آراء الإمام البخاري الأصولية من خلال تراجم صحيحه
سعد الشتري
المبحث الثاني: حجية القياس.
قد يفهم من كلام الإمام البخاري عدم القول بحجية القياس[49]، ويؤخذ ذلك مما يأتي:
أولاً: أنه أورد في أحد تراجمه عبارة يفهم منها ذم الرأي، وأن القياس تكلف، فقال: "باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس"[50].
ثانياً: أنه أورد في الباب السابق قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون برأيهم، فيضلون ويضلون))[51].
ثالثاً: أنه أورد في الباب السابق قول سهل بن حنيف: ((اتهموا رأيكم على دينكم))[52].
رابعاً: أن الإمام البخاري يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم بالقياس في المسائل التي وردت عليه ولا نص فيها، بل انتظر النص، قال البخاري: "باب ما كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يسأل مما لك ينزل عليه الوحي فيقول: ((لا أدري))، أو لم يجب حتى ينزل عليه الوحي، ولم يقل برأيٍ ولا بقياس"[53]. واستدل على ذلك: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: كيف أصنع في مالي فلم يجب حتى نزل الوحي بآية الميراث[54].
خامساً: استدل على ما قرره من عدم الرجوع النبي - صلى الله عليه وسلم – للقياس، بقوله - تعالى -: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله)[55] ولم يقل بما رأيت.
سادساً: حمل الإمام البخاري المسائل التي قيل فيها بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاس فيها على أنه أراد التقريب ليُفهم الحكم وليس لتقرير الحجية القياس، فهو يقول: "باب من شبه أصلاً معلوماً، وقد بين - صلى الله عليه وسلم - حكمهما ليفهم السائل"[56].
أما جمهور الأصوليين فإنهم يرون حجية القياس[57]، ويسوقون على ذلك أدلة عديدة[58]. وأجاب الجمهور على ما ذكره البخاري من أدلة بأجوبة عديدة، ملخصها ما يأتي:
أولاً: أن ما ورد في منع قول الإنسان بما رآه يعني فيما لا يرجع إلى أصل يقاس عليه، توفيقاً بين ذلك وبين النصوص الواردة في حجية القياس[59].
ثانياً: أن المسائل التي انتظر فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس لها أصول يقاس عليها في الشريعة، فلا بدّ من انتظار الوحي فيها[60]. والذي يظهر لي أن الإمام البخاري لا يخالف الجمهور في ذلك بل هو موافق لهم، ويدل على ذلك أمور:
أولاً: أن البخاري قال: "باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس".
مما يدل على أنه إنما ينظر القياس المتكلف فقط، وليس جميع الأقيسة، قال ابن حجر: "وأشار بقول: (من) إلى أن بعض الفتوى بالرأي لا تذم، وهو إذا لم يوجد نص من كتاب أو سنة أو إجماع، وقوله: (وتكلف القياس) أي: إذا لم يجد الأمور الثلاثة واحتاج إلى القياس، فلا يتكلفه، بل يستعمله على أوضاعه ولا يتعسف في إثبات العلة الجامعة"[61].
ثانياً: كون البخاري يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستعمل القياس ليس معناه منع المجتهدين بعده من ذلك. كما أن بعض الأصوليين يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس متعبداً بالاجتهاد[62]، ومع ذلك يجعل القياس حجة شرعية في حق المجتهدين بعده.
ثالثاً: أن ما أورده الإمام البخاري من ذم الرأي إنما يراد به المقابل للنص؛ كما في قول سهل: "اتهموا الرأي على دينكم"[63]، أو الرأي المجرد الصادر من غير المجتهد كما في حديث: ((فيبقى ناس جهال يستفتون برأيهم))[64]، قال ابن حجر موضحاً مراد الإمام البخاري: "قوله: باب ما يذكر من ذم الرأي، أي: الفتوى بما يؤدي إليه النظر، وهو يصدق على ما يوافق النص وعلى ما يخالفه، والمذموم منه ما يوجد النص بخلافه، وأشار بقوله: ((من)) إلى أن بعض الفتوى بالرأي لا تذم وهو إذا لم يوجد النص من كتاب أو سنة أو إجماع"[65].
رابعاً: أن الإمام البخاري يُعنون بعض الأبواب بعنوان يتعلق بمحل معين، ثم يورد في هذا الباب نصوصاً لا تتعلق بهذا المحل بنصها، وإن كان الحكم يفهم من خلال استعمال القياس، مما يدلنا على أن البخاري يرى صحة الاستدلال بالقياس، وسيأتي لذلك مثال فيما يأتي.
خامساً: أن الإمام البخاري من علماء الأمة الذين لهم مكانة ومنزلة فيها، ولو كان لا يرى الاحتجاج بالقياس، أو يفهم ذلك من كلامه لاشتهرت النسبة إليه بذلك.
سادساً: أن صحيح البخاري موضع عناية الأمة، بل هو من أكثر الكتب التي اشتغلت الأمة بالعناية بها من خلال روايته وشرحه والتعليق عليه والاعتراض على مواطن منه ونحو ذلك، فلو كان القول بعدم صحة استنباط الأحكام الشرعية بواسطة القياس يفهم من كلام البخاري لكان موضع عناية من هؤلاء العلماء الذين اهتموا بصحيح البخاري.
المبحث الثالث: تعريف الصحابي.
يكتفي الإمام البخاري في كون الرجل صحابياً باشتراط رؤيته للنبي - صلى الله عليه وسلم - حالة كونه مسلماً فهو يقول: "ومن صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه"[66].
وهذا مذهب الحنابلة[67] وأكثر المحدثين[68] وبعض الشافعية[69]. واستدل لهذا القول: بأنه مقتضى اللغة؛ لأن الصحبة تطلق لغة على المصاحبة اليسيرة كما تطلق على المصاحبة الكثيرة، ومن هنا يقال: صحبه ساعة، ولو قال قائل: صحبت فلاناً، لم يقبح سؤاله: هل صحبته شهراً أو يوماً أو لحظة، ولو حلف ليصحبن فلاناً برَّ بصحبته ولو زمناً قليلاً[70].
والقول الثاني في المسألة: أن الصحابي هو من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - متبعاً له ولازمه مدة. وهذا قول الحنفية[71] وبعض الشافعية[72] وبعض المالكية[73] وبعض المحدثين[74]. واستدل لهذا القول بأن مقتضى العرف تخصيص لفظ الصحبة بالملازمة كما يقال: أصحاب الكهف؛ لأنهم لازموه[75]. والذي يترجح لديَّ هو القول الثاني لأمور:
الأول: أن الكتب اللغوية تفسر الصحبة بالمعاشرة والملازمة[76]، قال في القاموس: "صحبه كسمعه... عاشره... واستصحبه: دعاه إلى الصحبة ولازمه"[77]، وفي لسان العرب: "صاحبه عاشره"[78]، وقال: "وكل ما لازم شيئاً فقد استصحبه"[79]، ولفظ العشرة يشعر بطول الزمن كما في لسان العرب: "العشرة المخالطة"[80].
الثاني: ما ورد في الحديث من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني))[81]، مما يظهر معه أن للصحبة معنى مغايراً لمجرد الرؤية.
المبحث الرابع: العرف.
من الأدلة التي يرى الإمام البخاري اعتبارها (العرف)، فهو يقول: "باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجازة والكيل والوزن"[82].
وإعمال العرف من الأمور المتفق عليها في الجملة، قال القرافي: "وأما العرف فمشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرخون بذلك فيها"[83].
واستدل الإمام البخاري على هذه القاعدة بأدلة، منها:
1 - قول الله - عز وجل -: (وَمَن كَان فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: 6].
2 - أن أبا طيبة حجم النبي - صلى الله عليه وسلم - دون شرط سابق، فأمر له النبي - صلى الله عليه وسلم - بصاع من تمر[84].
3 - ولما سألت امرأة عن حكم أخذها من مال زوجها الذي لا ينفق عليها، قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف))[85]. كما أورد بعض الآثار التي تؤيد رأيه في ذلك.
الفصل الثالث: الآراء الأصولية التي صرح بها في دلالات الألفاظ:
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: دلالة الأمر على الوجوب:
قرر الإمام البخاري أن الأصل في الأوامر أن تكون للوجوب، فقال: "باب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - على التحريم إلاّ ما تعرف إباحته وكذلك أمره"[86].
ولا يتصور أن يقصد الإمام البخاري بهذه اللفظة أن أمره دال على التحريم كالنهي، ومن هنا قال الشراح تفسيراً لكلامه هذا: "أي يحرم مخالفته لوجوب امتثاله"[87].
وذكر جماعة من الأصوليين أن القول بدلالة الأمر على الوجوب هو قول الجمهور خلافاً لبعضهم[88]. بينما يرى الغزالي أن العلماء متفقون على دلالة الأمر على الوجوب والخلاف المحكي في المسألة إنما هو متجه نحو دلالة صيغة (افعل) على الأمر، قال الغزالي: "إن قول الشارع: أمرتكم بكذا أو أنتم مأمورون بكذا، أو قول الصحابي: أمرت بكذا، كل ذلك صيغ دالة على الأمر، وإذا قال: أوجبت عليكم أو فرضت عليكم أو أمرتكم بكذا، أو أنتم معاقبون على تركه، فكل ذلك يدل على الوجوب، ولو قال: أنتم مثابون على فعل كذا ولستم معاقبين على تركه فهو صيغة دالة على الندب فليس في هذا خلاف، وإنما الخلاف في أن قوله: (افعل)، هل يدل على الأمر بمجرد صيغته إذا تجرد عن القرائن؟ "[89].
المبحث الثاني: دلالة النهي على التحريم:
قرر الإمام البخاري أن النهي يفيد التحريم، فهو يقول: "باب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - على التحريم إلاّ ما تعرف إباحته"[90].
ولم يذكر في هذا الباب أدلة على هذه القاعدة ولا أمثلة لها. وقد ذكر طائفة من العلماء أن جمهور العلماء يرون أن النهي المجرد عن القرائن يقتضي التحريم[91]، وذكر آخرون أن هذه المسألة يجري فيها خلاف مماثل للخلاف في اقتضاء الأمر للوجوب[92]، بينما ذكر بعض المالكية أن هناك من يرى دلالة النهي على التحريم، ولا يرى دلالة الأمر على الوجوب؛ لأن الاعتناء بدرء المفاسد أكثر من الاعتناء بجلب المصالح[93].
المبحث الثالث: صرف الأمر والنهي عن ظاهرهما للقرائن:
يرى الإمام البخاري أن القرائن يصرف بها ظاهر الأمر عن الوجوب، والنهي عن التحريم، فهو يقول: "باب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - على التحريم إلاّ ما تعرف إباحته، وكذلك أمره"[94].
واستدل على ذلك بما يأتي:
1 - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من حج قارناً ولم يسق الهدي بالتمتع بعد الطواف والسعي، فقال: ((أحلوا وأصيبوا من النساء))[95]، فلم يفهم الصحابة التحريم، ولعل ذلك لأنه أمر بعد خطر وقال جابر-رضي الله عنه-: "ولم يعزم علينا، لكن أحلّهن لهم"[96]
2 - قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((صلوا قبل صلاة المغرب))، قال في الثالثة: ((لمن شاء))[97]، فلما ورد لفظ لمن شاء فهم أن الأمر ليس للوجوب، ومن هنا قال الصحابي: "خشية أن يتخذها الناس سنة"[98]، أي طريقة دائمة.
الباب الثاني: الآراء الأصولية المستنبطة من كلام الإمام البخاري وفيه ثمانية فصول:
الفصل الأول: آراؤه المتعلقة بالحكم الشرعي.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: عدم التفريق بين الواجب والفرض:
قرر الإمام البخاري أن الزكاة واجبة فقال: "باب وجوب الزكاة"[99]، واستدل على ذلك بحديث: ((أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم))[100]. واستدلال البخاري بقوله: ((افترض)) على الوجوب يدل على أنه يرى ترادفهما. كما يرى الإمام البخاري أن قيام الليل ليس واجباً فقال: "باب تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب"[101].
واستدل على ذلك بما ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم[102]، وقال عن صلاة الليل: ((لم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أني خشيت أن تفرض عليكم))[103]. فاستدل بالنصوص الواردة بنفي الفرضية على نفي الوجوب، مما يدل على أنه يرى أنهما بمعنى واحد. وقرر الإمام البخاري وجوب صوم رمضان فقال: "باب وجوب صوم رمضان"[104]. واستدل على ذلك بما ورد في فرضية صوم رمضان، فلما سأل الأعرابي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أخبرني بما فرض الله علي من الصيام. قال: ((شهر رمضان إلاّ أن تطوع شيئاً))[105]، وقال ابن عمر –رضي الله عنهما-: "صام النبي - صلى الله عليه وسلم - عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك"[106]، وقالت عائشة –رضي الله عنها-: "أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصيامه عاشوراء حتى فرض رمضان"[107].
ومما سبق يتضح أن الإمام البخاري يرى ترادف كلمتي الواجب والفرض.
المبحث الثاني: دلالة لفظ: (كتب) على الوجوب:
قرر الإمام البخاري أن صوم رمضان واجب فقال: "باب وجوب صوم رمضان"[108]. واستدل البخاري على ذلك بقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183]. فاستفاد من قوله: (كتب عليكم الصيام) وجوب الصيام، مما يدل على أنه يرى أن لفظة (كتب) دالة على الوجوب.
الفصل الثاني: آراؤه المتعلقة بالسنة النبوية.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حجية الأفعال النبوية:
يرى الإمام البخاري صحة صلاة الجمعة إذا ترك كثير من الناس الإمام وهو يخطب، حيث يقول: "باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي جائزة"[109].
واستدل البخاري على ذلك: بأن الصحابة كانوا يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أقبلت عير تحمل طعاماً التفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة إلاّ اثني عشر رجلاً[110]. فاستدل البخاري بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يدل على أنه يرى حجية الأفعال النبوية.
المبحث الثاني: دلالة الأفعال النبوية:
اختار الإمام البخاري جواز كون الإجارة لا تلي العقد مباشرة، فهو يقول: "باب إذا استأجر أجيراً ليعمل له بعد ثلاث أو بعد شهر أو بعد سنة جاز"[111].
واستدل البخاري على رأيه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استأجر رجلاً من الديل ليعرفه طريق المدينة وواعده بعد ثلاث[112]. فاستدل بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
المبحث الثالث: حجية السنة الإقرارية:
قرر الإمام البخاري أن سترة الإمام سترة للمأمورين، فقال: "باب سترة لمن خلفه"[113]. واستدل البخاري على رأيه بما ورد: أن أحد الصحابة أرسل حماره فدخلت الصف، فلم ينكر ذلك عليه أحد[114]. مما يدل على أنه يرى أن إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - وعدم إنكاره عليه حجة شرعية.
الفصل الثالث: آراؤه المتعلقة بالأدلة المختلف فيها.
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: حجية القياس:
ذهب الإمام البخاري إلى إثبات الحد واللعان بإشارة الأخرس، فقال: "إذا قذف الأخرس امرأته بكتابة أو إشارة أو إيماء معروف فهو كالمتكلم"[115]. واستدل على ذلك بالقياس من جهتين:
الأولى: أن الطلاق معتبر بالإشارة، قال البخاري: "إن طلق بكتابة أو إشارة أو إيماء جاز، وليس بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال: القذف لا يكون إلاّ بكلام، قيل له: كذلك الطلاق لا يكون إلاّ بكلام"[116].
الثاني: قياس إشارة الأخرس في القذف على ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإشارة المعتبرة في الأحكام الشرعية، قال البخاري: "إذا قذف الأخرس امرأته بكتابة أو إشارة أو إيماء معروف، فهو كالمتكلم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أجاز الإشارة في الفرائض"[117].
المبحث الثاني: حجية شرع من قبلنا المنقول بشرعنا:
يرى الإمام البخاري صحة الإجارة على إقامة جدار يُخاف من سقوطه، فهو يقول: "باب إذا استأجر أجيراً على أن يقيم حائطاً يريد أن ينقض جاز"[118]. واستدل البخاري بقوله - تعالى -: (فَوَجَدََا فِيهَا جِداَراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْت عَلَيْهِ أَجْراً) [الكهف: 77]، وروى مثله من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -[119].
فاستدل بقول موسى - عليه السلام - على جواز ذلك، مما يدل على أنه يرى حجية شرع من قبلنا. كما يرى الإمام البخاري أن صلاة الجمعة فرض، فهو يقول: "باب فرض الجمعة"[120]. وكان مما استدل به البخاري على ذلك حديث: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أتوا الكتاب من قبلنا... ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له))[121].
فأخذ من كون الجمعة قد فرضت عليهم أنها فرضت علينا، وهذا ما يعرف بشرع من قبلنا.
المبحث الثالث: حجية شرع من قبلنا المنقول بطريقهم:
قرر الإمام البخاري كراهة السخب في الأسواق، فقال: "باب كراهية السخب في الأسواق"[122]. واستدل البخاري على رأيه بما ورد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - موصوف في التوراة بأنه ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق[123].
فاستدلال البخاري على كراهة هذا الأمر بما ورد في التوراة استدلال بشرع من قبلنا المنقول بطريقهم. وقد يقال: بأنه استدلال بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كذلك لكن ليس في هذا الخبر ذلك، وإنما هو نقل عما في التوراة.
المبحث الرابع: حجية قول الصحابي:
ذهب الإمام البخاري إلى أن العمرة واجبة فقال: "باب وجوب العمرة"[124]. واستدل البخاري على ذلك بأنه قول الصحابة، فقال: "قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: "ليس أحد إلاّ وعليه حجة وعمرة"[125]، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "إنها لقرينتها في كتاب الله - عز وجل -[126]: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: 196]"[127]"، فاستدلال البخاري بما ورد عن الصحابة في ذلك يدل على أنه يرى حجية قول الصحابي.
المبحث الخامس: إِعمال العرف في تفسير الألفاظ المحتملة:
لفظ (أخدمتك) يحتمل أن يكون عارية ويحتمل أن يكون هبة، وقد رأى الإمام البخاري أن المكلف إذا أطلق هذا اللفظ فإنه يحتمل على العرف، فهو يقول: "باب إذا قال: أخدمتك هذه الجارية، على ما يتعارف الناس فهو جائز، وقال بعض الناس: هذه عارية"[128]. واستدل البخاري على رأيه بما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((هاجر إبراهيم بسارة فأعطوها آجر فرجعت، فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة))[129]، والمراد بذلك التمليك؛ لأن العرف لديهم يقتضيه.
فدل على أن البخاري يرى حمل الألفاظ المحتملة على حسب العرف.
الفصل الرابع: آراؤه المتعلقة بالأمر.
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: دلالة الأمر على الوجوب:
قرر الإمام البخاري وجوب التكبير في الصلاة، فقال: "باب إيجاب التكبير"[130]. واستدل البخاري بحديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا))[131]. وقوله: ((كبّروا)) أمر استخرج البخاري بواسطته وجوب التكبير، مما يدل على أنه يرى أن الأمر مفيد للوجوب. كما قرر الإمام البخاري وجوب الزكاة بقوله: "باب وجوب الزكاة"[132]. واستدل على ذلك بقوله - تعالى -: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة: 43]، وحديث: ((أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم))[133]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((آمركم بأربع ذكر منها: إيتاء الزكاة))[134]. فقرر البخاري وجوب الزكاة بناء على هذه الأوامر، مما يدل على أنه يرى أن الأمر يدل على الوجوب.
المبحث الثاني: دلالة صيغة افعل على الأمر:
ذكر الإمام البخاري أن من لم يتم ركوعه فإنه يؤمر بالإعادة، فقال: "باب أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة"[135]. واستدل البخاري على رأيه بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته: ((ارجع فصلِّ))[136]. فعلم مما سبق أن الإمام البخاري يرى أن قوله: ((صلِّ)) وهي على صيغة (افعل) أمر من الشارع بالصلاة، مما يدل على أنه يرى أن صيغة (افعل) دالة على الأمر.
المبحث الثالث: دلالة صيغة افعل على الوجوب:
قرر الإمام البخاري وجوب القراءة في الصلاة، فقال: "باب وجوب القراءة للإمام والمأموم"[137]. واستدل البخاري على إيجاب القراءة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن))[138]. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((اقرأ)) على وزن (افعل)، وقد استدل بها البخاري على الوجوب، مما يدل على أنه يرى أن صيغة (افعل) دالة على الوجوب. كما قرر الإمام البخاري وجوب النفير، فقال: "باب وجوب النفير"[139]. واستدل البخاري على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((وإذا استنفرتم فانفروا))[140]. وهذا يظهر أن الإمام البخاري استدل بصيغة (افعل) على الوجوب.
المبحث الرابع: دلالة الفعل المضارع المسبوق بلام الأمر على الوجوب:
اختار الإمام البخاري وجوب قبول المحال للحوالة، فهو يقول: "إذا حال على مليء فليس له رد"[141]. واستدل البخاري على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من اتبع على مليء فليتبع))[142]. فقوله: ((فليتبع)) فعل مضارع مسبوق بلام الأمر، وقد استدل به البخاري على الوجوب، مما يدل على أنه يرى إفادته للوجوب.
المبحث الخامس: صرف الأمر عن الوجوب لعدم فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - له:
قرر الإمام البخاري عدم وجوب السحور، فقال: "باب بركة السحور من غير إيجاب"[143]. واستدل البخاري على ذلك: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه واصلوا ولم يذكر السحور[144]. فصرف البخاري دلالة الأمر على الوجوب في قوله: ((تسحروا))[145] بعدم فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - له وأصحابه ولو كان واجباً لتسحروا.
الجزء الاول انتهى