قواعد الغلبة والندرة وتطبيقاتها الفقهية
د. عزيزة بنت مطلق بن محمد الشهري[*]
المطلب الثاني
صيغ قواعد الغلبة والندرة
لقد حصرت عدداً ليس بالهين من صيغ هذه القواعد, وبعضها قد تكون أقرب إلى الترادف, والبعض الآخر توضح خلافاً في صياغة القاعدة وبعضها تبرز مدلولات ودقائق ونكات فقهية لها بعدها الفقهي لهذا قمت بتصنيفها إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: صيغة الجزم, وهي تنحو منحيين: الأول القواعد التي تتضمن اعتبار الغالب وإلحاق النادر به, واعتبار شذوذ النادر وإلحاقه بالعدم, وعباراتها أكثر من أن تستوعب وتحصر, فهي منثورة في كتب الفقه والقواعد, لكن أقتصر عل ذكر نماذج منها:
"إن السؤال والخطاب يمضي على ما عم وغلب لا على ما شذ وندر"([68]), وتعد هذه الصياغة أقدم صياغة قواعدية وصلتنا وهي صياغة الكرخي في رسالته الشهيرة في القواعد؛إذ تعد رسالة الكرخي أقدم مؤلف خاص مطبوع في القواعد الفقهية.
"العبرة للغالب الشائع لا للنادر"(م 42), وهذه إحدى قواعد المجلة وقدمتها على غيرها من الصيغ لشهرتها وشهرة قواعد المجلة واستيعابها لحكم الغالب والنادر معاً. وتترادف معها الصياغات الفقهية مثل "العبرة بالغالب الشائع لا بالقليل النادر"([69]).
"النادر ملحق بالعدم"([70]).
"النادر لا حكم له"([71]).
"النادر يلحق بالغالب"([72]).
"الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب دون النادر".
"الحكم للأغلب".
"الاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها"([73]).
"العبرة بالغالب والنادر لا حكم له"([74]).
"إذا دار الشيء بين الغالب والنادر فإنه يلحق بالغالب".
"الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر"([75]).
"الحكم يبنى على العام الغالب دون الشاذ النادر"([76]).
"النادر يلحق بالأعم الأغلب في جنسه"([77]).
"النادر لا يعتبر دائماً وإنما يعتبر الحكم العام الغالب"([78]).
"بالأغلب من الأمور يقضى, وعليه المدار وهو الأصل"([79])
"الأغلب... السلامة فما خرج من ذلك نادر اًلم يلتفت إليه ولم يعرج عليه"([80]).
"تقديم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة"([81]).
"ما وقع نادرًا فليس بأصل يبنى عليه في شيء"([82]).
"النادر يحفظ ولا يقاس عليه".
"النادر إذا حكم فيه بشيء لم يلحق به غيره, ويدل على شذوذه"([83]).
"يسقط الاعتبار بالنادر ويصير وجوده كعدمه".
"الشاذ الخارج عن المنهاج يحمل على شذوذه, ولا يقضى به على غيره"([84]).
"النادر ليس في معنى ما تعم به البلوى"([85]).
"النادر لا يفرد بحكم ويسحب عليه دليل الغالب"([86]).
"الحمل على الغالب واجب"([87]).
"الحكم يبنى على الظاهر دون النادر"([88]).
"لا عبرة بما خرج عن الغالب"([89]).
"الحمل على الغالب والأغلب في العادات"([90]).
توضيح معنى هذه القواعد:
الأصل في بناء الأحكام الشرعية أنها تبنى عامة على الأمور الغالبة, والشائعة، فإذا كان هناك عرف جاري تحقق فيه الذيوع والشهرة, أو مصلحة غالبة, أو أمر ظاهر فإنه لا يؤثر في عمومه واطراده تخلف ذلك الأمر في بعض الأفراد, أو بعض الأوقات, أو بعض الجزئيات, فالأحكام الشرعية لا تبنى على الشيء النادر القليل, بل تبنى على أساس الغالب الشائع الكثير, وعليه فالنادر تابع للغالب, يأخذ حكمه.وقد يلغى النادر ويعد في حكم العدم, عندما يكون وجوده لا يغني شيئا, وقد عدّ القرآنُ الموجود الذي قل نفعه وفسد حاله كالعدم, في قوله تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) [الأنعام: ١٢٢], فجعلت الآية الحياة مع الكفر موتاً, مع أن الحياة مع الكفر موجودة في الحسّ, لكنها لما كانت عديمة النفع مع الشرك, صارت في حكم العدم ([91]).
والمتأمل لبناء الأحكام الشرعية يلاحظ أنه يراعى فيه الأحوال الغالبة التي تكثر فيعطى الحكم للغالب ولا يلتفت للنادر, فإذا بني حكم شرعي على أمر غالب وشائع فإنه يبنى عاماً للجميع, ولا يؤثر فيه تخلف بعض الأفراد؛ لأن الأصل في الشريعة اعتبار الغالب, أما النادر فلا أثر له؛ فلو كان هناك فرع مجهول الحكم, متردد بين احتمالين أحدهما غالب كثير والآخر قليل نادر؛ فإنه يلحق بالكثير الغالب, دون القليل النادر, فالاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها في بناء الأحكام, والحكم للأعم الأغلب, ما لم يدل دليل على أن النادر معتبر, فيستقل بالحكم الخاص حينئذ, وأن لا يُحكم بالشاذ عن الكل ولكن يترك الشاذ على شذوذه ويُجعل استثناءً خارجاً عن الأصل, ويجب الحمل على الظاهر في كل لفظ احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر, إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو المعنى الخفي دون المعنى الجلي, فيحمل حينئذ عليه, إذا الأحكام تبنى على الاحتمالات الظاهر دون الاحتمالات النادرة.
المنحى الثاني: قواعد تلحق المقارب والغالب بالكل والقليل بالكثير:
"ما قارب الشيء يعطى حكمه".
"الغالب مساوي للمحقق"
"الغالب ملحق بالمتيقن في الأحكام"([92]).
"الغالب كالمتحقق"([93]).
"يقام الأكثر مقام الكل"([94]), أو "للأكثر حكم الكل"([95]), وعبر الزركشي عنها بقوله:"معظم الشيء يقوم مقام كله "([96])وقال البهوتي: "الأكثر ملحق بالكل في أكثر الأحكام" ([97]).
"الأكثر ينزل منزلة الكمال والأقل تبع للأكثر".
"الأقل يتبع الأكثر"([98]).
"إقامة الأكثر مقام الكل أصل في الشرع".
"الأقل يجعل تبعاً للأكثر فيما تعم به البلوى"([99]).
"للقليل مع الكثير حكم التبعية ثبت ذلك في كثير من مسائل الشريعة"([100]).
توضيح معنى هذه القواعد:
معنى القواعد الأربع الأول:
إن ما كان مقارباً لغيره في المعنى والقصد وكانت العلة فيهما واحدة يأخذ حكم المنصوص عليه من باب قياسه عليه وإلحاقه به, والشيء إذا كان يغلب على الظن وقوعه أو وجوده بناء على أدلة واضحة ظاهرة كالشواهد, والقرائن, والأحوال الظاهرة التي تعزز من الغالب, وتقوي وجوده, فإنه يجعل كالمحقق؛ لأن وقوع الغالب لا يختلف عن وقوع المحقق إلا بقدر يسير لا يعتد به, ولا يعول عليه في الحكم فيلحق الغالب بالمحقق عند تعذر الحقيقة, والوقوف عليها يقينيا, قال ابن فرحون([101]): "وينزل منزلة التحقيق الظن الغالب؛ لأن الإنسان لو وجد وثيقة في تركة مورثه, أو وجد ذلك بخطه أو بخط من يثق به, أو أخبره عدل بحق له, فالمنقول جواز الدعوى بمثل هذا, والحلف بمجرده, وهذه الأسباب لا تفيد إلا الظن دون التحقيق, لكن غالب الأحكام والشهادات إنما ينبني على الظن وتنزل منزلة التحقيق", فيقوم الظن الغالب مقام الحقيقة إذا كان الوقوف على الحقيقة غير ممكن وقد يعبر الفقهاء عن هذا المعنى أيضا بقولهم "المظنة تقوم مقام الحقيقة عند اختفائها"([102]), ومعنى القواعد الكثير والقليل كمعنى قواعد الغالب والنادر فالقليل يتبع الكثير كما يتبع النادر الغالب.
القسم الثاني: الصياغة الإنشائية:
1- "ما قارب الشيء هل يعطى حكمه ؟"([103]).
2- "الغالب هل هو كالمحقق أم لا ؟"([104])
3- "النادر هل يلحق بجنسه أم بنفسه ؟"
4- "النادر هل يلحق بالغالب ؟"
5- "نوادر الصور هل يعطى لها حكم نفسها, أو حكم غالبها ؟"([105])
توضيح هذه القواعد:
صيغت هذه القواعد بالأسلوب الإنشائي الاستفهامي الذي يشير إلى تخلف بعض الأفراد عن مصادقاتها وهي صياغة بعض المالكية والشافعية([106]), يقول السيوطي في الأشباه([107]): "النادر هل يلحق بجنسه أو بنفسه؟ فيه خلاف, والترجيح مختلف في الفروع", ويقول الزركشي في المنثور([108]): "النادر هل يعتبر بنفسه أم يلحق بجنسه؟, فيه خلاف فقيل تناط الأحكام بأسبابها في كل فرد, وقيل استقراء الآحاد يتعسر فيه فيعتبر الغالب ويجري حكمه على ما شذ..", وقال في موضع آخر([109]): "النادر هل يلحق بالغالب؟", ثم قسمه أربعة أقسام:
الأول: ما يلحق قطعاً.فيكون النادر كغيره من الأعم الغالب.
الثاني: مالا يلحق قطعا, فلا يتبع النادر الغالب, بل له حكمه الخاص به المغاير لحكم الجنس الأعم الغالب.
الثالث: ما يلحق به على الأصح من مذهب الشافعية.
الرابع: ما لا يلحق به على الأصح من مذهب الشافعية.
ويقول الأهدل في الفرائد البهية([110]):
ثــــم هــــــــل النـــــادر بالجنـــــس أو بنفســــه يلحــــق، خـــلف قــــد روي
وفي الفـــــروع لم يكــن مـــؤتلــفـــا القـــــول بالتـــــرجيــــح بل مختلــفــــاً
والجــزم بالأول جـــــاء في صـــور كـذاك بالثـاني كما قد اشتـــــــــهر
توضيح معنى هذه الصياغة: إنه إذا صدر حكم بناء على الشأن الغالب فيه, ثم وجدت صورة من صوره خرجت عن الغالب, واستقلت بمعنى خاص, فهل يعتبر هذا المعنى الخاص النادر, فيعطى حكماً خاصا به ويلحق حينئذ بنفسه ؟, أو لا ينظر لهذا المعنى الخاص ويعطى حكم غالب الصور؟.
فقالوا –أحيانا– تعطى الصورة النادرة حكم غالب المسائل, وإن اختلفت عنها؛ لأن النادر لا حكم له, ومن قال بهذا عبر عن ذلك بقوله: (الحكم للغالب)، أو (النادر يلحق بالغالب)، أو (النادر لا حكم لـه), أو (النادر لا يفرد بحكم), ومثلوا له: بالإنسان المشوه الذي خلق له وجهان, ولم يتميز الأصلي من الزائد منهما, وليس كل واحد منهما فاقد للحواس, وهما من جهة واحدة -وهذه صورة نادرة جداً– يجب غسل كلا الوجهين عند الوضوء, والغسل جزماً من غير خلاف بين الشافعية فيلحق النادر بجنسه دون نفسه([111]) ويلحق بالمسألة في الحكم ما ذكره الفقهاء من غير خلاف بينهم من أن من خلقت لـه أصبع زائدة في يده أو رجله فإنه يجب غسلها في الوضوء([112]).
وكذلك من خلقت لـه كف زائدة في محل الفرض بأن تكون في الذراع، أو يكون لـه عند مفصل الكف كفان، فإنه يجب غسلها مع الكف الأصلية في الوضوء؛ لأنها في محل الفرض فهي تابعة له فتأخذ الصورة النادرة حكم الغالب, فإن كانت الكف بمنكبه ولا ذراع له ولا مرفق، وليس له كف سواها فإنه يجب غسلها؛ لأنها حينئذٍ أصلية لا زائدة، والأصلية يجب غسلها في الوضوء. أما إن كانت لـه كف سواها، فلا يجب غسلها؛ لكونها كفاً زائدة في غير محل الفرض([113]).
ولم يختلفوا -أيضا- على أن من خلقت لـه يدان أو رجلان في جانب واحد، ولـم تعلم الأصلية من الزائدة، بأن كانت اليدان متساويتين في البطش والخلقة من حيث عدد الأصابع والطول والقصر ووجود المرفق وعدمه، أو كانت الرجلان متساويتين في المشي والخلقة من حيث عدد الأصابع والطول والقصر ووجود الكعب وعدمه، فإنه يجب غسلهما جميعاً, أما إن علمت الزائدة وكان أصلها في محل الفرض -كأن تكون اليد في الذراع مثلاً- فإنه يجب غسلها([114])؛ لأنها ظهرت في محل الفرض، فتغسل مع المحل تبعاً، كما لو كان في يده أورجله أصبع زائدة([115]).
وقالوا –أحيانا– الصورة النادرة تعطى حكماً خاصاً بها وتكون مستثناة من الغالب, ومثلوا لهذا النادر الملحق بنفسه وكان حكمه كالعدم: بالأصبع الزائدة لا تلحق بالأصلية -وهو الغالب- في حكم الدية وهذا بالاتفاق بين الشافعية([116]), وعبروا عن ذلك بقولهم: (النادر كالمعدوم) أو (ملحق بالمعدوم) أو (النادر لا يعتد به).
القسم الثالث: التفصيل في أحوال النادر, باعتبار الندرة الدائمة أو غير الدائمة:
النادر إذا دام يُعطى حكم الغالب.
النادر إذا لم يدم يقتضي القضاء([117]).
يتبع