المسانيد نشأتها وأنواعها وطريقة ترتيبها
دخيل بن صالح اللحيدان
الفصل الأول: أنواع المسانيد.
تتنوع المسانيد بالنسبة لشموليتها، إلى نوعين:
النوع الأول: المسانيد الشاملة.
والنوع الثاني: المسانيد الخاصة، وقد نبه الحافظ ابن حجر العسقلاني إلى أصل هذا التقسيم، فقال عند تقسيم المسانيد: " الباب الثاني: في المسانيد، وبدأت بالكوامل منها، ثم بالمفردات " (76).
المبحث الأول: المسانيد الشاملة.
المسانيد الشاملة هي تلك التي جُمعت فيها مرويات كثير من الصحابة وعامتهم في الغالب، وهي على أقسام - كما سبق بيانها -:
القسم الأول: المسانيد المنتقاة.
القسم الثاني: المسانيد المعلة.
القسم الثالث: المسانيد العامة، وهي: بقية المسانيد التي تشتمل على الثابت وغيره، دون بيان العلل (77)
المبحث الثاني: المسانيد الخاصة.
المسانيد الخاصة هي: تلك المسانيد التي جُمعت فيها مرويات صحابي واحد، أو مرويات عدد من الصحابة يجمعهم وصف مخصوص، وتقدم أن الحافظ ابن حجر سماها بالمفردات (78) وأشار السخاوي أيضًا إلى صنيع مؤلفيها فقال: " ومنهم من يقتصر على صحابي واحد كمسند أبي بكر مثلا أو مسند عمر " (79) وقال محمد بن جعفر الكتاني (ت 1345 هـ): " قد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد، كمسند أبي بكر، وأحاديث جماعة منهم كمسند الأربعة أو العشرة، أو طائفة مخصوصة جمعها وصف واحد، كمسند المقلين، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر إلى غير ذلك " (80)
ومما سبق يتبين أنها على أحوال:
الحال الأولى: المسانيد الخاصة بمرويات صحابي واحد، ومن ذلك:
1 - مسند عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - لأبي أمية: محمد بن إبراهيم الطَرْسُوسي (ت 273 هـ).
2 - مسند أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لأبي بكر: أحمد بن علي بن سعيد الأموي المروزي (ت 292 هـ).
3 - مسند عائشة - رضي الله عنها -، لأبي بكر: عبد الله بن - الإمام أبي داود صاحب السنن - سليمان بن الأشعث السجستاني، (ت 316 هـ).
4 - مسند عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه -، لأبي محمد: يحيي بن محمد بن صاعد (ت 318 هـ).
مسند سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، لأبي عبد الله: أحمد بن إبراهيم بن كثير الدورقي البغدادي (ت246 هـ).
مسند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، لأبي بكر: أحمد بن سلمان بن الحسن النجاد الفقيه البغدادي (ت 348 هـ).
الحال الثانية: المسانيد الخاصة بجمع مرويات عدد من الصحابة يجمعهم وصف معين، مثل معرفة المُقلين من الصحابة - وهم: من قلّت مروياتهم - ومن ذلك:
* المنتقى من مسند المُقلين للحافظ دَعْلَج بن أحمد السِّجزي (ت 351 هـ).
الفصل الثاني: طريقة ترتيب المسانيد.
المبحث الأول: طريقة ترتيب المسانيد إِجمالا: تقدم ما يدل على أن مؤلفي المسانيد جعلوا مرويات كل صحابي على حدة، ولهم بعد ذلك عدة مسالك في ترتيب أسماء الصحابة رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وكذا في ترتيب مرويات كل واحد منهم.
وعلى ذلك فالكلام عن طريقة ترتيب المسانيد من جانبين، كما يلي:
المطلب الأول: طريقة المسانيد في ترتيب أسماء الصحابة رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ:
لأهل المسانيد طرق متعددة في ترتيب أسماء الصحابة رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، داخل مسانيدهم، وهي مبينة في الصور الآتية:
الصورة الأولى: الترتيب بحسب السابقة في الإسلام بحيث يُقدمون في الرجال:
العشرة المبشرين بالجنة، وهم: الخلفاء الأربعة، والزبير بن العوام، وطلحة بن عُبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة بن الجراح، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
ثم أهل بدر.
(ج) ثم أهل الحديبية.
(د) ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح.
(هـ) ثم من أسلم يوم الفتح.
(و) ثم أصاغر الأسنان كالسائب بن يزيد، وأبي الطفيل - رضي الله عنهما -:
ويُقدمون في النساء غالبا: أمهات المؤمنين، مبتدئين بأم المؤمنين عائشة، ثم حفصة بنت عمر، وأم سلمة: هند بنت أبي أمية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حُيَي، وسودة بنت زمعة رضوان الله عليهن.
وهذه الطريقة في ترتيب أسماء الصحابة فصَّلها غير واحد من الحفاظ، يقول الخطيب البغدادي: " وهذه الطريقة أحب إلينا في تخريج المسند " (81) وبنحوه قال ابن الصلاح (82) وقالا ذلك مقارنة بالصور الآتية:
الصورة الثانية: الترتيب بحسب القبائل بحيث يُقدمون: بني هاشم، ثم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النسب.
الصورة الثالثة: الترتيب بحسب الحروف الهجائية، كما هو ظاهر في معجم الطبراني الكبير، والأحاديث المختارة للضياء المقدسي (83).
الصورة الرابعة: ما لم يُرتب على المسانيد، ولا على الأبواب، وهي مسانيد قليلة جدًّا، يمثلها:
* مسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي البغدادي (ت 282 هـ)، فقد ذكر الإمام الذهبي: أنه لم يرتب على الأبواب ولا على المسانيد (84).
وقد قام العلامة علي بن أبي بكر الهيثمي (ت 807 هـ) بترتيب زوائد مسند الحارث على الأبواب الفقهية، وسماه: " بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ".
ومن الأمور المشتركة في المسانيد المطبوعة ما يلي:
1 - تقديم العشرة المبشرين بالجنة مبتدئين بالأربعة الخلفاء رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، في الغالب.
ومن المسانيد المرتبة كذلك:
* مسند حديث أبي داود: سليمان بن داود الطيالسي والذي جمعه غيره.
* مسند عبد الله بن الزبير الحميدي.
* مسند إسحاق بن إبراهيم راهُويَه الحنظلي.
* مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني.
* المنتخب من المسند الكبير لعبد - صح - بن حميد.
* والبحر الزخار لأحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار.
* ومسند أبي يعلى: أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي.
* ومسند أبي بكر: محمد بن هارون الروياني.
* ومسند أبي سعيد: الهيثم بن كُليب الشاشي
2 - تقديم أمهات المؤمنين في النساء من الصحابة، مبتدئين بعائشة رضوان الله عليهن، وهذا في الغالب أيضًا.
وربما قدم بعضهم مسند فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و - رضي الله عنها -، عمن سواها كما في مسند أبي داود الطيالسي.
3 - جمع مسانيد نساء الصحابة في موضع أثناء مسانيد الرجال غالبًا، وربما جعلت مسانيد نساء الصحابة مجتمعات في آخر مسانيد الرجال، كصنيع عبد بن حميد في المنتخب من مسنده.
4 - يغلب أيضًا على هذه المسانيد: تقسيم مسند كل صحابي من المكثرين على التراجم، أي: تقسيم مرويات الصحابي على حسب من روى عنهم.
ومنهم من يبدأ ذلك برواية الصحابة عن الصحابي صاحب المسند، وهو ما يعرف بتقسيم المرويات على الطبقات، وسيأتي - إن شاء الله - بيان ذلك مفصلا في المبحث الثاني.
وهذه الصور الإجمالية في هذا الجانب، قد نبه إليها: الخطيب البغدادي (85) وابن الصلاح (86) والسخاوي (87) وغيرهم.
المطلب الثاني: طريقة المسانيد في ترتيب مرويات كل صحابي.
سلك مصنفوا المسانيد عدة طرق في ترتيب مرويات كل صحابي، منها ما يلي:
الصورة الأولى: ترتيب مرويات الصحابي على التراجم، وذلك بأن يجعلوا مرويات كل تابعي عن ذلك الصحابي على حِدة، ويضعوا ذلك عنوانًا له، كقولهم: ما رَوى سعيد بن جبير عن ابن عباس، ثم يسوقوا بأسانيدهم مرويات سعيد بن جبير عن ابن عباس في ذلك الموضع.
يقول أبو عبد الله الحاكم: " التراجم شرطها أن يقول المصنف: ذكر ما رُوي عن أبي بكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يترجم هذا المسند فيقول: ذكر ما رَوى قيس بن أبي حازم عن أبي بكر - رضي الله عنه - صحيحًا أو سقيمًا " (88).
ومن أمثلة المسانيد المرتبة وفق هذه الطريقة: مسند الطيالسي، والبحر الزخار للبزار، ومسند الهيثم الشاشي، من المسانيد التي سبق ذكرها (89).
الصورة الثانية: ترتيب مرويات الصحابي على أبواب الفقه، وهي طريقة تجمع بين: الترتيب على المسانيد والترتيب على الأبواب، إلا أن الكتب المرتبة وفقها تُعد من المسانيد؛ لأن ترتيبها الأساسي على المسانيد، وترتيبها على الأبواب تبع له.
والمسانيد المرتبة على هذا النحو قليلة بالنسبة لغيرها، ومنها:
* مسند الحميدي، فقد رتب أحاديث جماعة من الصحابة المكثرين على الأبواب (90).
* ومسند بقي بن مَخْلَد القرطبي، الذي قال عنه ابن حزم: " مُصَنَّفه الكبير الذي رتبه على أسماء الصحابة - رضي الله عنهم -، فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف، ثم رتب حديث كل صاحب على أسماء الفقه وأبواب الأحكام، فهو مُصَنَّف ومُسْنَد، ولا أعلم هذه الرتبة لأحد قبله " (91) على أن كلام ابن حزم محل تأمل؛ من أجل صنيع الحميدي - الآنف الذكر - المتوفى سنة 219 هـ.
الصورة الثالثة: سرد مرويات كل صحابي دون ترتيب معين، ومن أمثلة المسانيد التي جُمعت فيها المرويات كذلك:
* مسند ابن أبي شيبة.
* ومسند الإمام أحمد.
* ومسند أبي يعلى الموصلي.
المبحث الثاني: طريقة ترتيب أشهر المسانيد تفصيلا.
المطلب الأول: طريقة ترتيب مسند الإمام الحميدي.
روى الإمام الحميدي في مسنده عن: " 180 " صحابيًّا - بحسب المطبوع -، ولم يخرج أحاديث طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه -، وهو أحد المبشرين بالجنة.
وعدد الأحاديث على حسب ترقيم محققه (حبيب الرحمن الأعظمي): (1300) (92) واستدرك أيضًا: حديثًا واحدًا وجده في بعض النسخ، ونبه إليه، وهذا العدد بالمكرر، ويدخل فيه: المرفوع، والمرسل، والموقوف، والمقطوع، وغيرها واقتصر الإمام الحميدي في غالب مسنده على مرويات شيخه سفيان بن عُيينة، وعللها واختلاف الرواة فيها، وليس ببعيد القول بأن هذا الكتاب أفرده الحُميدي لترتيب مرويات شيخه المذكور: على مسانيد الصحابة، وحيث إن غالب مروياته في هذا المسند عن شيخه سفيان، وأما مروياته فيه عن غيره، فعددها: " 48 " حديثًا (93) وهي قليلة بالنسبة لمجموع مرويات الكتاب، وهي: " 1300 " حديثٍ كما سبق، فتصبح نسبتها: أقل من 4 %.
ويتنبه إلى أنه قرن سفيان بغيره في أربعة أحاديث منها، كما أن مجموعة من هذه الأحاديث، ساقها الحُميدي أثناء بيانه لعلل أحاديث شيخه سفيان بن عُيينة، فكأنه ذكرها تبعًا.
وقد رتب الإمام الحُميدي مروياته على مسانيد الصحابة، ورتب مرويات المكثرين منهم على الأبواب، أما على وجه التفصيل، فترتيبه على النحو الآتي:
رتب المرويات بحسب مسانيد الصحابة، وربما روى في مسند صحابي حديث صحابي آخر؛ لتعلق ذلك بالمتن، أو بقصة في الإسناد، ولم يذكر في مسانيد كثير من الصحابة الذين أخرج لهم، إلا حديثًا أو حديثين، وكذا اقتصر في المكثرين منهم على مجموعة أحاديث ليست بالكثيرة بالنسبة لعدد مروياتهم المعروفة، والذي يظهر أنه إما خص كتابه هذا بمرويات سفيان بن عُيينة لهم، أو أنه انتقى ما أورده من مرويات ابن عُيينة، وقد ذكر الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ) أن الحُميدي يحفظ لسفيان: عشرة آلاف حديث (94).
رتب أحاديث المكثرين من الصحابة على أبواب الفقه في الغالب، وهذا يظهر من سرده للأحاديث في مسند الصحابي، ومن ذلك صنيعه في مسند عائشة - رضي الله عنها -، حيث بدأ بأحاديث الوضوء (95) ثم بوب بأحاديث الصلاة، وأحاديث الصيام، والحج، والجنائز، والأقضية، وكذا صنع في مسند عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -، حيث بوب بأحاديث الحج، وبوب أيضًا فيه فقال: " أحاديث ابن عباس - رضي الله عنهما - التي قال فيها: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (96) ومسند أبي هريرة - رضي الله عنه - حيث بوب (بالجنائز، والجهاد، والأقضية - وجامع أبي هريرة - رضي الله عنه - وغير ذلك.
بدأ مسانيد الرجال بالعشرة المبشرين بالجنة، إلا طلحة بن عُبيد الله - رضي الله عنه - فلم يذكره، ولعله لم يظفر برواية من طريقه، أو لم يظفر بذلك من مرويات شيخه سفيان بن عُيينة لأحاديث طلحة - رضي الله عنه -، ثم ساق بعد ذلك بقية مسانيد الصحابة من غير استيعاب، وجمع مسانيد الصحابيات رضوان الله عليهن في موضع في أثناء أوائل مسانيد الرجال، وابتدأها بأحاديث أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، وقدّم عائشة - رضي الله عنها -، ثم بقية النساء من غير استيعاب.
يتبع