السياسة الشرعية في فقه ابن عثيمين
عبد العزيز بن عبد الرحمن الشبرمي
الفرع الثامن: نصيحة الحكام وزيارتهم:
إن من أبرز المعالم السياسية في حياة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - حرصه التام على ربط العلائق بين العالم، والحاكم، علاقة مبنية على الاحترام، وتقدير المسؤولية المناطة على العلماء، والحكام، لا من أجل الحضوة بمتاع من الدنيا زائل، ولهذا فإنَّ من يعرف الشيخ يجده مقدِّراً للحكّام، حريصاً على الاتصال بهم، واستقبالهم، والتشاور معهم في ما يستجد من أمور، ولم يك يوماً معنفاً، أو مؤلباً، أو منتقداً، وإذا أراد أن ينتقد أمراً فيتكفي بالزيارة اللطيفة، أو المهاتفة المناسبة.
كقوله رحمة الله: وأما النصيحة لأئمة المسلمين فهو صدق الولاء لهم، وإرشادهم لما فيه خير الأمة في دينها، ودنياها، ومساعدتهم في إقامة ذلك، والسمع، والطاعة لأوامرهم، ما لم يأمروا بمعصية (21).
ويقول أيضاً: إن من حقوق الرعاة على رعيتهم أن يناصحوهم، ويرشدوهم، وأن لا يجعلوا من خطئهم إذا أخطأوا سلماً للقدح فيهم، ونشر عيوبهم بين الناس، فإن ذلك يوجب التنفير عنهم، وكراهتهم، وكراهة ما يقومون به من أعمال وإن كانت حقاً، ويوجب عدم السمع والطاعة لهم، وإن من الواجب على كل ناصح، وخصوصاً من ينصح ولاة الأمور أن يستعمل الحكمة في نصيحته، ويدعوا إلى سيبل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، فإذا وجد ممن ينصح من ولاة الأمور قبولاً للحق، وانقياداً له فذلك، وإلا فليتثبت في الأمور، وليتحقق من وقوع الخطأ منه، وإصراره عليه، ثم ليرفعه إلى من فوقه إن كان في ذلك مصلحة، كما كان السلف يفعلون (22).
وقد بيّن - رحمه الله - أن المناصحة تكون مشافهة إذا أمكن، أو بالمكاتبة، أو بالوساطة يوسّطون من يتكلم مع السلطان إذا كانوا لا يستطيعون، ومن المناصحة تأليف القلوب على ولي الأمر، وأن يبتعد عن كل ما يوجب النفرة منه، والحقد، والعداوة. لأنه ليس من النصيحة للإنسان أن تملأ قلوب الناس عليه حقداً، وعداوة، والدعاء لهم أمر مهم في مناصحتهم (23).
ولما تحدث عن قصة دخول أبي مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان علّق قائلاً: جرأة السلف على مجابهة الملوك، والخلفاء، ومن دونهم وهي جراءة صريحة ليست جراءة من وراء الجدران، ومن بعاد الفيافي) (24).
كأنّه ينتقد الذين يجهرون بأخطاء الحكام من بُعْدٍ، واستتار، ولا يستخدمون الطريقة الأمثل، وهي المناصحة المباشرة، وبهذا يعلم خطأ التشهير على الولاة في المنابر، ووسائل الإعلام، والمنشورات ونحوها.
الفرع التاسع: حكم قتل الحاكم:
إن قتل الإنسان معصوم الدم عمداً يستوجب القود، أو الدية باختيار الورثة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين... )) الحديث
لكنّ قتْل السلطان أمر أعظم من ذلك، وأشد، لما فيه من إضاعة الأمن، وخراب الدولة، وإشاعة الفساد، وتشجيع الجريمة، والمجرمين، لذلك يقول ابن عثيمين - رحمه الله -: " إن قاتل السلطان يجب أن يعامل كقطاع الطريق، فلا يرجع فيه إلى الورثة، بل يجب قتله؛ لأنّ فساده عام".
ولمّا سئل عن الذين يقتلون الحكام لأنهم لا يحكمون بشريعة الله، ويقولون هم كفار!!
قال: لا يجوز؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن بذلك، فإذا قتلوا الولاةَ يُقتَلون. هذا هو الحكم فيهم، فقد يكون عند الولاة تأويل(25).
المعلم الثاني: الحقوق والواجبات المتبادلة بين الحاكم والمحكوم:
الفرع الأول: الحقوق الواجبة على الحاكم للمحكوم:
أوضح- رحمه الله - أن الولاية، والإمارة مسؤولية عظيمة، ليست لبسط النفوذ، ونيل المرتبة، إنما هي لإقامة الحق بين الخلق، ونصرة دين الله وإصلاح الناس دينياً، ودنيوياً، وتطبيق أحكام الله، والعدل بينهم، والحرص على استتباب الأمن، والقضاء على الفوضى، حيث يقول - رحمه الله -:
أمّا حقوق الرعية على ولاتهم فالمسؤولية كبيرة، والأمر خطير، فليس المقصود بالولاية بسط السلطة، ونيل المرتبة، إنما المقصود بها تحمل مسؤولية عظيمة، تتركز على إقامة الحق بين الخلق بنصر دين الله، وإصلاح عباد الله دينياً، دنيوياً، فيجب على الولاة صغاراً وكباراً إخلاص النية لله - سبحانه -، والاستعانة به على جميع أمورهم، على ما حملوا من هذه الأمانة وعليهم أن يطبقوا أحكامه - سبحانه - بحسب استطاعتهم على الشريف، والوضيع، والقريب والبعيد، لا يحابوا شريفاً لشرفه، ولا قريبا لقربه، متمشين بذلك على ما رسمه لهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال معلناً ومقسماً وهو البار الصادق بدون قسم: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
ثم أخبر أنه بذلك يستتب الأمن، ويحصل التآلف، وإلا تحصل الفوضى، والتنافر(26).
وذكر - رحمه الله -: أن من واجبات الأئمة إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والجهاد، والحج، والجمع، والأعياد، وتنفيذ الحدود الشرعية(27).
الفرع الثاني: الحقوق الواجبة على المحكوم للحاكم:
بيّن - رحمه الله - الحقوق الواجبة لكل حاكم على رعيته، فقال في إحدى خطبه: أما حقوق الولاة على رعيتهم فهي النصح، والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة، بسلوك أقرب الطرق إلى توجيههم، وإرشادهم، وكذلك من حقوقهم السمع و الطاعة بامتثال ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه، ما لم يكن في ذلك مخالفة لشريعة الله، فإن كان في ذلك مخالفة لشريعة الله فلا سمع ولا طاعة.
ثم قال مبيناً طاعة ولاة الأمر:
إن من طاعة ولاة الأمر التي أمر الله بها أن يتمشى المؤمن على أنظمة حكومته المرسومة إذا لم تخالف الشريعة، فمن تمشى على ذلك كان مطيعاً لله، ورسوله، ومثاباً على عمله، ومن خالف في ذلك كان عاصياً لله، ورسوله، وآثماً بذلك(28).
ومن حقوق الولاة على المحكومين نصرتهم في حروبهم على البغاة، وقطاع الطريق إذا امتنعوا عليه(29).
المعلم الثالث: طريقة الحكم، ومقصوده، وسياسة البلاد:
بيّن ابن عثيمين- رحمه الله - أن الحكم لا بد أن يكون بشريعة الله، وبما أنزل الله، وهو دين الإسلام، وأن ذلك هو الأحسن الذي لا حسن سواه، حيث يقول: إنه لا عزة ولا كرامة، ولا انتصار إلا بالقيام بالدين، وتحكيم الكتاب، والسنة، وتقديمهما على جميع النظم، والقوانين، فإنه لا نظام أقوى من نظام الإسلام، ولا حكم أحسن من حكمه، لأنّه حكم الرب العلي الحكيم الرحمن الرحيم.
لا أحسن من تطبيق الإسلام في الأمور السياسية، والأمور الاقتصادية، والأحوال الاجتماعية، والأحوال الشخصية، والحدود الجنائية، فتطبيقه صلاح العالم في جميع الأحوال(30).
وقد بيّن - رحمه الله - أن الولاية، والإمارة ليست مقصودة لذاتها من بسط النفوذ، ونيل المرتبة، إنما هي لإقامة الحق بين الخلق، ونصرة دين الله، وإصلاح عباد الله دينياً، ودنيوياً، وتطبيق أحكام الشريعة بالعدل، والإنصاف(31).
كما أوضح أن من مقاصد الحكم إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وضبط الأمن والجهاد، والحج، والجمع، والأعياد، وتنفيذ الحدود الشريعة، وتولي بيت المال(32).
وأما سياسة البلاد فتكون بإعمار الأرض، وإصلاح أمور الدنيا خدمة للدين، وتقسيم المال، ومعاقبة المجرمين، والمعتدين، وصرف الثروات لمستحقيها(33).
المعلم الرابع: التعامل مع أهل البغي والفساد:
غالباً ما تعيش الدولة الإسلامية في داخلها الأمن، والاستقرار بفضل الله أولاً، ثم بإقامة وتحكي شريعته من قبل الحكام المسلمين ثانيا، ولكن قد يطرأ على هذا الحال ما يكدر الصفو، وينكد العيش، من خلال خروج فئة من المسلمين، وحملهم السلاح على ولي أمر المسلمين، وسلطته بحجة تأويل قد يكون سائغاً، فيشقون عصا الطاعة، ويعلنون التمرد والخروج من دائرة الطاعة، والتبعية، وربما يصل الأمر بهم إلى الفساد والإفساد في الأرض، ولقد بذل ابن عثيمين- رحمه الله - في معالجة هذا الأمر بذلاً مباركاً، وذلك من خلال توجيهه لشباب المسلمين للحذر من هذه المزالق، حيث قال لمن سأله عن صحة ضابط الخروج على الحكام، وأنه إذا كان فاسقاً، ووجدت المقدرة على الخروج، فيجوز الخروج!! قال: هذا ليس من مذهب السلف في شيء، فالسلف متفقون على أنه لا يجوز الخروج على الأئمة أبراراً كانوا أو فجاراً، وأنه يجب الجهاد معهم، وحضور الجمع، والأعياد التي يصلونها هم بالناس.
ثم حذّر من هذا المزلق فقال: إن الذين يخرجون على الحاكم لأمر ديني، ودنيوي هل سيغيرون الحال إلى الأحسن؟ بل إلى الأسوأ جداً، وانظر إلى الدول كلها تجد أنها تحولت إلى الشيء نفسه.
ثم قال: وأنصح طلاب العلم الذين يقولون هذا بأن يتقوا الله في أنفسهم، لا يغروا المسلمين، غداً تخرج الطائفة ثم تحطّم، أو يتصور عن الملتزمين تصوراً غير صحيح، وردّد قائلاً: إياكم إياكم، احذروا الفتن، البلاد- والحمد لله آمنة، ومطمئنة، كل يتمنى أن يعيش فيها... ونحن لا نشك أننا، وحكامنا مقصرين، لكن إلى الله المشتكى(34).
وتحدّث - رحمه الله - في خطبته يوم الجمعة التالية لتفجير الخبر يوم الأربعاء العاشر من شهر صفر من عام 1417هـ مبيّنا خطورة ذلك العمل، وما حصل من جرّائه من أمور منكرة، من قتل للمسلمين، والمستأمنين معصومي الدم، وإتلاف الممتلكات، وترويع الآمنين، ودعا إلى الإمساك بهم، ومحاكمتهم وفق شرع الله - سبحانه -، وبيّن أن ذلك لايمثل دين الله، وإنما يمثل فئة ظالمة جاهلة.
المعلم الخامس: الشورى:
ذكر ابن عثيمين- رحمه الله - فوائد عدة من أمر الله نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن يستشير أصحابه، معلقاً على كلام شيخ الإسلام - رحمه الله -: إنه لا غنى لولي الأمر من المشاورة: فقال: أمرالله نبيه بالمشورة لعدة أمور:
أولاً: لتأليف قلوب أصحابه، حتى لا يقولوا إن الرجل استبد برأيه.
ثانياً: ليقتدي به غيره من الولاة، وغيرهم.
ثالثاً: ليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل به الوحي.
وبيّن -رحمة الله- أنه لا بد أن يستشار من فيه صفتان: الأمانة والرأي(35).
وبيّن نوعية المستشارين، وأنها بحسب نوع المشورة، فقال: ففي الأمور الشرعية يستشار أهل العلم الشرعي، وفي الأمور الحربية يستشار أهل العلم بالحرب، وفي أمور الصناعة يستشار أهل العلم بالصناعة، وفي أمور الزراعة يستشار أهل العلم بالزراعة، وهكذا لأن كل أحدٍ يدرك مالا يدركه الآخر(36).
الفصل الثاني: المعالم السياسية الخارجية في فقه الشيخ محمد بن عثيمين:
المعلم الأول: الجهاد قتال الأعداء:
لمّا كانت العلاقة بين الدول تتنوع بين السلم، والحرب، ولمّا كان حرب الدولة الإسلامية يجب أن تكون منطلقاً من عقيدتها الإسلامية، حيث تقاتل أعدائها وفق شريعة الله المتمثلة بالجهاد الذي ترجوبه إما النصر، وإما الشهادة في سبيل الله، ولمّا كان الجهاد في سبيل الله من الأمور المشتملة على أحكامٍ قد تخفى على كثير من المقاتلين، وسائر الناس، لذا فإنَّ الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله - تحدث عن هذه الشعيرة، وتناول مسائلها بتفصيل، وتوضيح وفي هذا المعلم السياسي البارز في حياته العلمية أردت تجلية بعض المسائل التي أولاها الشيخ - رحمه الله - جزءاً كبيراً من تبيانه، وهي إذن الإمام في إقامة الجهاد ابتداء؟ وهل هو على الوجوب أم الندب؟ وفي حال قيام الجهاد، ومسايفة الأعداء فمن الذي يستحق القتل، ومن يستثنى من ذلك؟ وما هي كيفية قسم الغنائم في حال انتصار المسلمين؟
وقبل البدء بتفصيل ذلك، لا بد من بيان مفهوم الجهاد، ومعناه في لغة العرب، واصطلاح الفقهاء.
فالجهاد هو: مصدر جاهد، وهو من الجهد أي الطاقة، والمشقة:
واصطلاحاً: قتال المسلم كافرا ً غير ذي عهد، لإعلاء كلمة الله، أو حضوره له، أو دخوله أرضا له(37).
وقد قسمت هذا المعلم إلى ثلاثة فروع:
الفرع الأول: هل يجب إذن الإمام في الجهاد؟:
يرى ابن عثيمين- رحمه الله - أن المخاطب بالجهاد هم الأئمة، وولاة الأمور، لذا فإنه لا يجوز إلا بإذنهم، حيث يجب استئذانهم فيه، فيقول لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر، لأن المخاطب بالغزو، والجهاد هم ولاة الأمور، وليس أفراد الناس، فأفراد الناس تبع لأهل الحل والعقد، فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلا على سبيل الدفاع، وإذا فاجأهم عدو يخافون كَلَبَه فحينئذٍ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم، لتعين القتال إذاً.
وعلّل ذلك بقوله: وإنما لا يجوز ذلك لأن الأمر منوط بالإمام، فالغزو بلا إذنه افتيات، وتعدٍ على حدوده، ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى، كل من شاء ركب فرسه وغزا، ولأنه لو مُكِّن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة(38).
وعن حكم خروج الرجل للجهاد بدون إذن الإمام يقول - رحمه الله -:
إذا خرج بدون إذن الإمام فهو خارج عن الجماعة، ومخطئ على نفسه، خصوصاً في عصرنا هذا، لأنه إذا خرج مجاهداً، ثم عثر عليه، وعلمت دولته صار هناك مشاكل بينهما، فالواجب على الإنسان أن يأخذ بالنصوص من كل جانب، ولهذا قال العلماء: ويحرم الغزو بدون إذن الإمام.
وبيّن - رحمه الله - أن إذن الإمام لا يشترط أن يكون صريحاً، أو مكتوباً، فكل ما دل على إذن فهو إذن شرعي، حيث يقول: وكون الدولة ترخص للناس، وتعطيهم جوازات سفر لمكان الجهاد، وهي تعلم فهذا إذن، وإن لم يكن إذناً لفظياً، فهو إذن باعتبار الواقع(39).
الفرع الثاني: المستثنى من القتل في الجهاد:
الجهاد هو قتال الأعداء، والعدو هو كل من بينه وبين المسلمين عداوة، ومحاربة، والأصل أن كل الأعداء يُقتلون، ولكن دين الإسلام دين الرحمة، والعدل، يميز بين الأعداء، فهناك أعداء يجب قتلهم لكونهم حملوا السلاح، وقاتلوا المسلمين، بينما هناك فئة لا يجوز قتلهم، بل يجب ترك قتلهم، وإبقائهم على قيد الحياة، يُجلّي هذه الأحكام ابن عثيمين - رحمه الله - فيقول: لا يجوز قتل صبي، ولا امرأة، وخنثى، وراهب، وشيخ فان، وأعمى إلا بواحدً من ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون لهم رأي وتدبير، فإن بعض كبار الشيوخ ولو كان شيخاً فانياً لا يستطيع أن يتحرك، فإن عنده من الرأي، والتدبير ما ليس عند الشباب المقاتل.
الثاني: إذا قاتلوا كما لو اشترك النساء في القتال فإنهن يقتلن.
الثالث: إذا حرضوا المقاتلين على القتال، وصاروا يغرونهم، بأن افعلوا كذا، اضربوا كذا، إلى آخره. لأنهم لهم تأثير في القتال.
ثم بيّن- رحمه الله - أ نهم لا يُتركون إذا لم يتحقق منهم أحد الأمور الثلاثة التي ذكرها، بل إ نهم يسبون، فقال: وهؤلاء السبعة يكونوا أرقاء بسبي، أي بمجرد أخذهم يكونوا أرقاء في الحال، ولا يخير فيهم الإمام تبعاً للغنيمة، لأنهم صاروا مماليك(40).
الفرع الثالث: قسمة الغنائم:
لمّا كان مقصود الجهاد، وقتال الأعداء هو الفوز بنصر الله - تعالى -، أو الفوز بالشهادة في سبيل الله كان لا بد لعلماء الإسلام أن يتحدثوا عن مظهر من مظاهر المقصود الأول وهو الغنيمة المتحصلة من مال العدو المحارب.
والغنيمة هي: ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة(41).
ومن جملة أولئك العلماء الذين يبيتوا أحكام الغنائم ابن عثيمين - رحمه الله - حيث يقول:
إذا تم الاستيلاء على الأموال في دار الحرب ملكها المسلمون في تلك البلاد، وجاز قسمتها هناك، وتكون لمن شهد الواقعة من أهل القتال، وهم الرجال الذين يقاتلون، فمن شهد منهم فإنه يقسم له، وأما من جاء بعد انتهاء الحرب فإنه لا شيء له منها، وكذلك من انصرف قبل بدء الحرب فإنه ليس له منها شيء.
وبين - رحمه الله - كيفية قسمتها بقوله:
يقوم الإمام أو نائبه كقائد الجيش مثلاً بإخراج الخمس، أي خمس الغنيمة، ويصرفه على ما ذكر الله بقوله: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (42). فيكون الخمس خمسة أسهم، لله ورسوله سهم، ولذوي القربى سهم، واليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، ويكون سهم الله ورسوله في مصالح المسلمين، وما للرسول يكون للإمام، لأن الإمام نائب مناب الرسول في الأمة، ولكن الصحيح أن ما لله وللرسول يكون فيئاً يدخل في بيت المال، ويصرف في مصالح المسلمين(43).
ثم بيّن - رحمه الله - أن سهم ذوي القربى مختلَف فيه بين أن يوزع على قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب حسب حاجاتهم، وبين أن يعطوا خمس الخمس بالسوية، وبين أن يكون لذكرهم مثل حظي أنثاهم، ورجح أنهم يعطون حسب حاجاتهم، فإن كانوا سواء في الغنى، أو الحاجة أعطوا بالتساوي(44).
وأما اليتامى فرجح أنهم يعطون من خمس الخمس من الغنيمة، ولو كانوا أغنياء جبراً للنقص الذي حصل لهم بفقد آبائهم(45).
وبيّن أن المساكين، وهم الفقراء، وإذا قدّر أن خمسهم قليل فيبدأ بالأحق، وهم المساكين.
وبيّن أن ابن السبيل هم المسافرون، فيعطون من هذا الخمس ما يوصلهم في سفرهم، تذكرة، أو متاعا، أو ما أشبه ذلك(46).
ثم بيّن - رحمه الله - أن المتبقي بعد ذلك، وهو أربعة أخماس الغنيمة، يقسم بين المقاتلين للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، وقال: وإذا كانت الحرب بالطائرات، والدبابات فكلٌ يقاس على ما يشابهه، فالذي يشبه الخيل الطائرات لسرعتها، وتزيد أيضاً في الخطر، فهذا لصاحبها سهم ولها سهمان، والراجل الذي يمشي على رجله مثل القناصة لهم سهم واحد، ولما كانت الطائرة ليست للطيار إنما للدولة فإن سهم الطائرة يرجع لبيت المال، إلا إذا رأى ولي الأمر أن يعطي السهمين لقائد الطائرة فلا بأس، لأن في ذلك تشجيعاً له على هذا العمل الخطير.
والذي يشبه الإبل: الدبابات والنقليات وما أشبهها.
المعلم الثاني: التعامل مع الأسرى:
غالباً ما يعقب الحروب والمعارك أسارى بين الطرفين المتحاربين: والأسير لغة هو: المشدود.
واصطلاحاً: الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر بهم المسلمون وهم أحياء. ويطلق على المسلم الذي به العدو (47).
وهؤلاء الأسرى إما أن يكونوا كفاراً أسرهم المسلمون، وإما أن يكونوا مسلمين أسرهم العدو، وفي كلا الحالين بينت الشريعة أحكام هؤلاء الأسرى، وما واجب المسلمين تجاههم، وقد بيّن - رحمه الله - أن الأسارى الكفار إذا وقعوا في أيدي المسلمين فإن أمرهم إلى الإمام، وله فيهم أربعة أمور يختار منها ما يحقق المصلحة للمسلمين، لا ما يحقق المصلحة للأسير، والأمور الأربعة هي:
القتل أو الاستعباد، أو المنّ مجاناً، أو المفاداة بمال، أو نفس، أو منفعة (48)
ويرى ابن عثيمين - رحمه الله - أنه إذا كان عند المسلمين رهائن من الكفار، وكان عند الكفار رهائن من المسلمين، فيجوز مبادلة المسلمين بالكفار إذا خاف المسلمون أن ينقض العدو العهد، وخاف العدو نقض المسلمين للعهد، فإن قتل العدو رهائن المسلمين جاز للمسلمين قتل رهائن العدو، لأنهم طائفة واحدة، وجناية أحدهم جناية من الجميع، ولا يجوز أن يعطي المسلمون لعدوهم رهائن ضماناً لعدم نقض العهد، إلا إذا أعطوا المسلمين منهم رهائن كذلك (49).
المعلم الثالث: العلاقات والمعاهدات الدولية: وتحته خمسة فروع:
الفرع الأول: الأصل في العلاقة مع الأعداء
يؤكد ابن عثيمين - رحمه الله - على أن طبيعة العلاقة بين الدولة المسلمة، وبين اليهود، والنصارى إنما هي علاقة عدائية، يجب أن تحذر الأمة المسلمة منها، حيث يقول:
يجب الحذر من أهل الكتاب اليهود، والنصارى، لأنهم ما داموا ينقسمون إلى قسمين (أمين وخائن) فإننا لا ندري حين نعاملهم من أي القسمين هؤلاء؟ فيجب علينا الحذر، لا سيما إذا تبين لنا أنهم خونة، وأهل غدر، وأنهم لا يسعون لمصالحنا أبداً كما هو الواقع، فإن الواقع في الوقت الحاضر أن اليهود والنصارى لا يسعون أبداً لمصالح المسلمين، بل يسعون للإضرار بالمسلمين، والإفساد عليهم، حتى إنهم إذا رأوا الدولة متجهة إلى الإسلام من دول المسلمين فإنهم يحاولون إسقاطها، والتضييق عليها من الناحية الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، وهذا شيء يعرفه كل من تدبر وتأمل في الحوادث اليوم، إذن يجب علينا أن نحذر غاية الحذر من اليهود، والنصارى، وأن نعلم أن اليهود، والنصارى كل واحدٍ منهم ولي للآخر مهما طال الأمد، فهم أولياء ضد عدو مشترك وهم المسلمون(50).
الفرع الثاني: الالتزام بالعهود والمواثيق الدولية:
قد يضطر إمام المسلمين أن ينتقل من أصل العلاقة مع الأعداء من اليهود، والنصارى، والتي هي المحاربة، والعداء، إلى المسالمة، والمعاهدة، وترك المحاربة، وهي ما يسمى في الفقه بالهدنة مع الأعداء، والهدنة أصلها من هَدَن أي سكن هدوءاً، وفي اصطلاح الفقهاء هي عقد المسلم مع الحربي على المسالمة مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام(51).
أو قد يحتاج إمام المسلمين أن يتفق مع رؤساء العدو، وغير العدو من حكام البشر إلى معاهدات، واتفاقات بينهم في شؤون الحياة بأسرها، فما حكم الالتزام بهذه المواثيق؟ وهل يجوز نقضها، وتجاوزها؟ وقبل الإجابة على ذلك لا بد من القول بأن إجراء المعاهدات يكون بحسب الشيء المتعاهد عليه، فإن كان الاتفاق على شيء محرم فلا يجوز الدخول فيه ابتداءً بلا شك، أما إن كان جائزا فقد أكد فضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - في عدة مواضع على وجوب الالتزام بالعهد مع الغير إذا كان معقوداً من قبل الإمام أو نائبه.
حيث يقول: والعهد كالعهد الذي بيننا وبين الكفار ألا نقاتلهم يعقده الإمام أو نائبه فيجب الالتزام به، كما جرى ذلك بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وقريش في مكة، وبينه وبين اليهود في المدينة.
ومثلّ لذلك بحبس السفراء، فقد اتفقت الأمم أن السفراء بين الدول لا يعتدى عليهم، حيث يقول، فالسفراء الذين يأتوننا من الأعداء للمفاوضة، والمفاهمة لا يحبسون، لأن حبس هؤلاء الرسل خيانة، وفيه تفويت لمصلحة عظيمة، لأنه قد يكون هناك خير من التفاوض، ولو قتل الرسل ما حصل تفاوض.
وحذر من نقض هذه المواثيق، والخيانة فيها حيث يقول: وإن غدرنا بالعهد فهذه وصمة عار في ديننا، يقولون: أمة الإسلام تغدر بالعهد(52).
يتبع