إلى الدعاة إلى الله : فلنتجرد لدعوتنا
عبدالعزيز رجب
وسائل عملية تعين على التجرد:
إن التجرد مرتبة سامقة، ودرجة سامية، لا يتسنى لإنسان أن ينالها إلا بمجاهدة، لا ينبغي أن ينالها نهمْة لا يشبعون، أو غلْمة لا يتعففون ،لا ينالها إلا من ألزم نفسه الطاعات وألجمها عن الشهوات وصرفها عن الشبهات أحق أن ينال مرتبة التجرد.
وهذه وسائل تساعد على التجرد منها:
1-أداء العبادات بإتقان:
أ)الصلاة:
وشرط قبولها التجرد،فقد كان الصحابة فى بادئ المر يتكلمون في أثناء الصلاة فيما يعرض لهم من حاجات عاجلة . حتى نزلت هذه الآية{ حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة : 238]، فعلموا منها أن لا شغل في الصلاة بغير ذكر الله والخشوع له والتجرد لذكره.وفى الحديث القدسي عن علي –رضي الله عنه-عن النبي –صلى الله عليه وسلم-عن رب العزة- جل وعلا-قال:\" إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ولم يتكبر على خلقي وقطع نهاره بذكرى ولم يبت مصرا على خطيئتي يطعم الجائع ويؤوى الغريب ويرحم الصغير ويوقر الكبير فذاك الذي يسألني فأعطيه ويدعوني فأستجيب له ويتضرع إلى فأرحمه فمثله عندي كمثل الفردوس فى الجنان لا يتسنى ثمارها ولا يتغير حالها\".(13)
ب)الزكاة والصدقة:
فلا يقبلها الله –عز وجل- إلا إذا كانت خالصة متجرة من جميع الأهواء، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }(البقرة:264)
ج)الصوم:
فالصائم يجرد نفسه من جميع الشهوات ،فلا يأكل ولا يشرب ،ولا يجامع طالما كان صائما،فيساعد المسلم على عدم تحكم هذه الشهوات فيه،عن أبى هريرة –رضي الله عنه-عن النبي –صلى الله عليه وسلم-عن رب العزة جل وعلا قال: الصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إنى امرؤ صائم\". (14)
د)الاعتكاف:
والاعتكاف بمعنى: الخلوة إلى الله في المساجد ،وعدم دخول البيوت إلا لضرورة قضاء الحاجة ، أو ضرورة الطعام والشراب - يستحب في رمضان في الأيام الأخيرة . وكانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر منه . . وهي فترة تجرد لله .ومن ثم امتنعت فيها المباشرة تحقيقاً لهذا التجرد الكامل ، الذي تنسلخ فيه النفس من كل شيء ، ويخلص فيه القلب من كل شاغل :{ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } [البقرة : 187]
ه)-الحج :
والحج من أهم العبادات التي يستشعر فيها المسلم المعنى الحقيقي للتجرد، فهو يترك الأهل والوطن، ويتجرد من ثيابه، فيرتدي ثوبًا أشبه بالكفن، ويؤدي مناسك لا يعلم حكمتها إلا الله، ويستشعر المسلم معنى التجرد في طوافه الخالص لله بالكيفية التي أرادها الله، وفي التلبية التي يهتف بها الحاج معلنًا تجرده لله وبراءته من الشريك والنظير .. وفي ذلك كله التجرد من شهوات النفس ومطالب الهوى،قال تعالى:{ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ }[البقرة : 197]
2-الابتعاد عن الانتصار للنفس والتشفي:
أثر عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنه في معركة وقتال مع الأعداء ،علا بسيفه على رجل من أهل الشرك، فسبه وبصق في وجهه، فأمسك علي سيفه وتركه، فقيل لم؟ قال: خشيت أن أنتصر لنفسي فلا أكون قتلته ابتغاء مرضات الله عز وجل!
تلك النفوس التي ترتفع عن الانتصار لذاتها، والتشفي لمتطلبات أهواء نفوسها، وذلك ما ينبغي أن يكون، فكم من مخالف تختلف معه في قضية شخصية، ثم تأتي فرصة فإذا بك كأنما تنتقم منه، متخطياً العدل والإنصاف، متناسياً التثبت والتبيين، مندفعاً مع حب الانتقام، أو مع تصفية الحسابات؛ وحينئذ تختلط الأوراق، وتعظم الفتنة، وتتكاثر أسباب الأزمة؛ لأنه تغيب حينئذ الحقائق مع مثل هذه الأمور.
3- التجرد للدعوة والتفرغ لها:
بالقلب والقالب والنفس والنفيس والوقت والقوة فنركز جهدنا ومواهبنا،ونوفر أوقاتنا وقوانا لهذه الدعوة ونشرها والجهاد فى سبيلها ونعطيها ولا نضنى عليها بشيء مما عندنا ولا نحتفظ بشيء ولا نؤثر عليها شيئا لا وطنا ولا أهلا ولا عشيرة ولا هوى ولا مالا حتى تثمر جهودنا وقد لا تثمر فى الدنيا وقد تثمر بعد حياتنا، فهذا هو النبي- صلى الله عليه وسلم- يخاطب بقوله تعالى:{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّك َ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ}[ يونس:46]
فتسرى الدعوة فى حياتنا كما يسرى الماء فى عروق الشجر والكهرباء فى الأسلاك ،وتظهر فى أخلاقنا وعبادتنا، فترق قلوبنا وتخشع نفوسنا ، وتزداد رغبتنا فى الدعوة ويشتد اهتمامنا بها وحرصنا عليها وإيفائنا لحقوقها، فعن المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- قال: قام النبي- صلى الله عليه وسلم -حتى تورمت قدماه فقيل له : قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال : أفلا أكون عبدا شكورا \".(15)
4-التجرد عن الدنيا والزهد فيها:
عن سهل بن سعد- رضي الله عنه- قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس قال:\" ازهد فى الدنيا يحبك الله وازهد فيما فى أيدي الناس يحبك الناس \". (16)
فمن أعظم ما يقرب العبد إلى الله- عز وجل- أن يخرج حب الدنيا من قلبه، فإذا أخرج حب الدنيا من قلبه وأسكن حب الله في قلبه أحبه الله عز وجل، وحب الله لا ينال إلا بأن تكون عبداً لله.
محمد بن واسع الأسدي يرى الذهب والفضة كالتراب:
خرج مع قتيبة بن مسلم في الشمال تجاه كابل بأفغانستان، ووصلوا إلى تلك المشارف، ولما صف قتيبة بن مسلم الجيش وقابله الكفار قال قبل المعركة: التمسوا لي محمد بن واسع العابد الزاهد، فأتوا وإذا محمد بن واسع قد توضأ واتكأ على رمحه، ورفع سبابته إلى السماء يتمتم ويدعو الحي القيوم بالنصر: { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } [آل عمران:126] فعادوا وأخبروا قتيبة بن مسلم فتهلل وجهه وقال: والله الذي لا إله إلا هو! لأصبع محمد بن واسع خيرٌ عندي من مائة ألف سيفٍ شهير ومائة ألف بطل طرير، وبدأت المعركة ونصر الله المسلمين، وانتهت المعركة وقدمت الغنائم من الذهب والفضة إلى قتيبة بن مسلم ، وكان يرى الكُتُل من الذهب والفضة والجواهر والكنوز تقدم إليه، فكان يقول للقواد: أترون أن أحداً من الناس يعطى هذا فيرده؟ قالوا: لا ما نرى أحداً من الناس يعطى شيئاً من الذهب والفضة ثم يرده، قال: والله لأرينكم رجالاً من أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- الذهب والفضة عندهم أقل وأرخص من التراب، فقال: عليَّ بـ محمد بن واسع ، فذهبوا إليه وهو يصلي في خيمته، فقالوا: يا محمد بن واسع ! إن قتيبة يدعوك، قال: مالي ولـ قتيب ة ، ما خرجت إلا لوجه الله عز وجل، فليتركني قتيبة أحمد الله -عز وجل -على ما أعطى من النصر، قالوا: أمرك الأمير؛ فأتى إلى قتيبة قال: خذ هذا يا محمد بن واسع ! كتلة من الذهب تقدر بآلاف الدراهم والدنانير، وظن قتيبة أنه لا يأخذها فحملها معه، فتغير وجه قتيبة وقال في نفسه: اللهم لا تخيب ظني في محمد بن واسع ، وأرسل بعض الجنود يبحثون وراءه أين يضع هذا المال، ولما خرج من الخيمة عرض له مسكين يطلب الناس في الجيش، وسأل محمد بن واسع فأعطاه كل الذهب، وذهب إلى خيمته.
فاسترد قتيبة هذا المال بشيءٍ من الدراهم من المسكين وقال لوزرائه وقواده: أما أريتكم أن من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- من يرون الذهب والفضة كالتراب!
فأين ذلك الجيل؟! أين تربية المساجد التي تركت في الأمة تربيةً بينةً ظاهرةً شاهرة؟
ربعى بن عامر-رضي الله عنه-ورستم:
أرسل سعد بن أبى وقاص - ربعي بن عامر-رضي الله عنهما- إلى رستم ليفاوضه فأتى ربعي إلى رستم ،فقال رستم : ماذا خرج بكم؟ هل انتهت عليكم النفقة؟ وتأخرت عليكم فتريدون قتالنا؟ سوف نعطيكم النفقة وعودوا من حيث جئتم، فقال ربعي :إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام \".
5-التجرد من الأهواء:
فلن يقبل الله منك كلمة ولا حركة إن لم تبتغ بها وجهه، ولو ملأت الدنيا ضجيجاً.
الهوى ملك ظلوم غشوم جهول، يصم الآذان ويعمي الأبصار، وقد حذر الله عز وجل منه نبياً من أنبيائه: { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } [ص:26]
وكيف كان أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- على قمة التجرد والإخلاص، والله ما انتصر الإسلام إلا بهذه القلوب المخلصة المتجرة ، ولن ينتصر الإسلام إلا بهذه القلوب المخلصة المتجردة.
خالد بن الوليد،وأبو عبيدة بن الجراح-رضي الله عنهما-:
وانظر لما حدث خالد بن الوليد و أبي عبيدة بن الجراح -رضى الله عنهما- فقد أرسل أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- لقائد الجبهة فى الشام أبي عبيدة ويقول له: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر الصديق إلى أبي عبيدة بن الجراح ، سلام الله عليك وبعد، فإني قد وليت خالد بن الوليد قيادة الجبهة في بلاد الشام، فاسمع له وأطع، والله ما وليته عليك إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وأنت عندي يا أبا عبيدة خير منه، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام.
ويرسل الصديق- رضي الله عنه- أمراً إلى خالد ، فيرسل خالد بن الوليد رسالة إلى أبي عبيدة يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى أخيه الأمير أبي عبيدة بن الجراح ، سلام من الله عليك وبعد: فإني قد تلقيت أمر خليفة رسول الله يأمرني فيه بالسير إلى بلاد الشام للقيام على أمرها، وللتولي لشأن جندها، ووالله يا أبا عبيدة ما طلبت ذلك ولا أردته، فأنت في موضعك الذي أنت فيه، لا نقطع دونك، فأنت سيدنا وسيد المسلمين، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام.
قمة التجرد، قمة الإخلاص.
وتصل الرسالة إلى أبي عبيدة فيتنازل أبو عبيدة عن القيادة لـ خالد بن الوليد ، وتبدأ المعركة، ويموت الصديق ، ويعزل عمر خالد بن الوليد ، ويؤمر أبا عبيدة من جديد، ويخفي أبو عبيدة الرسالة، وقيل: أخفاها خالد ، والأمر سواء، فكلاهما على درجة عالية من التجرد والصفاء، وبعد انتهاء المعركة دفع أبو عبيدة الرسالة لـ خالد ، فانتقل خالد بن الوليد على الفور من القيادة وتركها لأخيه أبي عبيدة ليكون خالد جندياً مطيعاً بعد أن كان بالأمس القريب قائداً مطاعاً.
نعلم علماً يقيناً أن الله لن ينصر الأمة إلا بمثل هذه القلوب المتجردة، التي تخلص عملها ودعوتها لله جل وعلا.
6-يزن الناس بميزان الإسلام:
يقول الإمام البنا:الناس عند الأخ الصادق واحد من ستة أصناف: مسلم مجاهد , أو مسلم قاعد ، أو مسلم آثم ، أو ذمي معاهد ، أو محايد ، أو محارب , و لكل حكمه في ميزان الإسلام , وفى حدود هذه الأقسام توزن الأشخاص و الهيئات ، ويكون الولاء أو العداء . (17)
و يعلق الدكتور:سعيد حوى على هذا فيقول:علامة التجرد هو وزن الأشخاص والهيئات بميزان الدعوة واتخاذ موقف بناء على ذلك،فهناك:
1- المسلمون المجاهدون ،وموقفنا منهم:الولاء إذا أعطونا الولاء ولو اختلفت اجتهاداتنا.
2- مسلمون قاعدون بعذر،وموقفنا منهم:الولاء مع الإعذار.
3- مسلمون آثمون قاعدون لغير عذر،وموقفنا منهم:الدعوة والنصيحة.
4- ذميون لم ينقضوا عهدا ،وموقفنا منهم:لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
5- ذميون نقضوا العهود،وموقفنا منهم:أصبحوا محاربين.
6- معاهدون دخلوا بلادنا بأماننا الحر،وموقفنا معهم:لا يعتدي عليهم.
7- محايدون بين الكفر والإسلام،وموقفن ا منهم:إن كانوا يتظاهرون بالإسلام فهم منافقون وإن كانوا كافرين،فلنا حق قبول حيادهم أو رفضه.
8- محاربون،وموقفنا منهم:الحرب إلا لمحاربة أو خدعة أو غير ذلك مما أجازه الإسلام. (18)
7-التأسي بالأنبياء فى التجرد:
جردوا دعوتهم من المنافع المادية والثمرات العاجلة فكانوا لا يبتغون بدعوتهم وجهادهم إلا وجه الله وامتثال أوامره وتأدية رسالته، تجردت عقولهم وأفكارهم من العمل للدنيا ونيل الجاه وكسب القوة لأسرتهم أو أتباعهم والحصول على الدولة.
حتى لم يخطر ذلك ببال أصحابهم وأتباعهم وكانت هذه الدولة التي قامت لهم فى وقتها والقوة التي حصلت لهم فى دورها لم تكن إلا جائزة من الله ووسيلة للوصول إلى أهداف الدين وتنفيذ أحكامه وتغيير المجتمع وتوجيه الحياة كما قال الله تعالى : {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}[الحج :41] ولم تكن هذه الدولة قط غاية من غاياتهم أو هدفا من أهدافهم أو حديثا من أحاديثهم أو حلما من أحلامهم . إنما كانت نتيجة طبيعية للدعوة والجهاد كالثمرة التي هي نتيجة طبيعية لنمو الشجرة وقوة إثمارها .فقد تأسست دولة الإسلام وفتحت فارس وبلاد الروم والشام ونقلت إلى عاصمة الإسلام ـ المدينة المنورة ـ كنوز كسرى وقيصر وانصبت عليها خيرات المملكتين العظيمتين وانهال على رجالها من أموال هاتين الدولتين وطرفها وزخارفها ما لم يدر قط بخلدهم وقد انقضى على إسلامهم ربع قرن وهم فى شدة وجهد من العيش وفى خشونة المطعم وخشونة الملبس لا يجدون من الطعام إلا ما يقيم صلبهم ولا من اللباس إلا ما يقيهم من البرد وا لحر،وكأنهم يسمعون نبيهم-صلى الله عليه وسلم-يقول قبل وفاته : \" لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم \" فهتفوا عن أخرهم قائلين : \" اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة \" .(19)
8-الإحساس بالافتقار والالتجاء إلى الله-عزوجل-:
إن الخوف من الله ، والانكسار بين يديه ، والثقة به وحده ، هو الذي يهذب النفس الإنسانية ويروضها ، ويحد من غرورها وعجبها.
فالمرء ينشط ويدعو ، ويضحي بنفسه وماله ، ويبذل قصارى جهده لخدمة هذا الدين ، ومع ذلك : فهو يلح في الدعاء ، ويتضرع إلى الله بقلب مخبت منيب ، يسأله القبول والرضا ، ويشعر بضعفه وحاجته إلى عون ربه -عزّ وجل- ، ولهذا : قالت عائشة -رضي الله عنها- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قول الله -عز وجل- : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } [المؤمنون : 60] : أهم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر ؟ فقال : \" لا يا بنت الصديق ، هم الذين يصلون ويصومون ، ويتصدقون ، يخافون ألا يقبل منهم ، أولئك الذين يسارعون في الخيرات \".(20)
فالانطراح على عتبة عبوديته ،انطراح الفقير الكسير والارتماء فى أحضان رحمته،كما كان يفعل سيد المرسلين،فعن عن ابن عباس-رضي الله عنهما- -عن النبي –صلى الله عليه وسلم-كان يدعوا ويقول: \" اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سرى وعلانيتي لا يخفى عليك شيء من أمري وأنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه أسألك مسألة المسكين وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته وذل لك جسمه ورغم لك أنفه اللهم لا تجعلني بدعائك شقيًّا وكن بى رءوفًا رحيمًا يا خير المسئولين ويا خير المعطين \".(21)
وبهذا نكون متجردين خالصين لله-رب العالمين-فنعيش سعداء ونموت شهداء –ولو على فراشنا-ونبعث يوم القيامة مع النبيين والصديقين والصالحين والشهداء.
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الشيخ عبدالعزيز رجب
-----------------------
المصادر والمراجع:
(1) انظر : لسان العرب 3/115،مختار الصحاح:119:1
(2)الرسائل:277
(3) فقه الواقع:116
(4)أخرجه :البخاري(4/1727 رقم 4410)، مسلم(8/101رقم7101).
(5) أخرجه البخاري (3/1057 ، رقم 2730) ، وابن ماجه (2/1385 ، رقم 4135) .
(6) الرسائل:133
(7)الظلال :1/117
(8) الإحياء 3/105
(9) أخرجه النسائي: (4/60)
(10) مناقب الشافعي للرازي /36
(11) أعلام الموقعين (1/86) .
(12) أخرجه : أحمد (6/371 رقم 27138)تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح
(13)أخرجه: الديلمي (3/179 ، رقم 4485) .،أبو نعيم فى الحلية (4/18) .
(14) أخرجه: البخاري (2/670 ، رقم 1795) ، ومسلم (2/807 ، رقم 1151)
(15) أخرجه :البخاري(4/1830 رقم 4556)،مسلم(3/136 رقم 2644) .
(16)الطبراني (6/193 ، رقم 5972) ، والحاكم (4/348 ، رقم 7873) وقال : صحيح الإسناد
(17) الرسائل:277
(18)فى آفاق التعاليم:117
(19)أخرجه البخاري (3/1152 رقم 2988) عن عمرو بن عوف
(20)أخرجه:أحمد(42/465 رقم 25705)،والحاكم(2/427 رقم 3486)وقال:صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(21) أخرجه الطبراني (11/174 ، رقم 11405)