المسانيد نشأتها وأنواعها وطريقة ترتيبها
دخيل بن صالح اللحيدان
المبحث الثاني: مرتبة المسانيد بين المصادر الحديثية - من جهة الصحة وعدمها -
تعتبر المؤلفات على المسانيد في المرتبة التالية للمصنفات على الأبواب من الصحاح والسنن القريبة منها، هذا من حيث الأصل، يقول الخطيب البغدادي: " ومما يتلو الصحيحين: سنن أبي داود السجستاني وأبي عبد الرحمن النَّسَوي، وأبي عيسى الترمذي، وكتاب محمد بن إسحاق ابن خزيمة النيسابوري، الذي شرط فيه على نفسه إخراج ما اتصل سنده بنقل العدل عن العدل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم كُتب المسانيد الكبار " (42) والسبب في ذلك أن الأصل في هذه المسانيد جَمْع مرويات كل صحابي، دون النظر إلى ثبوتها أو عدمه، ولهذا يقول أبو عبد الله الحاكم: " هذه المسانيد التي صنفت في الإسلام على روايات الصحابة مشتملة على رواية المُعَدلين من الرواة وغيرهم من المجروحين " (43) وهو حكم ابن الأثير كما تقدم (44).
ويقول ابن الصلاح: " عادتهم فيها - يعني أصحاب المسانيد -: أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه، غير متقيدين بأن يكون حديثًا محتجًّا به، فلهذا تأخرت مرتبتها - وإن جَلّت لجلالة مؤلفها - عن مرتبة الكتب الخمسة، وما التحق بها من الكتب المصنفة على الأبواب، والله أعلم " (45) ويقول الحافظ ابن حجر: " هذا هو الأصل في وضع هذين الصنفين - يعني التأليف على المسانيد وعلى الأبواب - ومَن يُصَنِّف على المسانيد فإن ظاهر قصده: جمع حديث كل صحابي على حِدة سواء أكان يصلح للاحتجاج به أم لا " (46).
والتعبير بالأصل يدل على أن هناك من المصنفين من خالف الأصل في ذلك، بمعنى أنه انتقى مروياته في المسانيد، أو اقتصر على الصحيح - بناء على شرطه - يقول الحافظ ابن حجر: " بعض من صنف على المسانيد انتقى أحاديث كل صحابي فأخرج أصح ما وجد من حديثه " (47) وبالرغم من ذلك، فإن انتقاء الحديث لكونه أصح من غيره، أو أصح ما في الباب، لا يلزم منه أن يكون صحيحًا في ذاته، فالضعيف أصح من الموضوع، وكلاهما في حكم المردود كما هو معلوم -، وسيأتي - إن شاء الله - (48) كلام للحافظ العراقي بمعنى ذلك.
ولذلك فإن في المسانيد أحاديث صحيحة وأخرى ضعيفة على تفاوت في درجات الصنفين، وإنه وإن قُدمت المسانيد المنتقاة عما سواها من المسانيد، فإن الاحتجاج بالحديث منها يبقى خاضعًا لمدى توافر شروط الاحتجاج، وفق ما يُبينه المحققون من الحفاظ والمحدثين.
والخلاصة: أن مرتبة المسانيد بعد مرتبة المصنفات على الأبواب - هذا من حيث الأصل -؛ لأنهم اعتنوا بالجمع في الغالب دون اشتراط الصحة.
الفصل الثاني: مراتب المسانيد.
تتمايز الكتب الحديثية منزلة بحسب مدى التزام مؤلفيها بشروط الصحة فيما يجمعونه فيها من الروايات، وهكذا المسانيد أيضًا، فهي ليست على صعيد واحد، والمقصود هنا: الموازنة بين المسانيد ذاتها، وبيان أعلاها مكانة، ولا شك أنه إذا قلت الأحاديث الضعيفة، ارتفعت مرتبة الكتاب على غيره، وعمت فائدته للعامة والخاصة.
فالأصل أن أعلى المسانيد أنقاها وأصحها حديثًا؛ لأن فائدتها - والحالة هذه - عامة للعلماء وطلاب العلم وغيرهم، شأنها في ذلك شأن المصنفات على الأبواب، حيث تقدم منها: المصنفات التي اشترط أصحابها الصحة فيها، بما يوافق ما عليه أهل التحقيق، ولهذا يقول الإمام مسلم: " ضبط القليل من هذا الشأن وإتقانه، أيسر على المرء من معالجة الكثير منه، ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام فالقصد منه إلى الصحيح القليل، أولى بهم من ازدياد السقيم، وإنما يُرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن وجمع المكررات منه لخاصة الناس ممن رزق فيه بعض التيقظ، والمعرفة بأسبابه وعلله" (49).
وإذا تقرر ما سبق فإن كلام من قدم المسانيد المعلة على غيرها يحمل على اعتبار ما فيها من نفع للعلماء الذين لهم بصر في معرفة العلل، وإلى ذلك أشار الإمام مسلم كما تقدم، وبه يجاب على صنيع من قدم المعل مطلقًا مثل الخطيب البغدادي حيث يقول: " يستحب أن يصنف المسند مُعَللا فإن معرفة العلل أجل أنواع علم الحديث " (50) وأصرح منه كلام ابن الصلاح حيث يقول: " مِنْ أعلى المراتب في تصنيفه، تصنيفه معللا، بأن يجمع في كل حديث طرقه واختلاف الرواة فيه، كما فعل يعقوب بن شيبة " (51).
والخلاصة أن المسانيد على مراتب منها:
المرتبة الأولى: المسانيد المنتقاة.
المرتبة الثانية: المسانيد المعلة.
المرتبة الثالثة: المسانيد العامة، وهي أكثر المسانيد.
وقد نبه السخاوي إلى نحو من ذلك فقال: " ثم من أهلها من يجمع في ترجمة كل صحابي ما عنده من حديثه من غير نظر لصحته وغيرها، وهم الأكثر، ومنهم من يقتصر على الصالح للحجة كالضياء "(52).
وإليك بعض المسانيد بحسب مراتبها، في المباحث الآتية:
المبحث الأول: المسانيد المنتقاة - أصح المسانيد -.
تتميز المسانيد المنتقاة بانتخاب أصحابها لأصح الروايات وأجودها فيما يُروى عن الصحابة، إلا إنه من الجدير بالتنبيه إليه - كما تقدم - أن الحكم لمسند بأنه أصح المسانيد، أو الحكم لحديث بأنه: أصح ما في الباب، لا يلزم أن يفيد صحة المسند نفسه أو الحديث، وفي ذلك يقول الحافظ العراقي: " لا يلزم من كونه يُخرج أمثل ما يجد عن الصحابي، أن يكون جميع ما خرَّجه صحيحًا، بل هو أمثل بالنسبة لما تركه " (53).
وأشهر تلك المسانيد المنتقاة.
1 - مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (ت 142 هـ)، وهو من أنقى المسانيد كما يقول الحافظ ابن حجر عنه في باب المفاضلة بين المسانيد: " لا يشك منصف أن مسنده أنقى أحاديث وأتقن رجالا من غيره، وهذا يدل على أنه انتخبه " (54).
ومما يدل على ذلك قول ابنه عبد الله عن بعض الأحاديث: " وهذا الحديث لم يخرجه أبي في مسنده من أجل ناصح؛ لأنه ضعيف في الحديث، وأملاه عليَّ في النوادر " (55) ويقول حنبل بن إسحاق: " جمعنا أحمد أنا وابناه: عبد الله وصالح، وقال: انتقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة " (56) ويُحمل إطلاق الإمام أحمد ذلك الحكم، على أن في مسنده أصول أو نظائر أو شواهد أو ما يقوم مقام الأحاديث الصحيحة التي خلا منها المسند، ولعله بهذا يجاب عن قول الحافظ العراقي: " ثَمَّ أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيح وليست في مسند أحمد، منها: حديث عائشة في قصة أم زرع " (57) وقد أجاب الحافظ ابن حجر عليه بما تقدم.
ومن المعلوم أن كون المسند منتقى لا يلزم منه صحة جميع ما فيه؛ إذ فيه الضعيف بل والموضوع، وقد أفرد الحافظ ابن حجر جزءًا سماه: " القول المُسَدَّد في الذب عن مسند الإمام أحمد "، وذكر فيه الأحاديث الموضوعة والواهية التي انتُقدت في مسند الإمام أحمد، ثم أجاب عنها، ولكن لا تخلو إجابته في بعض المواضع من الحاجة إلى تأمل، وإعادة نظر، إذ حَسَّن أحاديث كان قد حكم عليها بالوضع فريق من الأئمة قبله كشيخ الإسلام ابن تيميَّة (58).
2 - مسند الإمام: إسحاق بن راهُوَيْه (59) (ت 238 هـ)، الذي ذكر نفسه أنه: " انتقى في مسنده أصح ما وجده من حديث كل صحابي إلا أن لا يجد ذلك المتن إلا من تلك الطريق، فإنه يخرِجه " (60) كما صرح أيضًا بقوله عن صنيعه: " خرجت عن كل صحابي - صح - أمثل ما ورد عنه "(61).
وذكر ذلك أبو زرعة الرازي قائلا: إن إسحاق يخرج أمثل ما ورد عن ذلك الصحابي (62).
ولا يلزم من التعبير بذلك صحة جميع ما فيه، وفي كلام الإمام إسحاق نفسه ما يشير إلى ذلك، ومسنده فيه بعض الأحاديث الضعيفة والواهية، وفي ذلك يقول الحافظ العراقي: " لا يلزم من كونه يخرج أمثل ما يجد للصحابي أن يكون جميع ما خرجه صحيحًا، بل هو أمثل بالنسبة لما تركه " (63) ثم ذكر بعض الأمثلة على الأحاديث الضعيفة الموجودة فيه.
مسند الإمام: بقي بن مَخْلَد الأندلسي القرطبي (ت 276 هـ)، وقد انتقى أحاديثه مثل انتقاء الإمام إسحاق ابن راهُوَيْه كما نبه إلى ذلك الحافظ ابن حجر (64) وأشار إلى ذلك الإمام أبو محمد. علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت 456 هـ) عندما وصف طريقة ترتيب مسنده قائلا: " لا أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته، وضبطه، وإتقانه، واحتفائه فيه في الحديث، وجودة شيوخه، فإنه روى عن مائتي رجل وأربعة وثمانين رجلا ليس فيهم عشرة ضعفاء، وسائرهم أعلام مشاهير " (65).
البحر الزخار، وهو: مسند الإمام أبي بكر: أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (ت 292 هـ) وقد انتقاه، واجتهد فيه، ومما يفيد ذلك أنه أحيانًا يروي الحديث الذي فيه مقال، ثم يبين علته، ويعتذر عن تخريجه له بأنه لم يعرفه إلا من هذا الوجه، مثل صنيعه عند حديث علي - رضي الله عنه - مرفوعًا: " < الْمَهْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ > "، حيث قال: " لا نعلمه يُروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وإنما كتبناه مع لين ياسين؛ لأنا لم نعرفه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا بهذا الإسناد فلذلك كتبناه وبينّا العلة فيه " (66).
الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين لضياء الدين أبي عبد الله: محمد بن عبد الواحد بن أحمد الحنبلي المقدسي (ت 643 هـ)، وهو مرتب على مسانيد الصحابة، واشترط الصحة في كتابه، وعن ذلك يقول السخاوي: " منهم من يقتصر على الصالح للحجة، كالضياء " (67).
وتسميته: بالمختارة، دليل على ذلك، وهو يقول في مقدمته: " هذه أحاديث اخترتها مما ليس في البخاري ومسلم، إلا أنني ربما ذكرت بعض ما أورده البخاري تعليقًا، وربما ذكرنا أحاديث بأسانيد جياد ولها علة، فنذكر بيان علتها حتى يُعرف ذلك " (68).
المبحث الثاني: المسانيد المُعَلة.
عِلل الأحاديث فن جليل خفي تُميز به الأحاديث صحة وضعفًا، ويُعرف بعدة مسالك، منها جمع طرق الحديث وما جاء في الباب ومقارنة بعضها ببعض، والنظر في حال رواتها واختلافهم، فقد روى الحاكم بإسناده عن يحيي بن معين أنه قال: " لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه" (69). ويقول الخطيب البغدادي: " السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانتهم من الحفظ، ومنزلتهم في الانتقاء والضبط " (70).
ولقد عُني عدد من مؤلفي المسانيد بعلل الأحاديث، عناية كبيرة، بالرغم من أن أيَّا منهم لم يُتمَّ مسنده المُعَل، قال أبو القاسم: عبيد الله بن أحمد بن عثمان الأزهري (ت 435 هـ): " سمعت الشيوخ يقولون: لم يتم مسند معل قط " (71).
والمصنفات في العلل منها ما هو على المسانيد، ومنها ما هو على الأبواب، والكلام هنا على: المسانيد التي يروي مؤلفوها الحديث بإسنادهم مع بيان العلل والاختلاف والتفرد، ومنها:
المسند الكبير المعلل للإمام يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي (ت 262 هـ). قال عنه الإمام محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 هـ): " صاحب المسند الكبير العديم النظير المعلل الذي تم من مسانيده نحو من ثلاثين مجلدًا، ولو كمل لجاء منه مجلد " (72) والمطبوع منه جزء صغير من مسند أمير المؤمنين: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (73).
العلل الكبير للإمام أبي عيسى: محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي (ت 279 هـ)، وهو مرتب على المسانيد، إلا أن أبا طالب: محمود بن علي بن أبي طالب القاضي (ت 585 هـ) قد رتبه بعدئذ على الأبواب، وهو مطبوع متداول، وتظهر فيه عناية الإمام الترمذي الكبرى بكلام شيخه الإمام أبي عبد الله البخاري في العلل، حيث كان يسأله عن الأحاديث، ويجيبه الإمام البخاري عما فيها من العلل.
البحر الزخار المعروف بمسند البزار - المتقدم، يقول الحافظ إسماعيل ابن عمر بن كثير الشافعي الدمشقي (ت 774 هـ) عنه: " في مسند الحافظ أبي بكر البزار من التعاليل ما لا يوجد في غيره من المسانيد " (74) ولعله يريد ما فيه من العناية ببيان تفرد الرواة.
مسند الإمام أبي علي: الحسن بن محمد بن ماسَرْجِس الماسَرْجِسي (ت 365 هـ)، قال السخاوي عنه: " له مسند معلل في ألف وثلاثمائة جزء " (75).
المبحث الثالث: المسانيد العامة.
المسانيد العامة هي تلك التي لم يُعْنَ فيها أصحابها بانتقاء الأحاديث ولا ببيان عللها، وإنما كان همهم الجمع للروايات دون النظر إلى مدى صحتها أو ضعفها، ودون الاهتمام بجمع طُرُقها واختلاف رواتها ومنازلهم جرحًا وتعديلا، ومن أشهر تلك المسانيد الكثيرة:
مسند أبي بكر: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت 235 هـ).
المنتخب من مسند عبد بن حميد (249 هـ)، انتخبه من مسنده الكبير.
مسند أبي بكر: محمد بن هارون الرُّويَاني (ت 307 هـ).
مسند الهيثم بن كليب الشاشي (ت 335 هـ).
الباب الثاني: أنواع المسانيد وطريقة ترتيبها.
يتبع