رد: قواعد الغلبة والندرة وتطبيقاتها الفقهية
قواعد الغلبة والندرة وتطبيقاتها الفقهية
د. عزيزة بنت مطلق بن محمد الشهري[*]
ومثال تعارض غالبين:
- إذا أقرت المرأة بالنكاح وصدقها المقر له بالزوجية, فعلى الاعتبار الأول: قبول الإقرار؛ لأن الظاهر صدقهما فيما تصادقا عليه, وعلى الاعتبار الثاني: إن كانا مقيمين في بلد معين طولبا بالبينة, لمعارضة هذا الظاهر بظاهر آخر, وهو أن المستوطنين بالمدن والقرى يعرف حالهما غالباً, ويسهل عليهما إقامة البينة([175]).
- أن يختلف الزوجان في متاع البيت, وتكون يد كل واحد منهما ظاهرة, فعلى الاعتبار الأول: الغالب فيما كان خاصاً بالرجال أنه ملك للزوج وما كان خاصاً بالنساء فهو من ملك الزوجة نظراً للظاهر المستفاد من العادة الغالبة, والغالب الثاني: أن من كانت يده ظاهرة في ملك شيء فهو له, لأن وضع اليد من أسباب الملك فيسوى بينهما بغض النظر عن ما يخص أحدهما([176]).
بقي أن أشير في نهاية هذا المبحث إلى أن فقهاء كل مذهب أدلوا بدلوهم في المسائل السابقة استدلالاً ومناقشةً وترجيحاً, وليس هدف البحث تتبع أقوالهم وأدلتهم في كل مسألة, ولكن يتضح أمر مشترك بينها جميعاً, وهو أن العمل عند العلماء يكون بأقوى الدليلين من وجهة نظر المجتهد, فبالرغم من أن الظاهر(الغالب) حجة شرعية في مواطن كثيرة, إلا أنه لا يقوى في بعض المواطن على دفع الأصل المعارض له فيهدر ويتمسك بالأصل, والعكس صحيح, ومثل ذلك يقال في تعارض الأصلين, وتعارض الظاهرين, وهنا تتفاوت درجات الفقه عند العلماء.
هذا والحديث عن تعارض الأصل والغالب يسوق البحث سوقا للبحث في حكم النادر الذي يتجاذبه الأصل والغالب, ولست أقصد بحكم النادر الحكم الشرعي التكليفي, ولكن المقصود بحكمه هل يأخذ حكم الغالب من جنسه مطلقا؟, أم أنه ينفرد بحكم خاص به ؟, وهل يلحق بالأصل أم بالغالب, وهذا ما سوف يناقش في المبحث الآتي.
المبحث الرابع
حكــم النــادر
من خلال المباحث السابقة ترددت أمثلة لبعض المسائل النادرة والقارئ الكريم قد لاحظ أن عدداً منها قد أخذ حكم الغالب, وبعضاً منها أخذ حكماً مغايراً لحكم الغالب خاصاً به وفي هذا المبحث سوف يناقش حكمه مع التمثيل؛ لأنه قد يلتبس على بعض الناس قولهم: "النادر لا حكم له" أنه لا يوجد حكم شرعي للنوادر،وهذا غير مقصود إطلاقاً من قولهم, إذ لا تكون مسألة من غير حكم شرعي. وحكم النادر لا يخلو من أن يكون واحداً من ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: اعتبار الغالب وتقديمه على النادر, فيلحق النادر بالغالب من جنسه فيكون لهما الحكم الشرعي نفسه.
الاحتمال الثاني: استقلال النادر بحكم خاص به مغاير لحكم الغالب, وهو ما يسمى عند الفقهاء إلحاق النادر بنفسه.
الاحتمال الثالث: إلغاء الغالب والنادر معاً. ذكر القرافي في الفرق التاسع والثلاثين والمائتين بين قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما ألغي من الغالب هذه الحالات الثلاث مع التمثيل لكل حالة, وأطال النفس في الحالتين الثانية والثالثة ووافقه بعض العلماء -ممن من جاء بعده- ممن كتبوا في القواعد([177]).
الحكم الأول: إلحاق النادر بالغالب من جنسه, فيأخذ حكمه الشرعي, وهذا هو الأصل، وتطبيقاته في الفقه الإسلامي لا تنحصر, والأمثلة عليه كثيرة جداً وسوف أقتصر على بعضها طلباً للاختصار:
المثال الأول: الخارج من السبيلين من النجاسة المعتادة كالبول والغائط والريح, فهذا ينقض الوضوء إجماعا([178]), وهذا هو مخرجه المعتاد, إما إذا حدث وخرجت النجاسة السابقة من غير المخرج المعتاد وكان خروجها من فتحة تحت السرة مع انسداد المخرجين الأصليين, فإن هذه الصورة النادرة تلحق بالغالب واتفق الفقهاء على انتقاض الوضوء في هذه الصورة([179])؛ لأنه لا بد للإنسان من موضع يخرج منه البول والغائط، فإذا انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر دون السرة كان ذلك بمنـزلة الأصلي فيلحق به في الحكم إجراء للنادر مجرى الغالب. وكذا الحكم في دم الاستحاضة فهو نادر غير معتاد في نقض الطهارة, فيقول عامة أهل العلم كدم الحيض والنفاس المعتادين إلا في قول ربيعة الرأي([180]).
المثال الثاني: الغالب في أحوال النساء أن ينقطع عنهن الدم في مدة الحمل، وربما وجد الدم في حال الحمل خلافاً للغالب وهو نادر جداً, فيخرج الدم على صفة الحيض وقدره، من أول شهر في الحمل إلى آخر شهر, فهل يعد هذا الدم حيضاً أم لا؟.
والقول الراجح في المسألة وهـو قـول جمهـور التـابعـين منهـم: سعـيـد بـن المسـيـب وعطاء وسفيان الثوري, والأوزاعي وابن المنذر وأبو ثور([181]), وقـول الحنفيـة، وقـول عنـد الشـافعيـة، وهو مذهب الحنـابلـة([182]) أن الدم الذي تراه الحامل أثناء حملها استحاضة، وأن الحامل لا تحيض؛ لأن الحمل زمن لا يعتادها الحيض فيه غالباً، فلم يكن ما تراه فيه حيضاً، قال أحمد: "إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم"([183]). وهذا القول يؤيده الطب الحديث إذ يرى الأطباء: أن الدم الذي تراه الحامل أثناء حملها استحاضة، وأن الحامل لا تحيض بحال, وأن ما تراه المرأة من الدم هو في حقيقته دم خلاف طبيعة الحيض, ويسمونه الحيض الكاذب, حتى ولو كان في موعده، ويرون أن نزوله عائد لأسباب عصبية وظيفية فحسب([184]).
المثال الثالث: إذا سافر الشخص سفراً مباحاً فإنه يجوز له الفطر بإجماع العلماء, وهذا الجواز يعم كل مسافر سواء أكان قادرا على الصوم, أم عاجزاً, وسواء أكان في سفره مشقة, أم لم تكن عليه مشقة, كسفر المرفهين من الناس في الأجواء المعتدلة والذين لا تلحقهم أدنى مشقة في سفرهم, والسفر اليوم بالطائرة, قال شيخ الإسلام ابن تيمية([185]): "لم تتنازع الأمة في جواز الفطر للمسافر, بل تنازعوا في جواز الصيام للمسافر", وغالب الحال في السفر المشقة فيقصر في السفر, ويفطر بناء على هذا الغالب ويلحق به السفر النادر الذي لا مشقة فيه وإن كان موجوداً([186]).
المثال الرابع: الغالب في النساء أن البنت تخلق ببكارتها, فلو خلقت البنت بدونها -وهو نادر– فإنها تعامل معاملة الأبكار في الاستئذان عند التزويج, فتلحق بجنسها, وتستأذن كما تستأذن الأبكار بالاتفاق؛ إذ الأصل في البنات البكارة فتلحق الأنثى المخلوقة بدونها بالأبكار من حيث الاستئذان, ومكث الزوج عندها سبعاً عند الزفاف, وقدر المهر إذا كانت في بلد يفرق فيه بين مهر البكر والثيب, ويلحق بها من زالت بكارتها بغير جماع, كمن زالت بكارتها بأصبع أو وثبة أو حيضة قوية, ونحو ذلك, فحكمها حكم الأبكار حقيقة؛ لعدم المباضعة؛ ولأنها لو زنت أقيم عليها حد البكر, لكنها ليست عذراء([187]).
المثال الخامس: ترد شهادة العدو على عدوه, والخصوم بعضهم على بعض إذا كانت الخصومة على أمر دنيوي كشهادة المقتول وليه على القاتل؛ لأنهم متهمون, والغالب في حالهم عدم الإنصاف والجور, وقد يكون من الأعداء من لا حيف عنده ولا جور في الشهادة؛ فألغي لندرته وعمل بالغالب في قول أكثر الفقهاء, منهم: ربيعة والثوري وإسحاق, ومالك والشافعي وأحمد, وهو قول معتمد عند الحنفية اختاره المتأخرون, وفي قول عند الحنفية: تقبل شهادة العدو إلا إذا فسق بها([188]).
الثاني: إلحاق النادر بنفسه, بمعنى أن له حكمه الخاص به الذي ينفرد به عن جنسه, فيكون مستثنى من القاعدة, وفيه يقول القرافي: "ما ألغي فيه الغالب، وقدم النادر عليه، وأثبت حكمه دونه رحمة بالعباد"([189]) ومثل له بعشرين مثالاً على حد قوله([190]), منها ما هو محل اتفاق, ومنها ما كان على الراجح -في نظره-, أكتفي منها بخمسة أمثلة:
1- الغالب في المواليد أنهم يولدون بعد مدة حمل تسعة أشهر, فلو وضعت المرأة مولوداً بعد خمس سنين من زوج طلقها فالغالب أن الحمل كان من سفاح, والنادر أن يكون تأخر في بطن أمه كل هذه المدة, ومع ندرة الاحتمال الثاني إلا أن الشرع أثبته, وألغى الاحتمال الأول رحمة بالعباد لحصول الستر عليهم, وصون أعراضهم عن هتكها.
وأجاب على هذا المثال ابن حزم في الرد على القائلين بأن الحمل قد يزيد عن تسعة أشهر: "ولا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر ولا أقل من ستة أشهر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥ ], قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣], فمن ادعى أن حملاً وفصالاً يكون في أكثر من ثلاثين شهراً فقد قال الباطل والمحال"[191], ثم قال بعد أن ساق القصص والأخبار التي رويت في ذلك وهي: "راجعة إلى من لا يصدق، ولا يعرف منه ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا"[192], وقال القرطبي: "وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد والرد إلى ما عرف من أمر النساء"[193], وقال الشوكاني -وهو ممن أغرب في المسألة فلم ير حداً لأكثر الحمل-: "لم يرد في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أكثر مدة الحمل أربع سنين"[194]
هذه المسألة تنازع فيها الفقهاء ونسبت لهم أقوال كُثر ويمكن إجمالها في ثلاثة أقوال رئيسة:
القول الأول: أكثر مدة الحمل تسعة أشهر وهي المدة المعهودة, وهو قول الظاهرية وأكثر الباحثين, وبه صدر قرار المجمع الفقهي, وإن كان قرار المجمع الفقهي بأن أكثره سنة للاحتياط, لما يقد يقع من خطأ في الحساب[195].
القول الثاني: إن الحمل يمكن أن يمتد لعدد من السنوات, على خلاف بينهم في تحديد عدد السنين, فذهب محمد بن عبد الحكم واختاره ابن رشد إلى أن أكثر الحمل سنة[196] ومذهب الحنفية أن أكثره سنتان[197], ومذهب الشافعية والحنابلة أن أقصى الحمل أربع سنين, وهو قول مشهور عند المالكية[198], والقضاء عند المالكية على أن أكثر الحمل خمس سنين[199].
القول الثالث: لا حد لأكثر الحمل، فإذا ظهر بالمرأة حمل أو وجدت القرائن الدالة على الحمل كالحركة في البطن فإننا ننتظر وإن طالت المدة، أما إذا مضت التسعة أشهر ولم يظهر بها علامات الحمل فلا انتظار؛ لأن الأشهر التسعة هي المدة الغالبة, وبه قال أبو عبيد والشوكاني[200].
عند تأمل أدلة الفقهاء في المسألة وجدت أنها اجتهادات من العلماء بناء على حالاتٍ لحمل امتد عند بعض النساء سمعوا عنها أو شاهدوها؛ إذن الدليل:الوجود والاستقراء من عادة بعض النساء, ولكن المعتاد المعروف وهو غالب أحوال النساء الحمل مدة تسعة أشهر, وشرع الله وحكمه يكون مع المعتاد الغالب من الأحوال لا مع نوادرها الوشواذها هذا إن ثبت؛ ولهذا حصل بينهم وحصل خلاف كبير في تحديد ضابط زمني, فأين شرع الله الذي ألغى فيه الغالب وهو اعتبار هذا الحمل من الزنى وأعمل فيه النادر؟!, وإلحاق نسب طفل ممن هو ليس له بمجرد دعوى لا تقوم على أساس علمي أو شرعي -بل الدليل العلمي على خلافه وتذكر الإحصائيات الطبية أن نسبة الوفاة تتزايد عند المواليد بزيادة مدة الحمل عن الأسبوع الثاني والأربعين بسب تليف المشيمة وعدم إمدادها للجنين بالغذاء الذي يحتاجه- وفتح الباب لضعيفات الإيمان لارتكاب الفاحشة بعد الطلاق أو موت الزوج بسنوات ثم ادعاء أن الحمل حصل من الزوج بدعوى أن الحمل قد يمتد لسنوات عديدة.
ويجاب عن تلك الروايات إن صحت, بأنه توهم من المرأة وهو ما يسمى بالحمل الكاذب لمدة من الزمن, ثم يكون هناك حمل حقيقي فتظن أن بداية حملها منذ توهمت, وقد يعززه إذا كان هناك ظهور لبعض الأسنان[201].
2– إذا تزوج رجل بامرأة فولدت لستة أشهر, فهذا الولد من الجائز أن يكون من وطء قبل العقد (زنى)، وهو الغالب أو من وطء بعده، وهو النادر فإن غالب الأجنة لا توضع إلا لتسعة أشهر.
ولو تأملنا المثال السابق لوجدنا أن الحكم بلحوق نسب الولد بالزوج ليس من باب تقديم النادر على الغالب, ولكن الظاهر معارض بدليل أقوى منه وهو الإجماع حيث أجمع العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر, فلو ولدت لأقل من ستة أشهر لم يلحق بالزوج, وبعد الستة أشهر يلحق به([202]), ومستند الإجماع الدليل المركب من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله تعالى: ﴿ﮪوَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
وجه الدلالة: إذا كان الحمل والإرضاع معاً مدة ثلاثين شهراً, وكانت مدة الرضاع منه سنتين, كان الباقي من المدة وهو ستة أشهر متعينًا للحمل, وهذا هو الموافق للواقع حيث ولد أناس لستة أشهر وعاشوا, وهو المنقول في كتب التاريخ والسير والطب, وإن كان نادراً([203]).
ويقول الأطباء المحدثون أن أقل مدة الحمل ستة أشهر, إلا أن المولود لها نادراً ما يعيش في الأحوال العادية, ويحتاج لعناية طبية خاصة, ومع تقدم مجالات الطب ووجود الحاضنات الطبية أصبح بالإمكان إيجاد فرصة أكبر لمثل هؤلاء الخدج في الحياة، يقول الطبيب أحمد كنعان: "ويتفق أهل الطب والفقهاء حول أقل مدة الحمل، إذ تؤكد الشواهد الطبية أن الجنين الذي يولد قبل تمام الشهر السادس لا يكون قابلا للحياة"([204]).
والذي أريد الوصول إليه من سوق هذه المسألة بدليلها هو أن إعمال الغالب في النادر وإلحاقه به في الحكم إذا كان النادر يمكن حمله على الغالب ولم يوجد دليل أقوى منه يعارضه أما إذا وجد دليل أقوى في المسألة فلا شك في تقديم أقوى الدليلين وأمضى الحجتين, وليس هذا من تقديم النادر على الغالب بل هو من تعارض الغالب مع ما هو أقوى منه فيلحق النادر بالأقوى منهما.
3- طين المطر الذي يقع في الطرقات, والوحل في الشوارع والممرات, الغالب عليه النجاسة والنادر السلامة منها, وإن كنا لا نرى عينها؛ إذ الشوارع تدوسها الدواب في الغالب ومع نزول المطر تختلط النجاسة به, ولا بد أن يصيب المارة شيئا من النجاسة, ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب, وأثبت حكم النادر, توسعة على الناس ورحمة بهم([205])؛ وأجاز الشارع للناس الصلاة من غير غسل لثيابهم وأبدانهم إذا كانت النجاسة غير متيقنة أو تحققت لكنها يسيرة, أما إذا ظهرت بالثوب أو البدن نجاسة فاحشة وتحقق الشخص من وجودها وجب غسلها([206]). الذي ذكره العلامة القرافي ليس -في نظري- من إلغاء الغالب وتقديم النادر عليه, بل هو من تقديم الأصل على الغالب؛ لأن الأصل في الأرض الطهارة, حتى يثبت بيقين خلافها فالمسألة على ذلك من باب التعارض بين الأصل المستصحب والغالب, وترجيح الأصل عليه([207]) لما فيه من التيسير على الناس والرحمة بهم ورفع الحرج عنهم, فيأخذ النادر حكما خاصاً به يختلف عن حكم الغالب من جنسه وهو ما يسميه الفقهاء حكم نفسه.
4- جواز الصلاة في ثياب الفساق من المسلمين الذين لا يتحرزون عن النجاسات, كشاربي الخمر -مثلا- ما لم يتأكد من إصابة النجاسة عينها, ومن المعلوم أن شارب الخمر يفقد عقله ولا يتحرز غالباً من النجاسة في حال سكره, والنادر هو احتياطه من النجاسات حال سكره ومع ذلك جاز استعمال ملابسه, وكذلك ما يصنعه الفساق الذين لا يتحرزون من النجاسات ويباع في الأسواق من الأطعمة والأواني والمنسوجات([208]) وهذا في قول عامة العلماء, بل وحتى ما يصنعه المشركون ويلبسونه على الراجح من أقوال أهل العلم([209])؛ لأن الطهارة في الأشياء أصل والنجاسة عارضة, فتبقى الأشياء على الأصل حتى يعلم حدوث النجاسة, وإن كان الظاهر هو النجاسة, لكن الطهارة ثبتت بيقين, واليقين لا يزول إلا بيقين مثله, فيترجح الأصل غلى الغالب.
5- إذا ادعى الرجل الصالح التقي على الفاجر الظالم درهماً, فالغالب صدقه, والنادر كذبه, ومع ذلك قدم الشرع حكم النادر على الغالب, مع أن الظاهر يصدق قوله, والنادر كذبه وجعل الشرع القول قول الفاجر لطفاً بالعباد, بإسقاط الدعاوى عنهم([210]), هذه المسألة يتجاذبها غالب: وهو ما ذكره العلامة القرافي, وأصل: وهو براءة الذمة, وكون المدعى عليه فاسقاً لا ينافي براءة ذمته فألزم التقي بالبينة في دعواه, فالمدعي لا يستحق على غيره شيئاً لمجرد الدعوى مهما كان صلاحه وتقواه وورعه, وجانبه ضعيف يحتاج إلى ما يدعمه من البينات, فالقاضي ليس له إلا البينات الظاهرة, أما بواطن الأمور فأمرها لله وليس أمام القضاء هنا إلا الحكم ببراءة الأصل إذا لم توجد البينة والقاعدة: "أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر"([211]). فقدم الأصل لقوته ورجحانه على الظاهر.
ومن خلال الأمثلة السابق وغيرها يمكن أن اخلص إلى أن الشارع إذ يعطي النادر حكماً خاصاً به مغايراً لحكم الغالب لوجه يقتضيه لكونه وافق معنى آخر أقوى من الغالب (الظاهر) وليس من باب تقديم النادر على الغالب, إذ النادر يوافق أصل شرعي معتبر فيكون الأصل والنادر متوافقان ومقابلان للظاهر, فتكون المسألة من باب تعارض الأصل والغالب وليس تعارض الغالب والنادر, ولهذا ختم القرافي -رحمه الله- في نهاية المطاف بقوله: "ونظائر هذا الباب كثيرة في الشريعة, فينبغي أن تتأمل وتعلم, فقد غفل عنها قوم في الطهارات فدخل عليهم الوسواس, وهم يعتقدون أنهم على قاعدة شرعية, وهي الحكم بالغالب, فإن الغالب على الناس والأواني والكتب وغير ذلك مما يلابسونها لنجاسة فيغسلون ثيابهم وأنفسهم من جميع ذلك, بناء على الغالب وهو غالب كما قالوا, ولكنه قدم النادر الموافق للأصل عليه وإن كان مرجوحاً في النفس وظنه معدوما لنسبة للظن الناشئ عن الغالب"([212]), فوضح أن الترجيح كان بالأصل لا بالنادر.
الثالث: إهمال الغالب والنادر معاً: وهو المراد بقول القرافي: "وقسم يلغيان فيه معاً" وفي هذا القسم يذكر القرافي عشرين مثالاً –أيضا– يرى أن الشارع أهمل الغالب والنادر سواء بسواء([213]), وأكتفي بسوق بعض منها وهي توضح المقصود.
"الأول: الغالب صدق شهادة الصبيان في الأموال إذا كثر عددهم جداً, والنادر كذبهم فأهملهم الشرع ولم يعتبر صدقهم ولا قضى بكذبهم؛ رحمة بالعباد ولطفاً بالمدعى عليه.
الثاني: الغالب صدق الجمع الكثير من جماعة النسوان في أحكام الأبدان والنادر كذبهم لا سيما مع العدالة, فألغى صاحب الشرع صدقهن ولم يحكم به ولا حكم بكذبهن؛ لطفا بالمدعى عليه.
الثالث: الغالب صدق الجمع الكثير من الكفار والرهبان والأحبار إذا شهدوا والنادر كذبهم فألغى صاحب الشرع صدقهم؛ لطفا بالمدعى عليه ولم يحكم بكذبهم.
الرابع: الغالب صدق شهادة الجمع الكثير من الفسقة والنادر كذبهم فلم يحكم الشرع بصدقهم؛ لطفا بالمدعى عليه"([214]).
وإذا تأملنا الأمثلة السابقة التي ذكرها العلامة القرافي فإننا نلاحظ أن الغالب تعارض مع أصول شرعية معتبرة في الدعوى والشهادات فأهمل الغالب والنادر معاً في الشريعة حسماً للاضطراب في الأحكام وتحقيقاً للعدل بين الناس وصيانةً لأعراضهم وسترا ًعليهم.
وما ذكره لا إشكال فيه إذا كان عدد الشهود قليلاً لم يصل إلى حد التواتر, فمن المعلوم أن شهادة الصبيان في الأموال غير مقبولة؛لأن شرطها العدالة ومن شرط العدالة البلوغ([215]), وأما شهادة النساء منفردات في الحدود والقصاص فلا تقبل بالاتفاق, ومع الرجال لا تقبل –أيضا– في قول جمهور أهل العلم, وهو قول الأئمة الأربعة([216]) وحكاه ابن المنذر إجماعا في الحدود([217]), وروي عن عطاء وحماد وهو مذهب الظاهرية القول بجوازها([218]) -ولكل من القولين وجهته, وبسط الأدلة تراجع في كتب الفقه([219])- ولم تقبل شهادة الكافر على المسلم بالاتفاق في غير جواز الوصية في السفر إذا لم يوجد غيره([220]), والفاسق لعدم توافر العدالة فيهما وهي شرط معتبر في الشهادة فلا تقبل على الإطلاق بدونه؛ لقوله تعالى: (مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء) [البقرة: ٢٨٢], وقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ)[الطلاق: ٢], والشاهد المرضي: المسلم العدل([221]). أما إذا وصلت الشهادة إلى حد التواتر وهو ما تفيده عبارة: "الجمع الكثير" فإن الظن بصدق المئات من الكفار أو الفساق أو النساء أو الصبيان يحدث بأكثر من الظن الذي يحدث بشهادة عدلين ذكرين, فالإمام مالك قبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراحات والقصاص دون غيرها, مخالفاً بذلك جمهور أهل العلم في الجراحات التي تقع بينهم, وإجازة الإمام مالك لها من باب إجازته قياس المصلحة([222]), وقد يحدث أن تعتدي امرأة على أخرى أمام جمع من النساء كبير في فناء مدرسة, أو محفل نسائي كبير, فتزهق نفسها أو تتعرض لجراحات ولا يوجد بالمكان رجل, مع مشاهدة الجمع الكبير من النسوة اللائي يحيل العقل تواطؤهن على الكذب, مع كثرتهن وعدم وجود غرض لهن, فهل تلغى هذه الشهادة وتهدر قيمتها القضائية ؟, وأنقل نص ما نُقل عن الحموي في شرحه عن الحاوي القدسي وغيره من علماء الحنفية في تكملة رد المحتار([223]): "تقبل شهادة النساء وحدهن في القتل في الحمام فيحكم الدية؛ لئلا يهدر الدم، ومثله في خزانة الفتاوى. وفي خير مطلوب خلافه....فالأظهر ما في الحاوي وخزانة المفتين لمسيس الحاجة".
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى([224]): "ولهذا يجوز في الشهادة للضرورة ما لا يجوز فيغيرها, كما تقبل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال, حتى نص أحمد على قبول شهادتهن في الحدود التي تكون في مجامعهن الخاصة مثل الحمامات والعرسات, ونحو ذلك", وما كتبه ابن القيم في طرق إثبات الأحكام عند القاضي في كتاب الطرق الحكمية في الطريق العشرون: الحكم بالتواتر وإن لم يكن المخبرون عدولاً ولا مسلمين([225]): "والتواتر يحصل بخبر الكفار والفساق والصبيان, وإذا كان يقضى بشهادة واحد مع اليمين وبدونها بالنكول وبشهادة المرأة الواحدة, حيث يحكم بذلك, فالقضاء بالتواتر أولى وأحرى وبيانا لحق به أعظم من بيانه بنصاب الشهادة".
والذي أجد نفسي تطمئن إليه أن الدم لا يهدر والحق لا يضيع إذا وجد عدد كبير جداً من الشهود ممن ذكر سابقاً, ممن لا تقبل شهادتهم, لانتفاء العلة التي لم تقبل شهادتهم لأجلها مع تواتر عددهم, وانتفاء ما يوجب الغلط منهم, وانتفاء التهمة, وإن كانت شهادتهم في الأصل لا تفيد الظن المقبول شرعا؛ لما يعتريها من الضعف الذي يؤثر على قبولها في المواطن المذكورة شرعاً والمعروفة وبعضها ًمحل إجماع من العلماء -وكفى به حجة - وأترك الخوض في تفصيل هذه المسألة وبحثها؛ لأن مجال هذا البحث التقعيد وليس بسط المسائل بأدلتها.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|