
04-10-2019, 01:32 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,188
الدولة :
|
|
رد: لطائف من القرآن الكريم
لطائف من القرآن الكريم [1/3]
د. صالح بن أحمد الغزالي
نبدأ بذكر فوائد الاستعاذة وحِكمها.
قال بعض العلماء: الحكمة في مشروعية الاستعاذة، أنك تطهر لسانك قبل تلاوة كلام الله تعالى، فالإنسان قد كُتب حظه من اللغو والباطل، وربما وقع في معصية صريحة كالكذب والغيبة وقول الزور، فإذا أراد أن يتلو كتاب الله بلسانه وقد تنجس بالمعصية فلابد إذاً أن يُطَهره، كيف يُطهره؟ يكون ذلك بذِكر الله تعالى، والاستعاذة من الشيطان الرجيم، فالتعوذ إذاً، يُمكن أن يُسمى تطهيراً للسان كما أن التوضؤ تطهير للبدن قبل الشروع في الصلاة.
قال بعض السلف: الحِكمة في الابتداء بالتعوذ قبل القراءة، أن العبد قد ينجس لسانه بالكذب والغيبة والنميمة، فأمر الله العبد بالتعوذ ليصير طاهراً، فيقرأ بلسانٍ طاهر كلاماً أنزله رب طيب. انتهى.
ومن الفوائد: أن في التعوذ قبل التلاوة دلالة على فضيلة الفرآن الكريم، فأنت لا تقرأ هذا القرآن إلا بعد أن تستعد لقراءته، وتتعوذ من الشيطان الرجيم، وهكذا كل عمل عظيم تستعد له.
ومنها أيضاً: الإشارة إلى أن التلاوة لكلام الله عبادة محضة لله، لا يُشرك معه غيره، فلهذا يُطرد الشيطان قبل التلاوة فيكون التالي لكلام الله المتعوذ مخلصاً بلسانه وقلبه، أو هكذا ينبغي أن يكون.
ومن الفوائد: أن الاستعاذة توجب على صاحبها أن يكون حاضر القلب، وأن يكون مُصغياً بسمعه للتلاوة، مُتعبداً عن الاشتغال بغير التلاوة.
لماذا؟
لأنك إذا أردت أن تقرأ قلت بلسانك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأنت إذاً أخبرت عن نفسك، أنك مُقبل على كلام الله تعالى، مُبتعداً عن الشيطان، وعن وسوسته، مُستعيناً بالله على ذلك، فتحقيق القول بلسانك أن يوافق ذلك فعلك وعملك، وإلا كنت غير صادق في استعاذتك.
ومن فوائد الاستعاذة: أنه يعلم العبد حاجته إلى مولاه، وعدم غناه عنه ولو لحظة واحدة، فأنت أيها الإنسان لا يُمكن أن تتغلب على شيطانك لوحدك، ولست بمستطيع أن تنجو منه بقدرتك، فلابد إذاً أن تستعين بقدرةٍ أعظم من قدرتك وأعظم من قدرته.
فمن استعان بنفسه على شيطانه فقد قابل بين قدرة مخلوقٍ ومخلوق، وقد يغلب أحدهما، فإن استعان بالله واستجار بقدرته سبحانه، كانت الكفة لصالحه ؛ لأن قدرة الله ومعونته تصبح مع قدرة العبد، وكانت قدرة الشيطان في جهة، ومن كان الله معه فهو الغالب لا محالة.
ويتفرع من هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي أن المؤمنين لا يتمكنون من النصر على أعدائه من أولياء الشيطان، إلا بعد أن يستعينوا بالله وبدينه وكتابه، فتكون قدرة الله وقوته معهم.
وفي الاستعاذة: درس لأصحاب القلوب الحية، وقاعدة نافعة للمصلحين الذين يُريدون أن يسلكوا طريق الدعوة على بصيرة، وأن يُصلحوا ما أفسده غيرهم.
ففي الاستعاذة قبل القراءة بيان أن الإقدام على الطاعات لا يتوافر إلا بعد الفرار من الشيطان وغوايته، وتصفية القلوب وتهيئتها، وهذا من أنجع الوسائل لنجاح الدعوة وحصول الأثر الطيب في النفس.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا، اللهم ذكرنا منه ما نُسينا وعلمنا منه ما لم نعلم، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يُرضيك عنا.
الحلقة الخامسة
الحديث في هذه الحلقة عن أول آية من فاتحة الكتاب، فاتحة كتاب الإسلام، يقول الله تعالى: "الحمد لله رب العالمين".
ما هو الحمد؟
"الحمد لله" معناه: الشكر لله خالصاً دون سائر ما يُعبد من دونه، و "الحمد لله" هو الثناء على الله بصفات الكمال له، وعظيم الأفعال الصادرة منه سبحانه، "الحمد لله" هو الثناء على الله بالوصف الجميل على وجه التعظيم والتبجيل. قال الجوهري رحمه الله: الحمد نظير الذم، والحمد أعم من الشكر. وقال غيره: الحمد هو المدح والوصف بالجميل، والحمد والمدح أخوان.
فهذه كلمات ثلاث وهي: المدح والشكر والحمد، والكلمة القرآنية هنا هي الحمد، يعني: الكلمة التي اُختيرت في هذا الموضع هي لفظ الحمد، ولهذا حكمة وسرّ، فقول الله: "الحمد لله" لا يُوازيه أي مقولة أخرى، ولا يُغني عنها ولو في المعنى أن نقول الشكر أو المدح أو غيرها. لماذا؟
قال العلماء: الفرق بين الحمد والمدح من وجوه:
الأول: أن المدح قد يحصل للحي وغير الحي، فأنتَ تقول للبستان الأنيق: مدحته. ولا تقول: حمدته ألبته، والحمد أيضا: يتعلق بالإشارة إلى إحسان المحمود عندك، وهذا ما لا يتضمنه لفظ المدح، وثالثاً: أن المدح قد يكون بحق أو بغير حق ولهذا نهي عن كثير منه، بخلاف الحمد فإنه لم يأتِ في الشرع إلا وله معنى لائق ودلالة صحيحة.
وأما الفرق بين الحمد والشكر، فإن معنى الشكر فيه قصور عن معنى الحمد ؛ لأن الشكر لا يكون إلا لأجل إحسان وصل إليكَ أنتَ بشخصك، بخلاف الحمد فهو شكر عام وصل إليكَ أم وصل إلى غيرك، وهذا هو المنطق.
وأيضاً: لم يقل في الآية الكريمة: أحمد الله. وإنما قال: "الحمد لله". لماذا؟ وما الفرق بينهما؟
قالوا: إن عبارة "الحمد لله" أجود، وتدل على معان أعظم؛ لأن القائل لو قال: أحمد الله. لأخبر بذلك عن نفسه فقط، ولفُهم منه أنه قادر على حمده. وأما لو قال: "الحمد لله" ففي هذه العبارة إيضاح أن الله محمود في الأزل وفي الأبد، حمده الحامدون أو لم يحمدوه. ولفظ "الحمد" يُنبئ عن استحقاق الله له سبحانه أي للحمد، بخلاف لفظ (أحمد) فلا تدل على الملكية والاستحقاق.
ونحن إذا تأملنا قول الله تعالى: "الحمد لله". جزمنا أن لفظ الحمد الذي جاء في القرآن هو أكمل العبارات، وهو أفضل الصيغ التي يُمكن أن تُعبر عن الثناء الجميل للمُنعم سبحانه، كيف يكون هذا؟
لنتأمل ونُركز النظر!!
"الحمدُ" جاءت أولاً مُعرفة بألف ولام، وهذه تُسمى (أل) التي لاستغراق الجنس، وهي تدل على معنى كل، ومعنى جميع، يعني: جميع المحامد، وكل المحامد فالحمد لله توازي قولك كل حمد لله. هذه واحدة.
وثانيا: "الحمد لله" جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الاستمرار والدوام، فلفظ " الحمد " يُنبئ عن استمرار الحمد لله في كل آن وفي كل زمان، وهذا هو عين الصواب وعين الحكمة ؛ فإن مقتضى الحكمة أن يظل الخالق سبحانه محموداً، وأن يظل العبد حامداً شاكراً، قال ابن أبي الصلت:
الحمد لله حمداً لا انقطاع له *** فليس إحسانه عنا بمقطوع
وثالثاً: قال الله سبحانه: "الحمدُ " بالرفع، ولم يقل: الحمدَ بالنصب، وفرق بين الاثنين، قال سيبويه: أن الذي يرفع الحمد؛ يُخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق، وأن الذي ينصب يُخبر أن الحمد منه وحده لله تعالى.
يتلخص أن لفظ "الحمدُ" دلنا على ثلاثة أشياء في الحمد:- الأول: أن كل حمد لله وليس حمداً دون حمد. الثاني:أن هذا الحمد مستمر لا ينقطع ألبته. الثالث: أن هذا الحمد يجب أن يكون من كل مخلوق.
ننتقل إلى لفظ الجلالة "الله":
قال سبحانه:"الحمد لله" ماذا يعني هذا؟
يعني أن جميع المحامد مستحقة لله وحده، فلا يستحق الحمد حقيقة غير الله. كيف عرفنا هذا من اللفظ؟
(أل) في لفظ (الحمد) تدل على استغراق كل حمد –كما مرّ– واللام في لفظ الجلالة (لله) هي للاختصاص، أي: تُفيد حصر الحمد في ذات الله.
فقول (الحمد لله) يستلزم انحصار أفراد الحمد كلها في اسم الله تعالى؛ لأنه إذا اختص الجنس اختصت الأفراد، ولو فرض أن فرداً من أفراد الحمد استحقه غير الله لتحقق الجنس في ضمنه، ولما صح دخول لام الاختصاص عل لفظ الجلالة.
فإن قيلَ: ألا يستحق غير الله الحمد؟
قلنا: لا يستحق حقيقة الحمد إلا الله وحده، ولا يستحق الحمد حقيقة إلا الله سبحانه، يعني: لا يخلص الحمد لغير الله، ولا يكمل إلا لله. وهذا المعنى لا ينفي أن نشكر مَن أسدى إلينا المعروف، وأن نحمد الناس على جميل صفاتهم وحُسن أفعالهم، ولكن ينبغي أن نتيقظ لمسألة مهمة، وهي غاية في الدقة، وهذه المسألة: أن كل مَن استحق الحمد من البشر فإن الحمد له ناقص، وأن الحمد له موصول بحمد الله ؛ لأننا إن حمدناهم على عمل صالح فإن الذي وفقهم هو الله، وإن حمدناهم على إحسان ومعروف فإن الدافع له هو الثواب من الله، فآل الحمد كله لله.
"الحمد لله" كلمتان خفيفتان في اللسان، قليلتان في الحروف والألفاظ، ولكنهما عظيمتان جداً في المعنى والمضمون، وثقيلتان جداً في الميزان عند الله.
"الحمد لله" افتتح الله بها كتابه العزيز – القرآن الكريم – وهذا الافتتاح له دلالات عظيمة، من دلالاته: الإشارة إلى أن القرآن هو أعظم النعم وأجل الهبات الربانية للبشر؛ ولهذا أوجب أن يُستفتح بالمدح والثناء لله والتحميد والتمجيد لمُنزل القرآن صاحب النعمة.
القرآن هو كلام الله وذكره سبحانه، وهو حبل الله الذي يصل العباد بربهم ؛ فيُذكرهم بفضله وآلائه، و" الحمد لله " هو أول شعور يجيش في قلب الإنسان عند ذكر الله وعند تذكر آلائه ونعمه.
"الحمد لله " €€افتتح الله بها كتابه قولا وثناءً منه سبحانه لنفسه، إذ لا يُمكن أن يبلغ حمده حقيقة إلا نفسه. قال الإمام القرطبي رحمه الله: معنى: "الحمد لله رب العالمين" أي: سبق الحمد مني لنفسي قبل أن يحمدني أحد من العالمين. وقيل: لمّا علم سبحانه عجز عباده عن حمده حَمَدَ نفسه بنفسِه، ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله: (لا أُحصي ثناءً عليك). وأنشدوا:
إذا نحن أثنينا عليكَ بصالحٍ*** فأنتَ كما نثني وفوق الذي نثني
"الحمد لله" افتتح الله بها كتابه، وهذا تنبيه لنا أن نحمده سبحانه بما حمَدَ به نفسه. قال الإمام الطبري رحمه الله: "الحمد لله" ثناء أثنى الله به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يُثنوا عليه، كأنه قال: قولوا الحمد لله، وههنا لطيفة ينبغي أن تستوقفنا، وينبغي أن نشكر الله تعالى ونحمده عليها. هذه الطيفة: أن الله سبحانه من حكمته ورحمته بنا أن جمع لنا غاية الحمد والثناء عليه في كلمتين اثنتين (الحمد لله) ورضي لنا في هذه العبارة المختصرة أن تقوم مقام الشكر له والثناء عليه
كيف لو أوكل الله لنا الحمد؟
لو وقف الواحد منّا أمام عظيم من عظماء الدنيا، لعجز أن يثني عليه بالحق أو بالباطل، ولتكلف من الكلام الطويل ومن العبارات المُنمقة، وربما نظم القصائد ودبج الخطب. فكيف يبلغ الحمد لله وهو ولي كل نعمة وصاحب كل مزية ؟!
"الحمد لله" تعليم من الله لنا أن نستفتح عملنا بالحمد،كلامنا بالحمد،كتبنا بالحمد، خطبنا بالحمد، وقد فهم النبي صلى الله عليه وسلم وكان في جميع أحواله حامدا لله، وفهم المسلمون ذلك قاطبة، ولهذا كل خطبة لم تبتدئ بحمد الله فهي خطبة جذماء عندهم، وقد لقبوا خطبة زياد بن أبي سفيان التي خطبها بالبصرة بـ (البتراء) ؛ لأنه لم يفتتحها بالحمد.
"الحمد لله" ذكر وفكر، عقيدة وشعور وعمل، هي ليست حروف تُلفظ وأقوال تُردد، وهي ليست عقيدة مُكتنزة لا عمل معها، قال بعض السلف في تفسير "الحمد": هو على ثلاثة أوجه:
أولها: إذا أعطاكَ الله شيئاً، تعرف مَن أعطاك. والثاني: أن ترضى بما أعطاك. والثالث: ما دامت قوته في جسدك، ألا تعصيه. فهذه شرائط الحمد.انتهى.
اللهم لكَ الحمد حتى ترضى، ولكَ الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى، اللهم لك الحمد مثل ما نقول، ولك الحمد فوق ما نقول، لا نُحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيت على نفسك.
الحلقة السادسة:
الحمد هو الثناء كله لله تعالى وليس لغيره، وهذا الثناء يكون لله تعالى لجليل صفاته وعظيم أفعاله الدائرة بين العبد والفضل، وقد كان موضوع الحلقة السابقة: الكشف عن دلالات كلمة (الحمد لله)، وما تحويه من إشارات ولطائف ودقائق.
وقد خلصنا إلى أن هذه الكلمة العظيمة والآية الكريمة لا يوازيها كلمة في شكر الله، وأن "الحمد لله" هو أفضل ما ينبغي أن يُحمد به الله، وليس لفظ يوازيه في المعنى أبداً، وقد توصلنا إلى ذلك من خلال الدلالة اللغوية والأسلوب البلاغي العربي، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحمد لله تملأ الميزان" فهذا نص في أن هذه الكلمة قد بلغت الغاية في الأجر والثواب حتى ملأت الميزان، وما كانت تكون كذلك إلا لأنها قد بلغت الغاية في الثناء على الله والشكر له، فهذا من دلالة لحن الحديث وفحواه.
وقد روي عن بعض السلف رحمهم الله أنه قد ضاع له مال أو متاع فأقسم بالله تعالى إن وجد ضيعته تلك، أن يحمده بقولٍ لم يُحمد الله بمثله، ثم وجد ضيعته تلك فما كان منه إلا أن قال: الحمد لله، فقال له أصحابه: إنكَ قد قُلتَ إن رد الله لك ضيعتك لتحمدنه بقول لم يُحمد بمثله، وإنك لم تقل سوى: الحمد لله؟!! فقال هذا الرجل – وقد كان فقيهاً رحمه الله – كلمة فيها بلاغة عظيمة وهي حق محض، ماذا قال؟ قال: وهل مثل الحمد لله حمد. ونحن نقول: نعم ليس مثل الحمد لله حمد.
ننتقل إلى تفسير قوله سبحانه: "رب العالمين".
الرب هو: السيد، والرب هو: المُصلح والمُدبر والجابر، يُقال لمن قام بإصلاح شيء وأقامه: هو ربٌ له، والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله عز وجل.
ماذا نستفيد من قوله تعالى: "رب العالمين"؟
من فوائد "رب العالمين": أن نُقر لله بالغنى المطلق، وقد فهمنا هذا من لفظ (رب) ودلالاته على ذلك التزام، يعني: لا يكون رباً حتى يكون غنياً، فإذا أضيفت الربوبية للعالمين كان الغنى في غايته التي لا يصل إليها حد.
ومن فوائدها: أن نعلم فقر العبيد إلى الله، وحاجة المخلوقين إلى الخالق، وأنه لا يوجد أحد ينفد عن تصرف الله، وعن ملكه وربوبيته، أو يكون له شيء من الاستقلالية والغنى عن الله ولو لحظة، فإن المربوب لا قيام له إلا بالرب.
ولفظ (العالم) يدل على كل ما سوى الله تعالى، فلو قال: رب العالم لدل على أن كل موجود تحت ربوبية الله، ولكن لفظ (العالمين) أكد في العموم وأعظم في الدلالة على الربوبية لله والعبودية لغيره، بحيث لا يخرج أحد عن هذه الربوبية، وبحيث لا يبقى مجال لمتأول، فيقول مثلا: العالم قد يُعنى به هذا العالم المشهود فينفي هذا التأويل وغيره لفظ "العالمين".
وهذه الفائدة والتي قبلها تتضمن تأسيس توحيد الربوبية، وإبطال مذهب المشركين بالله تعالى في ربوبيته، وهؤلاء كُثر لا كثرهم الله، ومنهم مَن ينسب الخلق إلى الطبيعة، ومنهم مَن ينسب الرزق إلى الأفلاك والنجوم، ومنهم مَن يحيل التصرف في الكون إلى الجن، ومنهم مَن يزعم أن الذي يدير هذا الكون ويتحكم فيه الأولياء والأقطاب، وهؤلاء كلهم مُفترون على الله، ويُبطل مذهبهم كله قول الحق سبحانه: "رب العالمين"
ومن فوائد "رب العالمين": بيان طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوقين، وأن هذه العلاقة قائمة على الإحسان إلى المخلوقين كما هو مُقتضى الربوبية، فالله هو ربهم وهو مُصرف أمورهم والمُحسن لهم على الدوام، ورعايته لهم أعظم من رعاية أقرب الناس لهم كالوالدين وغيرهم.
وفي هذا إبطال لمذهب فلاسفة اليونان، وفلاسفة الغرب الذين تخبطوا في إثبات ربوبية الله، فمنهم مَن يُنكر الربوبية بالكلية، وأمثلهم طريقة كأرسطو يزعم أن الله تعالى بعد أن خلق الخلق لم يعد يعتني به، ويُفكر فيه، فهو أعظم من ذلك، فهو عندهم - عياذاً بالله - لا يُفكر إلا في نفسه، وهذا كذب يرده النقل، ويرده الواقع المشاهد المحسوس.
من فوائدها: إبطال أساطير فلاسفة الإغريق الوثنية التي يرونها عن الرب سبحانه، وأنه بزعمهم - تنزه وتعالى عما يقولون - يطارد عباده ويتربص بهم الدوائر ويُدبر لهم المكائد والحيل في قصص غريبة وافتراءات عجيبة منكرة.
فهذا كله مما يعتقده أهل الأوثان القدماء، وقد تلقفه عنهم –للأسف- أهل الكتاب ونقلوه وسطروه في الكتاب المُقدس، وخصوصاً العهد القديم (التوراة) وقد نعى الله عليهم صنيعهم هذا، قال تعالى:"قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل" [المائدة: 77].
وبهذا البيان القرآني "رب العالمين" تنتفي أيضاً صفة الصراع بين الخالق والمخلوق، كما يصور ذلك فلاسفة الغرب، ويبنون عليه مناهجهم في التفكير وفي التصور، ويُرى على ذلك أثره في إنتاجهم الأدبي، من شعر وقصص وتمثيل.
وللأسف الشديد قد تلقف كثيراً من هذه التصورات الفاسدة بعض أبناء المسلمين، وانحرفوا بها في تفكيرهم وفي مُعتقدهم، وفي سلوكهم وأخلاقهم، وفي علمهم وأدبهم وفنونهم، وبنوا على ذلك فكرة الصراع في الحياة، فمرة بين الخالق والمخلوق، ومرة بين الدنيا والدين، ومرة بين الحاكم والمحكوم، ومرة بين الرجل والمرأة، وهذه هي نقطة الانطلاق في فكر القوم (دعاة التغريب).
فهذا كله خرافة، يردها دين الإسلام، ويُبطلها قول الحق سبحانه: "رب العالمين"، والعقل والواقع المحسوس دليل صادق على ذلك، وشاهد على أنه سبحانه رب العالم ومُدبرهم ومالكهم وراعيهم، كما يحس بذلك مَن له أدنى شعور من الإنسانية، فضلا عمن يعرف نور الوحي والقرآن، قال بعض العلماء: سمي العالم عالما ؛ لأنه علامة على وجود الخالق سبحانه.
سؤال: ما المُناسبة بين "الحمد" وبين ما بعده "الله" و "رب العالمين"؟
نقول: إن الحمد لله هو الثناء، والثناء على شيء لا يكون إلا لأحد سببين: إما لصفة عظيمة في المحمود تستحق الحمد، وإما لإحسان من ذلك المحمود لغيره يستحق عليه الشكر والثناء، ونحن إذا تأملنا لفظ "الله" و "رب العالمين" وجدنا أنها تشتمل على كلا الأمرين؛ تشتمل على الوصف بالجميل، وعلى الإحسان إلى الغير.
فالله هو: الإله، وهو أكبر أسماء الله وأجمعها، وينبئ هذا الاسم العظيم عن كل صفة كمال وكل صفة جلال وجمال، فبهذا يستحق الحمد من هذا الوجه.
ولفظ "رب العالمين" هو يقتضي الحمد كذلك ؛ لأن الربوبية تشمل على كل إحسان وعلى كل فضل ونعمة وصلت إلى الناس، فكأنه قال: "الحمد لله"؛ لأنه الإله المُتصف بالصفات العظيمة، "والحمد لله"؛ لأنه رب العالمين المُحسن إليهم في كل حين.
وقوله: "الحمد لله رب العالمين" فيه تقرير عقيدة الإسلام.
تضمنت هذه الآية تقرير التوحيد بنوعيه:- الخبري، والعملي. فالتوحيد إما أن يختص بالعمل والعبادة، وهذا يُسمى توحيد الألوهية أو توحيد العبادة، وإما أن يختص بالعلم والاعتقاد، وهذا يتضمن الإيمان بالربوبية وبالأسماء والصفات.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|