قاعدة عموم نفي المساواة وأثرها في الفقه الإسلامي (4-4)
د. عبد الرحمن بن محمد القرني
المسألة السادسة
أَثَر البيع الفاسد
أ- المذاهب في المسألة:
اتفق الفقهاء على أنه لو باعه صاعاً من بُرٍّ مثلاً بصاعين من بُرّ فهو ربا فَضْلٍ محرمٌ([61])، وهذا عقد فاسد([62]).
ولكن الفقهاء يختلفون في أنه هل ينفذ البيع الفاسد؟ أو أنه يُفْسَخ كما تفسخ العقود المجمع على بطلانها كبيع الملاقيح؟([63]) وكان خلافهم على قولين:
القول الأول: أن البيع الفاسد لا يفيد الملك، بل يجب فسخُه وردُّ السلعة للبائع والثمن للمشتري ولا يحل التصرف فيهما، وهذا قول المالكية([64]) والشافعية([65]) والحنابلة([66]).
القول الثاني: أن البيع الفاسد يفيد الملك ونفوذ التصرف، فيملك كل واحد من المتبايعين ما أخذه من صاحبه ويصح تصرفه فيه، وهذا قول الحنفية([67]).
ب- استدلال الجمهور بالقاعدة:
مما استدل به الجمهور في المسألة قول الله تعالى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) ([68]) حيث نفى الله تعالى المساواة بينهما، ومعلوم أن البيع الفاسد خبيث، وقد أفاد البيعُ الصحيحُ النفوذَ والملكَ، فيكون البيع الفاسد غير مفيدٍ للملك والنفوذ وإلا لكانا متساويين، والآية تنفي استواءَهما على العموم.
* قال أبو بكر بن العربي: «وبالآية احتج بعض علمائنا على أن البيع الفاسد يُفسخ، ولا يُمْضَى فيستوي في إمضائه مع البيع الصحيح، بل يُفسخ أبداً » اهـ([69]).
وكذلك قال أبو عبدالله القرطبي([70]).
* وقال القاضي البيضاوي([71]): «قوله تعالى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) حكمٌ عام في نفي المساواة عند الله سبحانه وتعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وجيّدِها » اهـ([72]).
* والحنفية لن يلتزموا مثل هذا الاستدلال؛ لأنهم لا يقولون بعموم نفي المساواة.
المسألة السابعة
دية الكتابيّ
أ- المذاهب في المسألة:
اختلف الفقهاء في الكتابيّ إذا قُتِل هل تكون ديته كدية المسلم؟ أو تكون أقل منها؟ وكان خلافهم على قولين:
القول الأول: أن دية الكتابي لا تبلغ دية المسلم، وهو قول المالكية([73]) والشافعية([74]) والحنابلة([75]).
ثم إن المالكية والحنابة قَدّروها بنصف دية المسلم، والشافعية بالثلث([76])، غير أنهم يتفقون – وهو المقصود هنا – على أن ديته لا تساوي دية المسلم.
القول الثاني: أن دية الكتابي مثل دية المسلم، وهذا قول الحنفية([77]).
ب- استدلال الجمهور بالقاعدة:
مما استدل به الجمهور في المسألة قول الله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) ([78]) وقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) ([79]) وقـوله سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ) ([80]) حيث نفى الله تعالى المساواة بين المسلم وبين الكافر، ونفي المساواة بين شيئين يقتضي العموم، فلو جعلنا دية الكتابي مثل دية المسلم لاستويا، وهو باطل لأن الآيات تنفي استواءَهما.
فلهذا قال المُزَنيّ ([81]): «فلا يجوز أن يُجْعَلَ الكتابي كَفِيئاً ([82]) لمسلمٍ في دم ولا دية، ولا يبلغَ بدية كافرٍ دية مؤمن إلا ما لا خلاف فيه » اهـ ([83]).
وكذلك استدل شهاب الدين القرافي أيضاً ([84]).
* وقد رَدَّ الحنفية هذا الاستدلال وأنكروا إفادة نفي المساواةِ العمومَ؛ حيث قال شمس الأئمة السرخسي في معرض الجواب عن استدلالهم بالآيات النافية للمساواة بين المسلمين والكافرين: «والمراد بالآيات نفي المساواة بينهما في أحكام الآخرة دون أحكام الدنيا؛ فإنا نرى المساواة بيننا وبينهم في بعض أحكام الدنيا، ولا يجوز أن يقع الخُلْف في خبر الله تعالى » اهـ ([85]).
* وبناء هذه المسألة الفقهية على الخلاف في قاعدة عموم نفي المساواة بناءٌ مشهور صرَّح به غير واحد من الأصوليين ([86]).
وأوردها شهاب الدين الزنجاني في الفروع المخرجة على الخلاف في القاعدة، حيث قال: «ويتفرع عن هذا الأصل مسائل ... منها: أن دية الذمي والمستأمن ([87]) لا تبلغ دية المسلم عندنا.
وعندهم: تساوي دية المسلم» اهـ([88]).
مســــائل أخــــرى
وإليك الآن جملة أخرى من الفروع التي استدل بعض القائلين بها بقاعدة عموم نفي المساواة، وسأوردها موجزة إن شاء الله تعالى مجانباً للتطويل قدر الإمكان، فمنها:
1- اسْتُدِلَّ لبعض الفقهاء القائلين بعدم صحة الطهارة بماء البحر بقول الله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) ([89]) حيث نفى الله التسوية بين البحر المالح والبحر العذب، ومعلوم صحة التطهر بالعذب، فلا يصح إذاً بالمالح، وإلا لاستويا([90]).
2- ذهب المالكية([91]) والشافعية([92]) والحنابلة([93]) إلى عدم صحة تولي المرأة منصب القضاء.
وخالفهم الحنفية([94]) فجوّزوا ولايتها القضاء.
ومما استدل به الجمهور قوله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) ([95]) فعموم نفي المساواة بينهما يوجب منعها من ولاية الحكم والقضاء.
وهذه المسألة بناها أبو عبدالله المازَرِيّ المالكي([96]) على القاعدة([97]).
3- استدل بعضهم على أن البصير أولى بإمامة الناس في الصلاة من الأعمى بالقاعدة في نحو قول الله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) ([98]) وقوله سبحانه: (قل هل يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ) ([99]) وقوله تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ([100]).
قال تاج الدين السبكي: «وكذلك في قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) ففيه دلالة على أن البصير أولى في إمامة الصلاة من الأعمى» اهـ([101]).
والعجيب أن هذا الاستدلال وقع في كلام بعض الحنفية، حيث قال أبو محمد المَنْبِجِيّ([102]): «يكره إمامة الأعمى؛ قال الله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) فمَنْ سَوَّى بينهما فقد خالف نص الكتاب» اهـ([103]).
4- استدل بعضهم على أن الجاهل لا يكون في النكاح كفؤاً للعالمة بقول الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ([104]) حيث نفى سبحانه المساواة بينهما، ومعلوم أن العالم كفؤٌ للعالمة، فلا يكون الجاهل كفؤاً لها وإلا لكانا متساويين وهو خلاف الآية([105]).
5- استدل بعضهم على تقديم مَنْ جاهد بنفسه وماله قبل الفتح في قسمة الغنائم على مَنْ جاهد وأنفق بعد الفتح بقول الله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)([106]) حيث نفى الله تعالى التسوية بينهما فيقتضي عمومه تقديم المجاهد قبل الفتح على غيره في الأخذ من الغنائم وفي غيرها([107]).
6- ذهب المالكية([108]) والشافعية([109]) والحنابلة([110]) إلى أنه لا يصح أن يشتري الكافر عبداً مسلماً.
وخالفهم الحنفية([111]) فجوَّزوا شراء الكافر عبداً مسلماً.
ومما استدل به الجمهور عموم قول الله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) ([112]) وقوله سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) ([113]) وقوله تعالى: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى) ([114]) وغير ذلك من الآيات، فإن نفي المساواة يفيد العموم، ومعلوم صحة شراء المسلم عبداً مسلماً فلا يصح ذلك للكافر وإلا لاستويا.
وبناء هذا الفرع على الخلاف في القاعدة بناءٌ ظاهر، وذكره غير واحد من الأصوليين والفقهاء([115]).
7- استدل بعضهم على أن العبد لا يَمْلِك بالتمليك بقول الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ) ([116]) حيث نفى الله تعالى التسوية بين العبد والحر، ومعلوم أن الحر يملك بالتمليك، فلا يثبت هذا للعبد وإلا لكانا متساويين.
وقد ذكر غير واحد من الفقهاء هذه المسألة مبنية على القاعدة([117]).
8- استدل بعضهم على أن الغاصب لو بنى في المكان المغصوب وجب قلع البناء ولا يدفع له قيمة بنائه بقول الله تعالى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) ([118]) ومثله قوله تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ) ([119]) واستدل أيضاً بقوله سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ) ([120]) وقوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) ([121]) فإن نفي التسوية بين الشيئين يقتضي العموم([122]).
9- ومما يدل للقائلين بأنه يحرم على المُحْرِم غسل رأسه بالسِّدْر([123]) وأنَّ عليه الفدية قول الله تعالى: ( وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ) ([124]) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الـمُحْرِم الذي وَقَصَتْهُ([125]) راحلتُهُ فمات: «اغسلوهُ بماءٍ وسِدْرٍ»([126]) وإذا جاز هذا في حق المحرم الميت فلا يجوز في حق المحرم الحيّ؛ للآية الكريمة التي نفت المساواة([127]).
10- ومن المسائل الأصولية التي استدل بعضهم لها بالقاعدة مسألة حجية خبر الواحد العدل؛ وذلك بقول الله تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) ([128]) وقوله سبحانه: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) ([129]) وغير ذلك من الآيات.
قال ابن عبدالبر([130]): «فلو كان العدل إذا جاء يُتَثَبَّت في خبره ولم ينفذ؛ لاستوى الفاسق والعدل، وهذا خلاف القرآن قال الله عز وجل: (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)... »اهـ([131]).
إلى غير ذلك من المسائل([132]).
وإنما استكثرت من إيرادها طلباً للفائدة وردَّاً على مَنْ قال: إن أمثلة القاعدة في أحكام الشرع عزيزة جداً([133])، وهو ردٌّ بطريق الأَوْلَى على مَنْ قال: إن كلامهم في المسألة مجرد جدل([134]).
الخــــــاتمة
وبعد الانتهاء من الكلام على مسألة عموم نفي المساواة يمكن تلخيص أهم ما ورد فيها في الأمور التالية:
أولاً: أن معنى القاعدة هو: أن ينفي الشارع التسوية بين شيئين فيدل ذلك على نفي استوائهما في كل وجهٍ ممكنٍ من وجوه الأحكام الشرعية.
ثانياً: أن مجال إعمال القاعدة هو النص الشرعي بقسميه أعني الكتاب العزيز والسنة المشرفة، وإن اقتصر الأصوليون في أمثلتها على النصوص القرآنية.
ثالثاً: أن في المسألة خلافاً قوياً بين الحنفية وموافقيهم القائلين بمنع عموم نفي المساواة، وبين الجمهور القائلين بالتعميم، بعد اتفاق الفريقين على أن الصورة الواردة في سياق النص مرادة بنفي المساواة، وإنما الخلاف فيما عداها من الصور.
رابعاً: أن الخلاف في المسألة خلاف عملي، حيث كان له أثرٌ ظاهر في الفروع الفقهية، تناول البحث كثيراً منها.
خامساً: أن للقاعدة ضوابط من أهمها – كما سبق – أن لا توجد قرينة مانعة من التعميم، فإن وُجِد في صورةٍ ما دليل أقوى يخالف مقتضى القاعدة؛ لم يعمل بعموم نفي المساواة في تلك الصورة، وهي بهذا تكون كسائر القواعد؛ فإنها تُتْرَك لمعارضة ما هو أرجح منها.
وعلى هذا فلا يصح استدلال الخوارج والمعتزلة على مذهبهم القائل بأن المسلم الفاسق في الآخرة مخلَّدٌ في النار بقول الله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) ([135]) وغيرها من الآيات النافية للتسوية بين المؤمن والفاسق.
وذلك أنهم قالوا([136]): قد عرفنا أن المؤمن مأواه الجنة والخلود فيها، فلو كان الفاسق مأواه الجنة والخلود فيها لاستويا، وهو خلاف مقتضى الآية([137]).
وأقول: إنما لم يصح استدلالهم بالقاعدة هنا لما سلف آنفاً أنَّ من شرط العمل بها أن لا يعارضها ما هو أقوى، وهو في هذه المسألةِ النصوصُ الصريحة التي لا تكاد تحصى الدالة على أن الله يغفر لبعض من استحق النار من عصاة الموحّدين، وكذا الدالة على خروج عصاة الموحّدين كلهم من النار ودخولهم الجنة خالدين فيها، وأنه لا يخلد في النار إلا الكافر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعـين.
الجزء الاول انتهى