
04-10-2019, 01:36 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,571
الدولة :
|
|
رد: لطائف من القرآن الكريم
لطائف من القرآن الكريم [1/3]
د. صالح بن أحمد الغزالي
الحلقة الثامنة:
حديثنا في هذه الحلقة عن قول الحق سبحانه وتعالى: "مالك يوم الدين".
هذه الآية الكريمة تتكون من ثلاث كلمات: "مالكْ" و "يومْ" و "الدينْ". والتفسير لألفاظ القرآن والكشف عن معانيها، لابد فيه من النظر إلى ثلاثة أمور: إلى اللفظ بمفرده، وإلى اللفظ مُركباً مع غيره، وإلى الجملة كاملة، والأمر الثالث: أن ننظر إلى ارتباط الآية أو الجملة بما قبلها و بما بعدها، وأن نتأمل في الدلالات المحيطة باللّفظ، والإشارات التي تُفهم من السياق.
ولنبدأ بذكر معاني الآية كلمة كلمة:
"مالك" فيها قراءتان سبعيتان، قراءة عاصم والكسائي "مالك" بالألف، اسم فاعل من المِلك، كقوله سبحانه: "مالِك المُلك" [آل عمران:26]. وقرأ الباقون السبعة "مَلِكْ "، كقوله سبحانه: "المَلِكُ القدوسُ" [الحشر:23]. و "مالك" مأخوذة من المِلْك، ومَلِك مأخوذة من المُلك، والمالك هو المتصرف بالأعيان المملوكة كيف شاء وبما شاء، والمَلِك هو الذي يأمر وينهى فيُطاع.
وقد طوّل أهل التفسير الكلام على ترجيح أحد القراءتين، وأشهر ما قيل:
إن المَلِك أبلغ في الدلالة على الملكية ؛ لأن أمره نافذ على المالك في ملكه.
وقيل: لفظ (المالك)أبلغ ؛ لأنه يكون مالكٌ للناس وغيرهم، والمَلِك لا يكون إلا على الناس، فلا يُقال: ملكٌ على البهائم وعلى الحجارة!
ومن أوجه الترجيح اللطيفة أن (مالك) أكثر حروفاً من (مَلِك) والزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، وأيضاً قيل: أنها تدل على الزيادة في الأجر فإن لقارئ مالك) عشر حسنات زيادة على مَن قرأ (ملك).
فإن قيل: هل يصح الترجيح بين القراءات، وكلها كلام الله؟
فالجواب: أن الترجيح إن كان على وجه التنقيص من القراءة الأخرى، فهذا لاشك حرام، ولا يستحله مسلم عالم ذاكر لما يقول.
وأما إن قُصد المُقارنة بين لفظ (مالك) و (ملك)، وأن نُبيّن ما يتضمنه كل منهما من مزية، فهذا لا بأس به.
فإن قيل: ما الفائدة من وجود القراءتين، من جهة اللفظ والبلاغة؟
فالجواب: إن القراءتين للكلمة القرآنية بمثابة الآيتين، وهذه قاعدة ولعله من كمال بلاغة القرآن أن يجيء في الموضع الواحد بالكلمتين، فتُقرأ هذه مرة وهذه مرة، وبذلك تكتمل الدلالة على ملكية الله تعالى لذلك اليوم العظيم. قال الإمام القرطبي – رحمه الله –: إن وُصِفَ الله سبحانه بأنه (مَلِك) كان ذلك من صفات ذاته، وإن وُصِفَ بأنه (مالك) كان ذلك من صفات فعله.
ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في جامع الترمذي أنه يقرأ بـ (ملك) ويقرأ بـ (مالك)، قال العلماء: ومن كمال الاقتداء به صلى الله عليه وسلم أن نفعل ذلك فنقرأ بهذه تارة وبتلك تارة ؛ لكن بشرط أن لا يحصل به التشويش على العامة والتشكيك لهم في كلام الله تعالى.
جاء بعد لفظ (مالك) لفظ (يوم). فما هو اليوم؟
اليوم يُطلق في لغة العرب على الجزء من الزمن. واليوم في الشرع: هو ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والأيام عند الله يقدرها بما شاء سبحانه، فيوم عند ربك بألف سنة، ويوم بخمسين ألف سنة وهكذا.. لكن ما هو اليوم الحقيقي؟ إن اليوم الحقيقي، وإن اليوم الحق هو يوم القيامة، كما قال سبحانه:"ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا" وقال: "اليوم تُجزى كل نفس ما كسبت".
وأما لفظ (الدين) فهو يدل على الجزاء ؛ لأن الله تعالى يدين الناس على أعمالهم،، ويوم الدين هو يوم القيامة ومبدأ الآخرة.
وقوله تعالى: "مالك يوم الدين" فيها فوائد جمة، فمن فوائدها: إثبات القدرة العظيمة لله عز وجل، وأنه يُعيد الخلق كما بدأه.
ومن فوائدها: تخويف الناس من يوم القيامة.
ومن فوائدها: إثبات العدل لله سبحانه، فإنه قال: "يوم الدين". ولم يقل: يوم الحساب ؛ لأن لفظ الدين أدل على إثبات المُجازاة بالعدل.
ومن فوائدها: إظهار العجز التام للناس، وإثبات العبودية المحضة لجميع الخلق، ففي يوم الدين لا حرية لأحد، ولا إرادة لأحد، ولا ملك لأحد، ولا تصرف لأحد، إلا لله الواحد الأحد.
وإن قيل: لما قال سبحانه: "مالك يوم الدين" وهو سبحانه مالك لجميع الأيام؟
فهذا له أجوبة:
من أجوبته: أن التخصيص لا يعني الحصر، يعني تخصيصنا لشيء بالذكر لا ينفي غيره، فلو قلنا: فلان يملك كذا من الإبل، فهذا لا يعني أنه لا يملك غيرها.
وقد تقرر أن الله تعالى مالكٌ لجميع الأيام، ومالكٌ لجميع الأوقات، مالك للدنيا والآخرة، وفي سياق الآيات إثبات الملكية التامة لله، وهذا حاصل بقوله تعالى: "رب العالمين"، فالعالمين كل ما سوى الله تعالى، وهو عام في الدنيا والآخرة.
ومن الأجوبة البديعة: أن يوم الدين يوم لا يُنازع الله في ملكيته أحد، في الدنيا كانوا يُنازعونه في الملك ولو بالكذب، أما في الآخرة وفي يوم القيامة فلا يجرأ أحد أن يُنازع الله في شيء ولو بالكذب، لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار. لمَن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار.
في الدنيا هنالك ملك مجازي، وهنالك حرية وتصرف من المخلوقين، وهنالك أسباب ومُسببات، أما يوم القيامة، فإن الله تعالى يتصرف لوحده لا أحد يتصرف غيره، والله يملك لوحده لا أحد يملك غيره، والله يُجازي لوحده لا يُنازعه أحد، لا ظاهراً ولا باطناً، ولا حقيقة ولا مجازاً.
قوله: "يوم الدين" إثبات لهول يوم الدين وتعظيم ليوم القيامة، فإن الله مالكٌ ليوم الدين ولغيره ولكن خصه بالذكر لتعظيمه ولعظمته، ميّزه لهوله وميّزه لجلالته وأهميته.
وهذا التميُّز فيه إظهار عظمة الخالق ، أيضاً فيه إظهار عظيم الملك لله. فنحن مثلاً إن أردنا فإننا ننسب الملك إلى شخص فننسب إليه أعظم الأشياء وأفضلها. لو أننا نعلم شخصاً من الناس يملك الذهب العظيم الخالص، ويملك بإزائه شيئاً حقيراً كخزف أو قش، فنحن نقول: فلان مالك الذهب. ولا نقول: مالك الخزف. فإن الخزف أمام الذهب لا شيء، والدنيا أمام الآخرة لا شيء، ولهذا قال: "مالك يوم الدين".
بقي الحديث عن المُناسبة بين الآيات:
لننظر في ارتباط الآية بما قبلها، ارتباط "مالك يوم الدين" بـ "الحمد لله".
بينهما تناسب، لو تأملنا لوجدنا أن الكلام في قوة: الحمد لله لأنه مالك يوم الدين. لماذا؟
يوم الدين يُقيم الله تعالى فيه العدل، يوم الدين يقتص فيه المظلوم من الظالم حتى الشاة العجماء، العدل والإنصاف لا يكون إلا في يوم الدين، لا يكون في الدنيا عدل تام حتى لو نُفذ الشرع، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إنني أقضي بما أسمع).
أيضاً يوم الدين هو الذي يصلح أهل الدنيا، كيف هذا؟
لولا يوم الدين لرأينا غير الذي نراه، يوم الدين يجعلنا نستقيم فلا ننحرف، يجعلنا لا نظلم، لا نسرق، لا نغتاب، لا نقتل.
وهاهنا لطيفة دقيقة: أن الله ذكر في أول السورة خمسة أسماء له: الله، الرب، الرحمن، الرحيم، الملك أو المالك. لماذا؟ أو ما الفائدة؟
قال في التفسير الكبير: السبب فيه كأنه يقول: خلقتك أولاً، فأنا إله. ثم ربيتك بوجوه النعم، فأنا رب. ثم عصيتَ فسترتُ عليكَ، فأنا رحمن. ثم تُبتَ فغفرت لك، فأنا رحيم. ثم لابد من إيصال الجزاء إليكَ، فأنا مالك يوم الدين.
وقال تعالى: "الرحمن الرحيم" ثم قال: "مالك يوم الدين". فما فائدة التعقيب هنا؟
قال العلماء: لمّا بيّن الرحمة المُضاعفة، فكأنه قال: لا تغتروا بذلك، فإني مالك يوم الدين، فهذا جمع بين الترغيب والترهيب، وقدم (الرحمن) على (مالك) ؛ لأن الرحمة سبقت في علم الله غضبه وعقوبته. *
الحلقة التاسعة:
يقول المولى سبحانه وتعالى: "إياك نعبد وإياك نستعين".
هذه الآية هي الآية الرابعة من سورة الفاتحة سبقتها ثلاث آيات، وستتلوها ثلاث آيات أو اثنتان، وقد جعل الله تعالى الفاتحة نصفين، وجعل هذه الآية نصفين. فالآيات الثلاث الأول كلها ثناء على المولى سبحانه وتمجيد، والآيات الثلاث الأخيرة كلها دعاء من العبد إلى ربه ومولاه.
وأما هذه الآية فهي نصفان نصفها للرب، ونصفها للعبد، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين. قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل.
"إياك نعبد" أي لك يا ربنا نُصلي ونسجد ونحفد ولا نعبد سواك ولا نتوجه إلى غيرك. معناها: نُخلص العبادة لك ونُخلص التوحيد لك، ولا نُشرك معك غيرك، معناها: أنت المُستحق للعبادة وحدك.
و " إياك نستعين " أي نستمد العون منك في جميع الأمور ولا نستعين بأحد سواك، ولا نطلب العون إلا منك. معناها: نُعلن لك عجزنا وضعفنا، ونُعلن براءتنا من كل حول ومن كل قوة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
هذه الآية دلتنا على أساس ديننا، دلتنا على لب شريعتنا، ودلتنا على سر وجودنا.
هذه الآية بمثابة قولنا: لا إله إلا الله، هي توازي كلمة التوحيد في المعنى، تتضمن إثبات العبادة لله وحده، وتتضمن نفي العبادة عما سواه سبحانه، وهذا المعنى هو أساس الدين وسر الوجود، وهذا المعنى هو الغاية التي أُنزل القرآن لأجلها.
ولهذا جاء عن بعض السلف تعظيم هذه الآية، روي عن بعضهم: أن معاني القرآن الكريم تعود إلى هذه الآية. وقال بعضهم: "إياك نعبد وإياك نستعين" سر القرآن.
هذه الآية الكريمة مع قصر ألفاظها قد حوت المعاني العظيمة، وقد حوت البلاغة العجيبة، عجائب هذه الآية لا تقضى.
نذكر منها ما يتسع له المقام:
هذه الآية جاءت بصيغة موجزة، ولكن بأسلوب بليغ جداً، ومن بلاغتها أنها تدل على حصر العبادة في عبادة الله، وعلى اختصاص التوحيد به سبحانه ونفي الشريك عنه.
قال تعالى: "إياك نعبد وإياك نستعين" تقديم "إياك" هنا يفيد الحصر، ويفيد الاختصاص، قالوا: لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، و"إياك" هنا مفعول به وحقه التأخير، وعامله "نعب " و "نستعين". قال ابن القيم – رحمه الله -: فهو في قوة: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.
من فوائد تقديم "إياك" كذلك: العناية والاهتمام، فإن شأن العرب أن تقدم الأهم، قالوا: ولئلا يتقدم ذكر العبد على ذكر الرب سبحانه.
وقال سبحنه: "إياك نعبد وإياك نستعين" ولم يقل: أعبد وأستعين، لماذا؟ يعني ما الفائدة من نون الجمع هنا؟
هذا التعبير القرآني فيه فوائد، وفيه دلالات عظيمة، وفيه إشارات لطيفة.
فيه تنبيه العابد على صلاة الجماعة فيقال له: احضر إلى بيت الله وصلي مع المسلمين. كيف؟ لأنه يقول: نعبد ويقول نستعين. في صلاته، وهذا اللفظ يدل على الجماعة، فلزم منه أن يكون المُصلي في الجماعة، ليكون أصدق وأدق في التعبير.
من فوائد (نون الجمع) تعلم العبد حُسن السؤال من الله، وتعليمه أدب الخطاب بين يدي مولاه، قال بعض المفسرين: كأن العبد يقول: إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث تُستحق أن أذكرها وحدها ؛ لأنها ممزوجة بالذنوب والتقصير، ولكن أخلطها بعبادات جميع العابدين، وأذكر الكل بعبارة واحدة، وأقول: "إياك نعبد" قالوا: وهذا أدعى للقبول.
وقد فرع الفقهاء مسألة: وهي أن الرجل إذا باع من غيره عشرة عبيد فإن المُشتري إما أن يقبل الكل أو لا يقبل واحداً منها، وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة بتلك الصفة. بل جاء في الحديث: هم القوم لا يشقى جليسهم.
ومن الفوائد: أن لفظ نعبد بالجمع يدلنا على إثبات علم الغيب لله. لماذا؟ لأن الفاتحة قد فرض الله قراءتها في صلاة الجماعة في الجهر وفي السر، وقد نزلها قبل فرض صلاة الجماعة بهذه الصفة. والصياغة "نعبد" و "نستعين".
ومن الفوائد: أن لفظ "نعبد" بالجمع يدلنا على الاجتماع يدلنا على إيجاب التعاون بين المؤمنين. كيف؟
من وجوه، منها: أن المؤمنين الذين يجتمعون على عبادة الله وهي أعلى المطالب، يجب أن يجتمعوا على غيرها. ومنها: أن المؤمنين الذين يعبدون إلهاً واحداً ويستعينون به حري أن تكون كلمتهم واحدة، وأن يكون رأيهم ووجهتهم واحدة. ومنها: أن العبادة لفظ جامع لكل عمل يُحبه الله ويرضاه، وقد جاء هنا بلفظ الجمع، فدل على التعاون في كل عمل يُحبه الله.
قال تعالى: "إياك نعبد وإياك نستعين" ولم يقل: إياك نستعين وإياك نعبد.
قال العلماء: تقديم العبادة هنا على الاستعانة من باب تقديم الغايات على الوسائل، فالعبادة غاية والاستعانة وسيلة لها، والغاية أحق وأولى بالتقديم.
وقيل: إن العبادة حق لله، والاستعانة حق للعبد، وما كان حق لله فهو أولى بالتقديم.
فإن قيل: لمَ كرر الضمير "إياك" مرتين؟ أي ما فائدة تكرار الضمير؟
قيل جواباً: إن التكرار هنا له فوائد:
من فوائده: العناية بالمعبود وتعظيمه وتقديمه.
ومن فوائده: تأكيد الاختصاص والحصر، ليتأكد أن العبادة والاستعانة لا تكون إلا لمن دل عليه ضمير إياك وهو الله سبحانه وتعالى.
ومن فوائده: ليحصل شيء من التفريق بين العبادة والاستعانة، فالعبادة لا تكون إلا لله، والاستعانة قد تكون بالمخلوق فيما يقدر عليه، وقد قال الله سبحانه: "وتعاونوا على البر والتقو ".
هذه الآية وردت بأسلوب الحاضر، والآيات التي قبلها كلها بأسلوب الغائب "الحمد لله" غيب" رب العالمين "غيب" الرحمن الرجيم "غيب" مالك يوم الدين "غيب" إياك نعبد وإياك نستعين " حاضر. انتقل الخطاب من الغيب إلى الحضور. ومن الغياب إلى الشهود. لماذا؟
أولاً: التنقل في أسلوب الخطاب له فائدة عامة، وهذه الفائدة: هي لفت الأنظار وتنبيه السامع وحضه على مزيد التركيز والعناية، يعني أن هذه الجملة وهذا المعنى عظيم فتنبه عنه وأصغ له سمعك.
لماذا قال: "إياك نعبد" بأسلوب الحاضر؟
"إياك نعبد وإياك نستعين" سؤال ودعاء والتجاء إلى الله، وما كان كذلك فالأليق فيه المُشافهة والمُخاطبة المُباشرة، والآيات قبلها هي ثناء ومدح وتمجيد، والأليق في شأن الثناء هو خطاب الغيبة لا الحضور.
ومن اللطائف: أن يقال: مقام العبادة هو مقام الحضور بين يدي المولى، وهو ميدان المُراقبة لله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". فناسب لأجل هذا أن يأتي بأسلوب الحضور والشهود.
الحلقة العاشرة:
الحديث في هذه الحلقة عن قول الحق سبحانه وتعالى: "اهدنا الصراط المُستقيم".
لنتدبر الآية ونقف عند ألفاظ الآية كلمة كلمة. اهدنا. الصراط. المُستقيم. ونعرض القول في معانيها ودلالاتها الإجمالية، ونقف على الفوائد منها.
"اهدنا" فعل أمر بمعنى دلنا، والأمر هنا بمعنى الدعاء. لماذا؟ لأن الأمر إن جاء من الأدنى إلى الأعلى، ومن الأقل إلى الأعظم فهو يدل على الدعاء وعلى الترجي.
الفاعل هنا ضمير مستتر تقديره (أنت) أي يا ربنا اهدنا. و (نا) في "اهدنا" ضمير متصل في محل نصب مفعول أول، والصراط مفعول ثانِ.
قال العلماء: الهداية في اللغة: هي الدلالة إلى الخير، والهداية في الشرع قسمان: هداية بيان وإرشاد وتوضيح، وهداية توفيق وإلهام وقبول. هداية البيان هي التعريف بالحق وهذه الهداية مُثبتة للخالق ومُثبتة للمخلوق، وهداية الإلهام والتوفيق وهذه لا تكون إلا للخالق سبحانه، ولا يقدر عليها إلا الله سبحانه، حتى نبيه صلى الله عليه وسلم لا يقدر عليها "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء".
الهداية في هذه الآية بمعنى: ألهمنا دينك الحق، ووفقنا للعمل به، ودلنا دلالة التوفيق ودلالة العمل والإلهام. لماذا؟
قال بعض العلماء: لأن الهداية إذا كانت مُتعدية بإلى فهي للدلالة وللبيان وللإرشاد فقط كما قال الله:" وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم". وإن كانت مُتعدية بنفسها فهذه تكون الإلهام والتوفيق والعمل. والهداية هنا مُتعدية بنفسها.
الهداية هي الدلالة بلطف، وهي الدلالة إلى الخير، والتخصيص هنا فيه نكتة. والنكتة هي: اختصاص الدلالة بالدلالة إلى الخير ؛ لأن التلطف يُناسب مَن أُريد به الخير.
وقال سبحانه: " اهدنا " بصيغة الجمع. لماذا؟ لأن الذي يدعو به يدعو به في الصلاة، وقد تكون الصلاة جهرية، واللائق بالإمام أن يدعو له ولغيره، وهذا فيه إثبات علمه سبحانه بالغيب، وإثبات رحمته بالخلق.
وقيل: إن الدعاء للمؤمنين حسن في كل حال، ولكن هذا من حقوق الأخوة الإيمانية، وجاءت بلفظ الآية.
وقيل: إن الدعاء بصفة الجمع؛ لأنه هو أقرب إلى القبول. والكل جائز والكل معنى صحيح.
قال سبحانه: " اهدنا الصراط " فما هو الصراط؟
[ or=******text]الصراط هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه، قال الإمام الطبري – رحمه الله -: وهذا المعنى مُتفق عليه.[/ or]
والصراط هنا هو دين الإسلام، فإن الله يقول: "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم. ديناً قيماً" [الأنعام: 161]، فقوله: "ديناً قيماً" تفسير لقوله: "صراط مستقيم" وهكذا هنا، والقرآن يُفسر بعضه بعضاً.
وقد اتفقت كلمة العلماء على تفسير الصراط بهذا المعنى، ولكن اختلفت تعبيراتهم، قال بعضهم: الصراط هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: هو القرآن. وقال بعضهم: هو طريق العبودية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – ما معناه: هذا الاختلاف تنوع في العبارة، واختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وإلا فإن المعنى والمُسمى واحد.
وروي عن بعض السلف أنه قال: الصراط هو الحج. وهذا التفسير لا يُقصد به التعيين ولكن يُقصد به التمثيل. فمثاله: لو سأل رجل من العجم عن معنى الخُبز؟ فجاء شخص وأشار له إلى رغيف. فهذا الجواب يقصد به المثال ولا يقصد به الحصر والتعيين، يعني الرغيف كهذا. وهكذا قوله: الصراط الحج.
ولهذا استعير لفظ الصراط ليدل على دين الإسلام. وإلا فإن الصراط هو الطريق، ولكن الطريق لا يُسمى صراطاً إلا إذا جمع بين أربع خصال ما هي؟ الاستقامة، والإيصال إلى المقصود، والسعة، والقرب.
إذاً التعبير عن الإسلام بالصراط له معانٍ، وله دلالات وإشارات.
الصراط في اللغة: الطريق الواسع، والإسلام هو الدين الحق وهو الطريق الحق، ومن صفاته: أنه الطريق الواسع، وسع الخلق ووسع الحق فهو الدين الذي دعا جميع الخلق إلى جميع الحق، وهو الطريق الذي لم يحوج سالكيه إلى غيره، لم يُحوجهم أن يخرجوا منه ويسلكوا طريقاً غيره.
ولهذا نقول: في هذه الآية رد وتكذيب، رد على مَن قال: إن أحداً من الناس يسعه الخروج عن طريق الإسلام. وتكذيب لمن قال: إن دين الإسلام قاصر، أو أنه عاجز في وقت من الأوقات أو في زمن من الأزمان.
ومن فوائد لفظ "الصراط المستقيم": الإخبار بأن دين الإسلام هو أقرب الطرق وهو أقصر وهو أسرع الطرق. فإن لفظ "الصراط" من صفاته القرب، ولفظ "المستقيم" هو أقرب خط وأقرب طريق بين نقطتين.
ومن الفوائد: أن لفظ " المستقيم " يتضمن الإشارة إلى أنه يوجد طرقاً غير مستقيمة، ويوجد مناهج ملتوية، ولعل هذا تبكيت لليهود والنصارى..
[ or=******text]ومن الفوائد اللطيفة: إيضاح أن الحق واحد لا يتعدد، فإن لفظ " المستقيم " لفظ يدل على الفرد، وأل فيه للعهد، وأن لفظ المستقيم يدل أيضاً على الانفراد، فالمستقيم كما يُعرفه أهل الهندسة هو: أقرب خط يصل بين نقطتين، وهذا لا يكون إلا واحداً، وهكذا طريق الحق لا يكون إلا واحداً كما أخبر الله سبحانه " فماذا بعد الحق إلا الضلال ".[/ or]
ومن الفوائد: الإبانة بأن طرق الباطل كثيرة وهذه واحدة، وأن طرق الباطل ملتوية ومُجهدة ومُتعبة لأصحابها وهذه ثانية، وأنها طرق لا توصل إلى المقصود الصحيح وهذه ثالثة.
هذه الفوائد الثلاث تؤخذ من لحن العبارة، تؤخذ من مفهوم المخالفة للفظ "الصراط المستقيم".
من فوائد الآية الكريمة: التنبيه إلى عظم هذا الدعاء، الدعاء بالهداية إلى الدين، وفضل هذا الدعاء. لماذا؟
لأن هذا الدعاء دعاء قرآني، قد تكلم به الله تعالى في مُحكم التنزيل.
وثانياً: هذا الدعاء قد فرضه الله، فرضه سبحانه في كل صلاة فرضه في كل ركعة أن تقوله وأن تدعو به.
وإن قيل: لمَ قال: "اهدنا الصراط المستقيم " أليس المُصلي مهتدِ، أليس المسلم على الصراط المستقيم هل هذا من تحصيل الحاصل؟
أجاب عنه العلماء بأجوبة، كلها أجوبة صحيحة، وأجوبة مُتقاربة.
منهم مَن قال: "اهدنا الصراط المستقيم" أي طريق المُتقدمين الأولين، وهي طريقة عظيمة ومنازل رفيعة، وهذا تدل عليه الآية التي بعدها "صراط الذين أنعمت عليهم".
ومنهم مَن قال: "اهدنا" أي ثبتنا.
ومنهم مَن قال: أي زدنا. فإن الطريق المستقيم هو الطريق الوسط تماماً، وهذه الوسطية الدقيقة غير مُتحققة لكل مُهتدِ. ولهذا جاء وصف الصراط المستقيم في الآخرة أنه صراط دقيق، أحدّ من السيف وأدقّ من الشعرة.
ومنهم مَن قال: المقصود على الحقيقة، أي طلب الهداية لماذا؟ الإنسان محتاج إلى طلب الهداية في كل وقت وفي كل حين. هو محتاج إلى هداية جديدة في كل وقت ؛ لأنه مكلف في كل وقت بعمل جديد، ولهذا من أحسن ما فُسر به "الصراط المستقيم" هو العلم والعمل في كل وقت بما أمر الله.
هذا التوجيه ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -، وهذا توجيه جيد، وفيه نكتة ولطيفة. ولكنه لا يُعارض ما قيل من التوجيهات، بل يوافقها تماماً، وهو لا يُعارض التفسير بمعنى: زدنا أو ثبتنا.
قال الله سبحانه: "إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم".
بين الآيتين تناسب وبينهما ترابط وتكامل، بينهما توافق في الغاية. كأن المعنى: نحن نعبدك وحدك ونستعين بك وحدك فاهدنا لأجل ذلك إلى الطريق الحق، فهو قد جعل ذكر العبادة المُتقدمة وسيلة لقبول الدعاء.
وأيضاً المعنى: اهدنا الصراط المستقيم والطريق الحق الذي هو طريق عبادتك وإخلاص الاستعانة بك. فعلى هذا، العبادة تفسير للصراط، ولكن جاء ذكرها مُتقدماً عليها. وفي سورة الأنعام جاء ذكر الصراط أولاً ثم العبادة، كما قال سبحانه: "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم، ديناً قيماً". [الأنعام: 161].
وأيضاً المعنى: إياك نعبد ولا نعبد غيرك، فنحن لأجل هذا نطلب الهداية منك لا من غيرك، فالآية الأولى توافق الثانية تمام الموافقة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|