عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 16-09-2019, 11:58 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: اسم الله التواب: تأصيلا وفقها




3- الندم على المعصية، والحزن على ارتكابها، حزنًا يُوجِب الانكسار بين يدي الله، والتذلُّل له؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((الندم توبةٌ))؛ صحيح سنن ابن ماجه.

4- العزم على عدم الرجوع إليها؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله تعالى: ï´؟ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ï´¾ [التحريم: 8]: "هو الرجل يعمل الذنب ثم لا يعود إليه".

5- صدروها في زمن قبولها، وهو قبل أن تبلغ الرُّوح الحلقوم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن اللهَ يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ))؛ صحيح سنن الترمذي، وقبل طلوع الشمس من مغربها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ تابَ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ من مغربها، تاب الله عليه))؛ مسلم.

قال بعض الحكماء: "إنما تعرف توبة الرجل في أربعة أشياء: أن يمسكَ لسانَه من الفُضُول والغِيبة والكذب، ألَّا يرى لأحد في قلبه حَسَدًا ولا عداوةً، أن يفارق أصحابَ السُّوء، أن يكون مستعدًّا للموت، نادمًا مستغفرًا لما سلف من ذُنُوبه، مجتهدًا في طاعة ربِّه".


عُد للصَّواب وقَبْلَ الفوت يعقبُنا

وقبل أن نلتقي موتًا بلا حينِ



إنَّ الإلهَ إذا ما قُمْتَ مُكْتَئِبًا

حُزْنًا على الذَّنْبِ يرضى دَمعة العينِ



وتوبةُ العبدِ مِن عِصيانه زمنًا

تُرْسي الذُّنُوب إلى حُسْنى وتَحسينِ





أما فقه هذا الاسم الجليل، فيُوقِفنا على جملة دروس؛ منها:
1- إنما تمام التوبة بردِّ المظالم إلى أصحابها، إذا كان الذَّنْب في حقِّ الآدميين، قال أبو بكر الرقاق: "التوبة النصوح، هيردُّ المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان الطاعات"، فالمعصية في جنْب الله تُمحى بالتوبة والاستغفار، أما إذا كانت متعلِّقة بحقوق الآدميين؛ كالغِيبة، أو الاتِّهام بالباطل، فلا تبرأ الذمَّة منها إلا بإعلام المغتاب أو المتهم بذلك، واستحلاله ممَّا جناه في حقِّه، وأن يعود إلى مواطن غِيبته واتهامه، فيذكره بالخير، ويُكثِر من بيان محاسنه والثناء عليه.

وإذا كانت الجناية أخذَ مالٍ، أو غصْب أرض، أو سرقة متاعٍ، فلا تتمُّ التوبة إلا بردِّ ذلك لصاحبه، والاعتذار منه؛ لأن المجني عليه سيُطالب بحقوقه يوم القيامة كاملة، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ كانت له مَظْلمةٌ لأحدٍ مِن عِرضه أو شيء، فليتحلَّلْه منه اليوم، قبل ألَّا يكون دينارٌ ولا درهمٌ، إن كان له عملٌ صالحٌ أخذ منه بقدر مَظْلمتِه، وإن لم تكن له حسناتٌ، أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه))؛ البخاري.

2- ليتحقَّق التائبُ من صحَّة توبته، لا بُدَّ أن يُحِسَّ بالندم على المعصية يعتصِرُ قلبَه، وبنفسه تنكسِر لمولاها على تجاوُز حدوده، وعدم استحضار عظمته، وهي التوبة النصوح؛ أي: الخالصة.

وقد وصفها علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: "أن تذيب نفسَك في طاعة الله كما ربَّيْتها في المعصية، وأن تُذِيقَها مرارةَ الطاعة كما أذَقْتَها حلاوةَ المعصية".

وقال فيها سعيد بن المسيب رحمه الله: "التوبة النصوح: توبة تنصحون بها أنفسكم".

وقال فيها محمد بن كعب القرظي رحمه الله: "التوبة النصوح تجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللِّسان، والإقلاع بالأبدان، وإظهار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيئ الخلَّان".

وقال فيها رويم الراعي رحمه الله: "هي أن تكون لله وجْهًا بلا قفًا، كما كنتَ له عند المعصية قفًا بلا وجهٍ".

وسُمِّيَتْ نصوحًا أيضًا لما فيها من نُصْح المسلمين ممَّا تاب الله عليك منه، قال السدي رحمه الله: "لا تصحُّ التوبة إلا بنصيحة النفس والمؤمنين؛ لأن من صحَّت توبتُه، أحَبَّ أن يكون الناسُ مثلَه".

3- ومن فقه اسم الله: "التَّوَّاب"، الهرع إلى الله عند نزول المصائب، وحلول الكوارث؛ من زلازلَ، وفيضانات، وأمراض، وحروب وغيرها؛ قال تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ï´¾ [الأنعام: 42، 43].

وقد ثبت عن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله أنه لما وقع الزلزال في زمانه، كتب إلى عُمَّاله في البلدان، وحثَّهم أن يأمروا المسلمين بالتوبة إلى الله، والضراعة إليه، والاستغفار من ذنوبهم.

بل إن دعاء الله تعالى باستحضار الندم على الذنوب والمعاصي سبيلٌ لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات؛ قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: ((دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: ï´؟ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ï´¾ [الأنبياء: 87]، فإنه لم يَدْعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قطُّ، إلَّا استجاب الله له))؛ صحيح سنن الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كَرْبٌ أو بَلاءٌ من بلايا الدنيا، دعا به يُفَرَّج عنه؟))، فقيل له: بلى، فقال: ((دعاء ذي النون: ï´؟ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ï´¾ [الأنبياء: 87]))؛ صحيح الجامع.

4- تكرار التوبة حينًا بعد حين، وعدم اعتقاد أن الإقلاع عن المعصية ينهي التوبة منها؛ فالله تعالى وجَّه الأمر بها إلى المؤمنين قبل غيرهم، فقال: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ï´¾ [التحريم: 8]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو النبي المصطفى يتوب إلى الله في اليوم مائة مرة، فكما أن الأغسال تتكرَّر لإزالة الأوساخ، فكذلك التوبة تتكرَّر لإزالة آثار الذنوب من القلوب، وعلاج الأخطاء المرتكبة بقصد وبغير قصد؛ ولذلك قُرِنَت التوبة بالطهارة في قوله تعالى: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ï´¾ [البقرة: 222].

وتكرار التوبة دليلٌ على يقظة تشمير أولي الألباب الذين أيقنوا أن الموت بالأبواب، وأن الأجل في كتاب.


ما زال يلهَج بالرحيلِ وذِكْرِهِ

حتَّى أناخَ ببابه الجمَّالُ



فأصابَه مُتيقِّظًا مُتشمِّرًا

ذا أُهْبةٍ لم تُلْهِهِ الآمالُ





وما أهلك كثيرًا من العصاة إلَّا الغفلة عن التوبة، والركون إلى متع الحياة وشهواتها، حتى تصلَّب حِسُّهم، وقَسَتْ قلوبُهم؛ قال تعالى: ï´؟ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ï´¾ [النساء: 18]. بل منا من يرى الجنائز كلَّ يوم، ويزور المقابر كلَّ يوم، ويفقد أحِبَّته كل يوم، ومع ذلك لا يرعوي، ولا يعود بالندم على ذنوبه، والبكاء على خطيئته.


تُروِّعُنا الجنائزُ مُقْبِلاتٍ

فنلهُو حين تذْهَبُ مُدْبِرات



كروعة ثلَّة لِمُغار ذئبٍ

فلمَّا غابَ عادَتْ راتِعات





5- عدم اليأس من التوبة، مهما عظُمت المعصية، واشتدَّت الخطيئة، فالله كريم جوَاد، رحيم توَّاب على من ندم وتاب، وأيقن أن إلى ربِّه الرجوع والمآب.
ولأنْتَ تَوَّابٌ ودَوْمًـا لم تَزَل *** غفَّار معصية الغويِّ إذا ندِم

ففي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئةٌ مثلها أو أغفر، ومَنْ تقرَّبَ منِّي شِبْرًا، تقرَّبْتُ منه ذِراعًا، ومَنْ تقرَّبَ منِّي ذراعًا، تقَّربْتُ منه باعًا، ومَنْ أتاني يمشي، أتيتُه هرولةً، ومن لقِيني بقُراب الأرض (ما يقارب ملأها) خطيئةً لا يُشرِك بي شيئًا، لقيتُه بمثلها مغفرةً)).


ولَمَّا قَسا قَلْبي وضَاقَتْ مذاهبي

جَعَلْتُ الرَّجا مِنِّي لِعَفْوِكَ سُلَّما



تعاظَمَني ذنبي فلَمَّا قَرَنْتُهُ

بعَفْوِكَ ربِّي كان عَفْوُكَ أعْظَما



فمَا زِلْتَ ذا عَفْوٍ عن الذَّنْبِ لم تزَلْ

تجُودُ وتعفو مِنَّةً وتكَرُّما





كان الفضيل بن عياض رحمه الله شاطرًا يقطع الطريق، وكان سبب توبته أنه عشق جاريةً، فبينما هو يرتقي الجُدْران إليها، إذ سمِع تاليًا يتلو: ï´؟ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ï´¾ [الحديد: 16]، فلما سمِعها قال: بلى يا رب قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سائل، فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تُبْتُ إليك، وجعلتُ توبتي مجاورةَ البيت الحرام.

ومن القصص المعاصرة الحقيقية: ما رواه أحد الصالحين، قال: كنتُ أمشي في سيارتي بجانب السوق، فإذا شابٌّ يعاكس فتاةً، فتردَّدْتُ هل أنصحه أم لا؟ ثم عزمْتُ على أن أنصحَه، فلما نزلتُ من السيارة، هربَتِ الفتاةُ، وخاف الشابُّ، وتوقَّع أنني من لجنة المتابعة أو من الشرطة، فسلمْتُ عليه، وقلت له: إنما أنا أخٌ أحببْتُ لك الخير، فأحببْتُ أن أنصحَكَ، وبدأتُ أُذكِّره بالله حتى ذَرَفَتْ عيناه، ثم تفرَّقنا، وقد أخذْتُ رقم هاتفَه، وأخذ رقم هاتفي، وبعد أسبوعين، اتصلتُ عليه، وفرح كثيرًا لما سمِع صوتي، وضربْتُ معه موعدًا أزوره بعد العصر، فجاءني ضيوفٌ، وتأخَّرْتُ عنه قرابة الساعة، وعندما طرقْتُ الباب فتح لي والدُه، فسلَّمْتُ عليه، وقلتُ: فلانٌ موجودٌ؟ فأخذ ينظر إليَّ بعينين دامعتين، وقال: يا ولدي، لقد دفنَّاه قبل قليل، بعد أن صلَّى الظهر، ثم جلس في المسجد يقرأ القرآن، وعاد إلى البيت، ونام القيلولة، فلمَّا أردْنا إيقاظَه للغداء، فإذا رُوحُه قد فاضَتْ إلى الله.



فيا عبدًا يَضِيقُ بكُلِّ إثْمٍ

ويرجُو اللهَ تسديدًا خُطاه



تقدَّمْ نحْوَ بابِ اللهِ تظْفَرْ

بتِرْحابٍ تُردِّدُه سَماه



كريمٌ لا يُخيِّبُ ظَنَّ عَبْدٍ

تُمَدُّ إليه في ذُلٍّ يداه




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.36 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.24%)]