الموضوع: الغني جل جلاله
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 04-10-2019, 06:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,641
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الغني جل جلاله

الغني جل جلاله


د. شريف فوزي سلطان



ظ£- تقوى الله جل جلاله:
فمن اتقى الله بفعل ما به أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وراقَبه في السر والعلن، أغناه من فضله وفتح عليه من بركات السماوات والأرض؛ قال تعالى: ï´؟ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ï´¾ [الأعراف: 96].
قال الإمام الرازي: "بركات من السماء بالمطر، وبركات من الأرض بالنبات والثمار، وكثرة المواشي والأنعام، وحصول الأمن والسلامة؛ وذلك لأن السماء تجري مجرى الأب، والأرض تجري مجرى الأم، ومنهما يحصل جميع المنافع والخيرات..."[14].
مَرَّ عبدالله بن عمر (رضي الله عنهما) مع أصحاب له في بعض نواحي المدينة، فوضعوا سُفرةً، فمرَّ بهم راعي غنمٍ، فسلَّمَ، فقال ابن عمر: هَلُمَّ يا راعي، هَلُمَّ، فأصِب من هذه السفرة، فقال: إني صائمٌ، فقال ابن عمر: أتصوم في هذا اليوم الحار وأنت في هذه الجبال ترعى هذه الغنم؟ فقال: أي والله أُبادر أيامي الخالية، فقال له ابن عمر - وهو يريد أن يختبر ورعه وتقواه -: بِعْنا شاةً من هذه الغنم نُعطيك ثمنها ونعطيك من لحمها، فقال: إنها ليستْ لي، إنها غنم سيدي، فقال ابن عمر: فما عسى سيدك فاعلًا إذا فقدها، فقلت: أكلها الذئب؟ فولَّى الراعي مدبرًا، وقد رفع أُصبعه إلى السماء، يقول: أين الله؟ فجعل ابن عمر يرددها: أين الله؟ أين الله؟ فلما قدم ابن عمر المدينة بعث إلى مولاه - مولى الراعي - فاشترى منه الغنم واشترى منه الراعي، فأعتق الراعي ووهب له الغنم"[15].
فتأمل: كيف حققت التقوى الغنى، وَلَنعيمُ الآخرة أعظم غِنًى.
ظ¤- الاستغفار:
وكيف لا وفي الاستغفار حياةُ القلوب، وتفريج الكروب، وغفران الذنوب، ونيل كل مطلوب؟
أما علمتَ أن استغفار الأسحار مفتاحُ جنة الأبرار؟ قال عز من قائل: ï´؟ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ï´¾ [الذاريات: 17، 18].
ï´؟ كَانُوا ï´¾؛ أي: المحسنون، ï´؟ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ï´¾؛ أي: كان هجوعهم؛ أي: نومهم بالليل، قليلًا، وأما أكثر الليل، فإنهم قانتون لربهم، ما بين صلاة، وقراءة، وذكر، ودعاء، وتضرُّع.
ï´؟ وَبِالْأَسْحَارِ ï´¾ التي هي قبيل الفجر، ï´؟ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ï´¾ الله تعالى، فمدوا صلاتهم إلى السحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل، يستغفرون الله تعالى، استغفار المذنب لذنبه، وللاستغفار بالأسحار فضيلةٌ وخصيصةٌ ليست لغيره؛ كما قال تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة: ï´؟ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ï´¾ [آل عمران: 17][16].
فكيف يؤثرك الله بجنته وأنت لا تؤثره حتى على فراشك ونومتك!
‏قَالَ مَالِكُ بِنُ دِينَارٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ): "البُكَاءُ عَلَى الخَطِيئَةِ يَحطُ الذُّنوبَ كَمَا تَحطُ الرِّيحُ الوَرقَ اليَابِس"[17].
فأي فوز هذا عندما يمثُل المرء أمام ربه وقد تناثرت ذنوبه كأوراق الخريف؟!
فلا تستهن بلحظة استغفارٍ واحدة، فلا تعلم كم من الخير ستُرزق وكم من البلاء سيُرفع عنك!
قال تعالى في سورة نوح: ï´؟ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ï´¾ [نوح: 10، 11]، المطر الذي به حياة الزروع والثمار والدواب والأبدان، ï´؟ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ï´¾ [نوح: 12]، المال والولد اللذان هما زينة الحياة الدنيا، ï´؟ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ï´¾ [نوح: 12].
الحياة الجميلة الغنى العز في الأولى والآخرة.
فهل أكثرت من الاستغفار، وجعلت لنفسك وردًا منه حتى يغنيك الله؟
دواؤك منك ولا تشعُر *** وداؤك فيك ولا تُبصر
ظ¥- الاستغناء بالغني عن الفقراء، بالخالق عن الخلق:
كما قال صلى الله عليه وسلم: "ومن يستعفف يُعفه الله، ومن يستغنِ، يُغنِه الله"[18].
ويدخل في ذلك صدق التوكل على الله، بالركون إليه، واعتماد القلب حقيقةً عليه، مع الأخذ بالأسباب، فالجوارح تأخذ بالأسباب والقلوب متعلقةٌ صدقًا بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى؛ ï´؟ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ï´¾ [الطلاق: 3]؛ أي: كافيه.
فمن توكل على الله حقًّا كفاه، ومن استغنى به أغناه، ومن فوَّض الأمر إليه هداه، وجاد عليه بالنعم وأعطاه.
ظ¦- الرضا بما قسم الله:
الرضا عبادة قلبية عظيمة، تتمثل في الخضوع والامتثال التام لقضاء الله، والتسليم الكامل لأوامره، والرضا نقيض السخط، يرضى المؤمن ويُذعن لما اختاره الله له، فلا يجزع لأمرٍ داهمه، ولا يرغب فيما منع الله عنه، موقنًا مؤمنًا أن أمر المؤمن كله خير، فالرضا نعيم الصابرين، وجنة المؤمنين، فيها يستريحون من عناء الدنيا، وهموم النفس وضِيقها، ففي الرضا بقضاء الله وما قسمه غنى في النفس وراحة للبال، على عكس من يسخط ولا يرضى بما قسمه الله، فإنه يكون على الدوام في شدٍّ وجذبٍ مع نفسه وفي كدرٍ وضيق؛ لذلك أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بالتحلي بالرضا حتى نحوز ثمرته، حين قال: (وارضَ بما قسمَ اللهُ لَك تَكن أغنى الناسِ)؛ كما ورد في حديث أبي هريرة التالي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهنَّ، أو يعلم من يعمل بهنَّ؟»، قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ يدي فعدَّ خمسًا، فقال: «اتَّقِ المحارم تكن أعبدَ الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك؛ فإنَّ كثرة الضحك تُميت القلب»[19].
ظ§- فتح باب الصدقات:
يقول صلى الله عليه وسلم: "ما فتح رجل باب عطية بصدقة أو صلة، إلا زاده الله تعالى كثرةً"[20].
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "أَنْفِقْ، أُنْفِق عليك"[21].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: "أنفق يا بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا"[22].
فالمؤمن لا يصل إلى عطايا الله إلا بالأعطيات، ولا ينال هباته إلا بالهبات.
ظ¨- الإقبال على الزواج تعفُّفًا:
أي: بنية العفاف، حفظ الفروج، وغض الأبصار؛ قال تعالى: ï´؟ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ï´¾ [النور: 32].
قال أبو بكر ( رضي الله عنه): "أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، يُنجز لكم ما وعدكم من الغنى"، وقال ابن مسعود: "التمسوا الغنى في النكاح"[23].
وفي الحديث يقول (عليه الصلاة والسلام): "ثلاثةٌ حقٌّ على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله"[24].
ظ©- بر الوالدين وصلة الأرحام: ذلك لأن الواصل موصول، ففي الصحيحين يقول صلى الله عليه وسلم:
"الرحم معلقةٌ بالعرش، تقول: مَن وصلني وصلَه الله، ومَن قطعني قطَعه الله"[25].
وقال صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنْسَأُ له في أثره، فليبرَّ والديه، وليصل رحمه"[26].
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أهل البيت لَيكونون فجرة، فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا"[27].
ظ،ظ*- المتابعة بين الحج والعمرة:
كما قال صلى الله عليه وسلم: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكيرُ خبث الحديد والذهب والفضة"[28].
ظ،ظ،- الدعاء واللجأ إلى رب الأرض والسماء:
فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: "اللهم إني أسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغنى"[29].
فمن رُزق الهدى والتقى والعفاف والغنى، نال السعادتين، وحصل له كل مطلوب، ونجا من كل مرهوب.
وعن عليٍّ رضي الله عنه أن مكاتَبًا [مدينًا] جاءه، فقال: إني عجزت عن كتابتي، فأعني، فقال: ألا أُعلمك كلماتٍ علمنيهنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان عليك مثل جبل صيرٍ دينًا أداه الله عنك؟ قل: "اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك"[30].
وقال تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي، كلكم جائعٌ إلا من أطعمته، فاستطعموني أُطعمْكم، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني، أُكسكم..."[31].
فواعجبًا ممن صُرف عن الدعاء، ما الذي صرفه؟ أضعفُ ثقته في مولاه؟ أم غفلته عمَّن خلقه وسواه؟
أم سوء ظنه بالله؟ أم أعمته دنياه وأضله هواه؟
وأخيرًا:
اعلم أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، أن يكون العبد راضيًا قانعًا بما قسمه له الله، شاكرًا لما أعطاه إياه؛
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الغنى عن كثرة العرض، لكن الغنى غنى النفس"[32].
وعن عمرو بن تغلِب رضي الله عنه قال: أُتيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال أو سبي فقسَمه، فأعطى رجالًا، وترك رجالًا، فبلغه أن الذين تركهم - يعني لم يعطهم - عتبوا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فوالله إني لأعطي الرجل، وأدَع الرجل، والذي أدع أحبُّ إليَّ من الذي أعطي، ولكني إنما أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكِلُ أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب، هذه تزكية من النبي صلى الله عليه وسلم له، منهم عمرو بن تغلب، قال عمرو بن تغلب: فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حُمر النعم"[33].
وعَنْ أَبِي ذرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَرَى كَثْرَةَ الْمَالِ هُوَ الْغِنَى؟"، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَتَرَى قِلَّةَ الْمَالِ هُوَ الْفَقْرُ؟"، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ"[34].


[1] رواه البخاري.

[2] رواه مسلم.

[3] رواه مسلم.

[4] رواه أبو داود وغيره، وصححه الألباني.

[5] رواه الترمذي، وصححه الألباني.

[6] رواه مسلم.

[7] رواه البخاري.

[8] رواه البخاري.

[9] الدرر المنثور للسيوطي.

[10] رواه أحمد والترمذي، وصحَّحه الألباني.

[11] رواه ابن حبان وابن ماجه، وصحَّحه الألباني.

[12] لطائف المعارف؛ ابن رجب.

[13] الإخلاص لابن أبي الدنيا.

[14] التفسير الكبير.

[15] رواه أحمد في كتاب الزهد، وانظر الداء والدواء لابن القيم.

[16] سير أعلام النبلاء؛ الذهبي.

[17] تفسير السعدي.

[18] الرقة والبكاء؛ لابن أبي الدنيا.

[19] متفق عليه.

[20] رواه الترمذي.

[21] رواه أحمد، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع.

[22] متفق عليه.

[23] رواه البيهقي والطبراني في الكبير، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع.

[24] انظر تفسير ابن كثير.

[25] رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصحَّحه الألباني.

[26] متفق عليه.

[27] رواه ابن حبان في صحيحه، وحسَّنه الألباني.

[28] صحيح الترمذي.


[29] رواه مسلم.

[30] رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني.

[31] رواه مسلم.

[32] رواه البخاري.

[33] رواه البخاري.

[34] أخرجه ابن حبان والحاكم، وصحَّحه الألباني.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.19 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.18%)]