الراية إلى سيف اللَّه المسلول:
فلما سقطت الراية باستشهاد عبد الله بن رواحة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُكلف أحدًا بحملها بعده، تقدم ثابت بن أقرم رضي الله عنه، وحمل الراية، وقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، فقالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد رضي الله عنه.
وفي رواية أخرى أن المسلمين لما قُتل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه تفرقوا وانهزموا حتى لم ير اثنان جميعًا، فتقدم ثابت بن أقرم رضي الله عنه، فأخذ الراية، ثم سعى بها وأعطاها خالد ابن الوليد رضي الله عنه، فقال له خالد: لا آخذها منك، أنت أحق بها، لك سن، وقد شهدت بدرًا، فقال ثابت: والله يا خالد ما أخذتها إلا لك، أنت أعلم بالقتال مني، فأخذ خالد بن الوليد رضي الله عنه الراية[35].
فلما أخذ خالد رضي الله عنه الراية واجتمع المسلمون إليه، قاتل الكفار قتالًا شديدًا، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه قال: «لَقَدِ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ»[36].
وفي لفظ: «لَقَدْ دُقَّ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَصَبَرَتْ فِي يَدِي صَفِيحَةٌ لِي يَمَانِيَةٌ»[37].
قال الحافظ في الفتح: وهذا الحديث عن خالد رضي الله عنه يقتضي أن المسلمين قتلوا من المشركين كثيرًا[38].
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «وهذا يقتضي أنهم أثخنوا[39] فيهم قتلًا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، وهذا وحده دليل مستقل، والله أعلم»[40].
عبقرية خالد رضي الله عنه في القتال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخبر أصحابه بالمدينة - وقد جاءه الوحي بذلك -: «...حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ»[41].
قال أبو قتادة رضي الله عنه: «فمن يومئذ سُمي خالد بن الوليد سيف الله»[42].
وقد استطاع خالد بن الوليد رضي الله عنه أن يثبت أمام هذا الطوفان من العدو طول النهار، فلما أصبح جعل مقدمة الجيش ساقة، وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فلما لقوا العدو في اليوم التالي أنكر عدوهم حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فلما حمل خالد رضي الله عنه عليهم هزمهم الله أسوأ هزيمة، وقتلوا منهم أعدادًا كبيرة، ثم انحاز خالد رضي الله عنه وانسحب بجيشه شيئًا فشيئًا، حتى انصرف إلى المدينة، ولم يُصب في جيشه أحد خلال هذا الانسحاب[43].
وليس في الدنيا قائد يستطيع أن يُنقذ هذه القبضة من الرجال - بقية الثلاثة آلاف - من وسط هذا اللج[44]، إلا أن يأتي بأعجوبة، وقد أتى بها خالد، واستطاع أن يخرج من لجة[45] البحر من غير أن يبتل، وأن ينسحب من وسط اللهب من غير أن يحترق، وأن يُسجل هذه المنقبة في تاريخ الحروب[46][47].
قال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع رضي الله عنهم يرثي من استشهد:
كَفَى حُزْنًا أَنِّي رَجَعْتُ وَجَعْفَرُ 
وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللهِ فِي رَمْسِ[48] أقَبُرِ 
قَضَوْا نَحْبَهُمْ لَمَّا مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ 
وَخُلِّفْتُ لِلْبَلْوَى مَعَ المُتَغَبِّرِ 
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] قال الحافظ في الفتح (7/ 510)، مؤتة: بضم الميم وسكون الواو. أهـ، وهي الآن قرية عامرة بالسكان شرقي الأردن.
[2] لم يختلف في ذلك أحد. وانظر فتح الباري (7/ 511).
[3] البلقاء: بفتح الباء وسكون اللام، وهي مدينة معروفة بالشام، انظر شرح المواهب (3/ 339).
[4] كل من قُتل في غير معركة، ولا حرب، ولا خطأ، فإنه مقتول صبرًا، انظر النهاية (3/ 8).
[5] روى الإمام أحمد في مسنده برقم 15989، بسند قال فيه محققوه: صحيح بطرقه وشواهده عن نعيم بن مسعود الأشجعي صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين قرأ كتاب مسيلمة الكذاب، قال للرسولين: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «واللَّه لولا أن الرسل لا تقتل، لضربت أعناقكما».
[6] يقال: ندبته فانتدب: أي بعثته ودعوته فأجاب. انظر النهاية (5/ 34).
[7] انظر: سيرة ابن هشام (3/ 328)، فتح الباري (7/ 511).
[8] هذه رواية ابن حبان في صحيحه برقم 7008. وفي رواية الإمام أحمد في مسنده برقم 22551: أرهب.
[9] لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة رضي الله عنه في سرية إلا أمره، فقد روى الإمام أحمد في مسنده برقم 25898، وقال محققوه: إسناده حسن إن صح سماع البهي من عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمَّره عليهم.
[10] أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده برقم 22551، وقال محققوه: صحيح لغيره.
[11] الجُرف: بضم الجيم، موضع قريب من المدينة. انظر النهاية (1/ 262)، وانظر التفاصيل في سيرة ابن هشام (4/ 21).
[12] معان: بفتح الميم، مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء. انظر: معجم البلدان (8/ 285).
[13] مآب: مدينة في طرف الشام من نواحي البلقاء. انظر: معجم البلدان (7/ 188).
[14] قوام: قدر، انظر: لسان العرب (11/ 357).
[15] انظر: سيرة ابن هشام (3/ 328)، البداية والنهاية (6/ 412).
[16] العرمرم: هو الكثير من كل شيء. انظر: لسان العرب (9/ 172).
[17] قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره (4/ 72): وقد كان للصحابة رضي الله عنه في باب الشجاعة والائتمار بأمر الله، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحُبُوش وأصناف السودان والقِبطِ، وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم، إنه كريم وهاب.
[18] انظر سيرة ابن هشام (4/ 22)، البداية والنهاية (6/ 416).
[19] انظر: الرحيق المختوم ص389.
[20] طفق: جعل. انظر: لسان العرب (8/ 174).
[21] يقال: ألحم الرجل واستلحم: إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصًا. انظر: النهاية (4/ 206).
[22] أصل العقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم. انظر: النهاية (3/ 245).
[23] أخرج عقر جعفر رضي الله عنه فرسه، أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب في الدابة تعقر في الحرب برقم 2573، وحسن إسناده الحافظ في الفتح (7/ 511).
[24] انظر: سيرة ابن هشام (3/ 333).
[25] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة برقم 4261.
[26] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة برقم 4260.
[27] انظر: فتح الباري (7/ 512).
[28] أجلب الناس: تجمعوا وتألبوا. انظر النهاية (1/ 282)؛ الرنة: الصيحة الشديدة، انظر: لسان العرب (5/ 334).
[29] الحمام: بكسر الحاء، أي قضاء الموت وقدره، انظر: لسان العرب (3/ 339).
[30] العرق: بفتح العين وسكون الراء: العظم إذا أُخذ عنه معظم اللحم، انظر: لسان العرب (9/ 162).
[31] النهس: هو أخذ اللحم بمقدم الأسنان، انظر: لسان العرب (14/ 306).
[32] حطمة الناس: أي ازدحامهم، انظر: لسان العرب (3/ 227).
[33] أخرجه مختصرًا ابن ماجه في سننه برقم 2793، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح سنن ابن ماجه برقم 2252.
[34] ذرفت العين: إذا جرى دمعها. انظر: النهاية (2/ 159)، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب تمني الشهادة برقم 2798.
[35] انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (4/ 446)، سيرة ابن هشام (4/ 27)، شرح المواهب (3/ 347).
[36] صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة برقم 4265.
[37] صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة برقم 4266.
[38] انظر: فتح الباري (7/ 516).
[39] الإثخان في الشيء: المبالغة فيه والإكثار منه، والمراد به هاهنا: المبالغة في قتل الكفار، انظر: النهاية (1/ 208).
[40] انظر: البداية والنهاية (6/ 435-436).
[41] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة برقم 4262.
[42] أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده برقم 22551، وقال محققوه: صحيح لغيره.
[43] انظر: سيرة ابن هشام (4/ 27)، الطبقات الكبرى لابن سعد (4/ 446)، البداية والنهاية (6/ 430).
[44] اللُجُ: معظم الماء، حيث لا يدرك قعره، ولج البحر عرضه، ولج الليل شدة ظلمته وسواده. المعجم الوسيط ص816.
[45] لجة البحر: معظمه. انظر: النهاية (4/ 233).
[46] انظر: كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، ص47.
[47] أحداث الغزوة مستفادة من كتاب اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون للشيخ موسى العازمي (3/ 583-598) مع حذف وإضافة.
[48] رمس: الرمس خفي القبر. شرح غريب السيرة (3/ 69).