اهتمام القوم بتزييف كلام الله وتزويرهم، فهم يقومون به بأيديهم ليتأكدوا من وقوعه ومن إتمامه على ما أرادوا.
وختم الآية بقوله: "فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " هذا تفصيل للويل السابق.
ومن الفوائد المستنبطة منه إثبات قاعدة شرعية: وهي أن العبد كما يُعاقب على نفس فعله، فهو أيضاً يُعاقب على أثر فعله؛ لأن الله غاير بين الأمرين، فإنه بيّن في الأول استحقاقهم العذاب بنفس الفعل، وفي الثاني ذكر استحقاقهم له بأثره.
ومن الفوائد منه: قال القرطبي رحمه الله: في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع، فكل مَن بدل أو غيّر أو ابتدع في دين الله ما ليس منه فهو داخل تحت هذا الوعيد.
وقال سبحانه: "بلى مَن كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون" تضمنت الآيتان قاعدة جليلة، وأصلاً من أصول الإيمان، وهي أن الأحكام الأخروية مُترتبة على الأوصاف لا على الأعيان.
وفي قوله تعالى: "وبالوالدين إحساناً" الأمر بتعظيم الوالدين والإحسان إليهم من غير قيد أو شرط ولو كانا غير مؤمنين. كيف يُفهم هذا من الآية؟
الجواب: أن الله تعالى علّق الإحسان إليهم بصفة كونهما (والدين)، ومن المعلوم في قواعد الأصول: أن الحكم المترتب على الوصف مُشعر بعليّة ذلك الوصف.
وفي قوله تعالى: "وذي القربى" لطيفة دقيقة: لم يقل: ذوي القربى مع أنه سبحانه قال: "اليتامى والمساكين" كلها بصيغ الجمع، وهاهنا إفرد اللفظ (ذي)؟
قيل: كأن فيه إشارة إلى أن ذوي القربى وإن كثروا فهم كشيء واحد، لا ينبغي أن يضجر من الإحسان إليهم.
وفي قوله تعالى: "وقولوا للناس حُسناً " فائدتان لطيفتان:
الأولى: عند ذكر الوالدين وذي القربى واليتامى كان الأمر بالإحسان إليهم بالفعل، وهاهنا تحول الخطاب من الإحسان الفعلي إلى الإحسان القولي. قالوا: والسر في ذلك أن الإحسان بالفعل إلى جميع الناس ليس في المقدور، ومن حكمته سبحانه ورحمته أنه لا يأمر بغير المقدور؛ ولهذا أمر هنا بما يُمكن وهو الإحسان القولي دون ما لا يُمكن وهو لا الإحسان الفعلي لجميع الناس.
الثانية: تضمنت هذه العبارة الإشارة إلى جميع الآداب. قال الرازي في التفسير: قال أهل التحقيق: كلام الناس مع الناس إما أن يكون في الأمور الدينية، أو في الأمور الدنيوية.
فإن كان في الأمور الدينية فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان، وهو كما قال تعالى لموسى وهارون: " فقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى "أمرهما الله تعالى بالرفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله تعالى، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: "ولو كُنتَ فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك … الآية ".
وإما في دعوة الفساق فالقول الحسن فيه مُعتبر قال تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة " وقال "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".
وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله: "وقولوا للناس حُسناً".انتهى.
وفي قوله سبحانه وتعالى: "أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض" التوبيخ الشديد لِمَن يُقرُّ ببعض الشريعة ويُنكر البعض الآخر، وأن فعله مثل فعل اليهود – قبحهم الله -.
ومن الفوائد العزيزة: أن هذا اللفظ من الآية قد تضمن الرد على جميع أهل البدع في شريعتنا، والإنكار على جميع أهل الأهواء بأقوى دليل وأوضح برهان، لماذا؟
لأن جميع البدع مبنية على إنكار بعض الشرع، وجميع البدع سببها الرئيس هو تجزئة أحكام الدين والإيمان ببعض الكتاب.
وفي هذه الآية الكريمة أدل دليل على إبطال القول بإقصاء الدين والشريعة من شؤون السياسة والحكم والحرب، والآية الكريمة نص في ذلك قال سبحانه: "وإذ أخذنا ميثاقكم لا تُسفكون دماءكم ولا تُخرِجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون". قال أهل التفسير: كان الله قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المُظاهرة، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أُمروا به إلاّ الفداء، فوبخهم الله توبيخاً يُتلى فقال: " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ". والله تعالى أعلم.
يتبع