
28-07-2019, 04:22 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,310
الدولة :
|
|
رد: عناية الإمام المحدث ابن حبان بالأدب
عناية الإمام المحدث ابن حبان بالأدب
شمس الدين درمش
استحباب المؤاخاة للمرء مع الخاص:
ففي باب استحباب المؤاخاة للمرء مع الخاص يروي ابن حبان (8): "أنبأنا القطان بالرقة، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إبراهيم بن موسى المكي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: وضع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للناس ثماني عشرة كلمة، كلها حكم، قال: ما كافأت من يعصي الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً، ومن تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يديه، وعليك بإخوان الصدق فعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق، ولا تعرض لما لا يعنيك، ولا تسأل عما لم يكن فإن فيما كان شغلاً عما لم يكن، ولا تطلبن حاجتك إلى من لا يريد لك نجاحها، ولا تصحبن الفاجر فتعلم فجوره، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله، وتخشع عند القبور، واعتصم عند المعصية، واستشر في أمرك الذين يخشون الله، فإن الله يقول: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ)(فاطر: 8)".
فهذا النص يشع بأنوار الحكمة، ويفيض بخيرات التجربة، يبصر المرء بدينه ودنياه، جملها قصيرة متتابعة، يلمع فيها البديع لمعان النور في الربيع، يتراوح بين الخبر والإنشاء، لا يقصر فيخل، ولا يطيل فيمل. وهكذا كانت كلماتهم تأني على السجية مقدمة على أطباق البيان هدية.
كراهية المعاداة للناس:
ومما نقله في ذكر كراهية المعاداة للناس ما يحكى عن العصفور والصياد، فيورده مسنداً فيقول (9): "سمعت محمد بن محمود يقول: سمعت علي بن خشرم يقول: سمعت الفضل بن موسى السيناني يقول: كان صياد يصطاد العصافير في يوم ريح، قال: فجعلت الرياح تدخل في عينيه الغبار فتذرفان، فكلما صاد عصفوراً كسر جناحه وألقاه في ناموسه، فقال عصفور لصاحبه: ما أرقه علينا! ألا ترى إلى دموع عينيه؟! فقال له الآخر: لا تنظر إلى دموع عينيه، ولكن انظر إلى عمل يديه!".
فهذه القصة التي تحذر من الاغترار بالظواهر، وتدعو للتنبه إلى حقائق الأفعال قصة رمزية من آداب الشعوب العالمية، قد تكون مما ورد في كتاب "كليلة ودمنة" من القصص الجانبية. وابن حبان لا يتعامل مع هذه القصة وأمثالها بأسلوب الناقد الذي يتعامل به في رواية الأحاديث، ولا يعرض السند على غربال الثقات والمجروحين، مع إدراكه أن الحكاية على لسان العصفورين ليست حقيقية، لأن الأمر هنا تقديم مثل يستخرج منه معنى ينفع السامع دون أن يدخل دينه بأس. وهذا دليل على إدراك ابن حبان أهمية العمل الأدبي ووسائله التي تختلف عن صناعة العلم الحقيقي وأهدافه، مما يصلح شاهداً في باب الأدب في وضع القصص الأدبية.
ائتلاف الناس واختلافهم:
وشبيه بقصة العصفورين والصياد ما نقله في باب ذكر ائتلاف الناس واختلافهم قصة العصفور والفخ (10)، فيقول بعد ذكر السند: "تكلم عصفور في بني إسرائيل مع فخ، فقال العصفور: انحناؤك لماذا؟! قال الفخ: من العبادة، قال العصفور: دفنك في التراب لماذا؟! قال الفخ: من التواضع، قال العصفور: فما هذا الشعر؟! قال الفخ: لباسي، قال العصفور: ما هذا الطعام؟! قال الفخ: أعددته لعابر السبيل، قال العصفور: أفتأذن لي فيه؟ قال: نعم.
قال الراوي: فنقر العصفور نقرة فأخذ الفخ بعنقه، فجعل العصفور يقول: شغ.. شغ.. شغ!! وقال: والله لا يغرني قارئ بعدك أبداً!!".
والقصة غنية عن التعليق في جانبها الأدبي الرمزي، إلا أن التنبيه لازم على الجملة الخاتمة التي تضمنت المغزى حتى لا يتبادر إلى الأذهان أنها مسوقة للإساءة إلى القراء على طريقة ما قاله المنافقون في طريق العودة من غزوة تبوك، بل هي تنظر إلى أحاديث أخرى حذرت من أكل الدنيا بالدين، وتوعدت القراء الذين لا يعملون بعلمهم ومنه الحديث الذي فيه: ((فيقال له: كذبت، قرأت ليقال عنك قارئ، وقد قيل... ))..
وهذه القصة أيضاً كسابقتيها في الدلالة على إدراك ابن حبان لأبعاد العمل الأدبي وأهدافه. وقد يقدم ابن حبان الحكاية بتمهيد نقدي لطيف يشعر بعدم موافقته على المضمون، كما في قوله (11): "وقد أولع جماعة بالفراق حتى إنهم خرجوا إلى ثلب الطيور، وقدح الدمن، وتأولوا لعن نوح - عليه السلام – الغراب"، ثم يروي الحكاية بسنده فيقول: "بعث نوح –عليه السلام- الغراب والحمامة حين استقرت السفينة على الجودي يلتمسان له الجدب أي الأرض، فأما الغراب فرأى جيفة فوقع عليها فأكل منها، وأما الحمامة فجاءت عاضة على غصن شجرة بطين أحمر، قال: فدعا للحمامة بالبركة، وأما الغراب فلعنه، وقال قولاً شديداً".
وواضح من تقديم الحكاية أن ابن حبان لا يقر ما أولع به بعض الناس من ثلب الطيور ولعن نوح - عليه السلام - الغراب، لأن الحكاية مع دلالتها الرمزية في استحقاق من يقوم بالواجب الثناء والشكر، ومن يفرط فيه العقوبة والزجر، إلا أن لعن الغراب وهو طائر أعجم يحتاج إلى دليل شرعي صحيح، بخلاف قصة العصفور والصياد، والعصفور والفخ فليس في سياق القصتين ما ينكر.
ونتوقف في القصة الأخيرة عند الحمامة والغصن الذي اتخذ رمزاً عالمياً على السلام، وواضح أن مصدره الإسرائيليات، وتأثير النصرانية واليهودية في رسم السياسة العالمية، ووضع شعاراتها التي تريد.
من المنقولات الشعرية لابن حبان:
أما ما نقله ابن حبان من الشعر فشيء كثير، ومن البدهي أن ينقل من الأشعار ما تحث على مكارم الأخلاق، ومعالي الهمم والأمور، والإتيان بنماذج منها تحصيل حاصل، ولكني سأنقل مثالاً على ما نظن أنه ليس عند الإمام المحدث، ولا هو عنده.
من الشعر الوجداني:
ففي باب ائتلاف الناس واختلافهم بعد قصة الحمامة والغراب مع نوح - عليه السلام -، ينقل ابن حبان القصة الآتية (12): "أمرت لبنى فاشتري لها أربعة غربان، فلما رأتهن صرخت وبكت، وكتفتهن، وجعلت تضربهن بالسوط حتى قتلتهن جميعاً، وأنشأت تقول:
لقد نادى الغراب ببين لبنى *** فطار القلب من حذر الغراب
وقال غداً تباين دار لبنى*** وتنأى بعد ود واقتراب
فقلت تعست ويحك من غراب *** أكل الدهر سعيك في تباب؟
لقد أولعت لا لقيت خيراً *** بتفريق المحب عن الحباب
وأنشدني إبراهيم بن علي الطرفي، قال: أنشدني علي بن إسحاق:
غراب البين ويحك صح بقرب *** كما قد صحت ويحك بالبعاد
تنادي بالتفرق كل يوم فما *** لك بالتواصل لا تنادي؟!
أراني الله ريشك عن قريب *** تمرطه البزاة بكل واد
كما أسخنت يوم البين عيني *** وألقيت الحزازة في فؤادي"
وينقل بعد هذه الأبيات قصة في السياق، فيقول: "حدثنا بعض أصحابنا -أي الراوي- قال: مررت بالبصرة على باب دار، فإذا بصوت غراب يجلد، فدنوت من الدار، فإذا صاحبة الدار، وبين يديها جوار، وهي تأمر بجلده، فقلت: ألا تتقون الله في هذا الغراب؟! فقلن لي: هذا الغراب الذي قيل فيه:
ألا يا غراب البين قد طرت بالذي *** أحاذر من لبنى فهل أنت واقع؟!
فقلت: ليس هذا ذاك الغراب! فقالت: والله، ما نزال نأخذ البريء بالسقيم حتى نظفر بذاك الغراب!!"
فهذه الأبيات وقصتها تابعة لما أشار إليها ابن حبان أن بعض الناس أولعوا بها، والذي يعنينا أن هذا من الشعر الوجداني الذي يظن بالإمام أن يتجنبها، ولكننا نجده يرويها، بل ويلحق بها قصة طريفة حيث يتدخل الرجل لدى المرأة لإنقاذ الغراب البريء، وقول المرأة: إنها لا تزال تأخذ البريء بالمذنب حتى تظفر بذلك الغراب! وما هي بظافرة بالغراب الأول، وإنها لتنتصر لصاحبتها لبنى، والتي يغلب الظن أنها صاحبة قيس بن ذريح من أصحاب الشعر الوجداني المعروف بالحب العذري.
وقد تكون القصة الأخيرة كلها مسوقة للتعبير عن رأي الناس في ذلك الوقت في جور بعض الولاة في أخذ البريء بالمجرم مما أعلنه زياد ابن أبيه، ثم سار عليه الحجاج وأضرابه من بعد، فوضعت في هذا الثوب الأدبي لتكون أدعى للقبول والسيرورة.
الزجر عن التجسس وسوء الظن:
وابن حبان لا يفوت مثل هذه القصص الطريفة التي تقدم الجد الثقيل بأسلوب الهزل الخفيف، فيروي في باب ذكر الزجر عن التجسس وسوء الظن (13): "أن امرأة ادعت على رجل حماراً لها، فقدمته إلى القاضي، فسألها البينة، فأحضرت أبا دلامة ورجلاً آخر، فقال القاضي: أما شاهدك هذا فقد قبلنا شهادته، فأتينا بشاهد آخر، فأتت أبا دلامة فأخبرته، فصار إلى القاضي، وأنشأ يقول:
إن الناس غطوني تخطيت عنهم *** وإن بحثوا عني ففيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهم *** ليعلم يوماً كيف تلك النبائث
فقال القاضي للمرأة: كم ثمن حمارك؟ قالت: ثلاثمائة، قال: قد احتملناها لك من مالي".
ودخول أبي دلامة في القصة هو عنصر الطرافة؛ لأنه كالعادة الضعيف الذي يسجل نصراً على خصمه القوي بمزاحه الفعال، وموضوع القصة (حمار) والمدعية امرأة، والقاضي يغرم من ماله (ثلاثمائة) مجهولة، حتى يترك للخيال دوراً أن يقدر تمييز العدد ديناراً، أو درهماً، أو دانقاً!!
الأدب ولزوم الفصاحة:
ويحسن أن يختم هذا الموضوع بالإشارة إلى الباب الذي خصه ابن حبان للأدب ولزوم الفصاحة (14)، والأدب هنا بمعناه الفني، وليس بمعناه الخلقي المحض، وكان قديماً يجمع بين المعنيين. يقول ابن حبان: "أنشدني الكريزي:
أكرم بذي أدب أكرم بذي حسب*** فإنما العز في الأحساب والأدب
والناس صنفان ذو عقل وذو أدب *** كمعدن الفضة البيضاء والذهب
وسائر الناس من بين الورى همج *** كانوا موالي أو كانوا من العرب"
ويقول ابن حبان (15): "الكلام مثل اللؤلؤ الأزهر، والزبرجد الأخضر، والياقوت الأحمر، إلا أن بعضه أفضل من بعض، ومنه ما يكون مثل الخزف والحجر والتراب والمدر -أي الطين-، وأحوج الناس إلى لزوم الأدب وتعلم الفصاحة أهل العلم؛ لكثرة قراءتهم الأحاديث، وخوضهم في أنواع الكلام".
وقال ابن حبان في شرح حديث: ((إن من البيان لسحراً)) (16) : "قد شبه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الخبر البيان بالسحر، إذ الساحر يستميل قلب الناظر إليه بسحره وشعوذته، والفصيح الذرب اللسان يستميل قلوب الناس إليه بحسن فصاحته، ونظم كلامه، فالأنفس تكون إليه تائقة، والأعين إليه رامقة".
ويبدو أن لابن حبان مزيد عناية بالأدب في كتب أخرى لم تصل إلينا، يشير إليها في نهايات بعض الأبواب من كتابه هذا (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء) كما في باب (ذكر إصلاح السرائر بلزوم تقوى الله) (17)، حيث يقول: "قد ذكرت هذا الباب بكماله بالعلل والحكايات في كتاب محجة المبتدئين، بما أرجو الغنية للناظر إذا تأملها، فأغنى ذلك في تكراره في هذا الباب".
منهج ابن حبان في روضة العقلاء ونزهة الفضلاء:
قال أبو حاتم -ابن حبان- في خاتمة كتابه (18): "قد ذكرنا اليسير من الكثير من الآثار، والقليل من الجسيم من الأخبار، في كتابنا هذا بما نرجو أن القاصد على سلوك ذوي الحجى، والسالك مقصد سبيل أولي النهى، يكون له فيها غنية إن تدبرها واستعملها، وإن كنا تنكبنا طرق المسانيد، وتخريج الحكايات، وأناشيد الأشعار، إلا ما لم نجد بداً من إخراجها، كالإيماء إلى الشيء، والإشارة إلى القصد..".
رحم الله ابن حبان، وأسكنه فسيح الجنان.
ــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(1) كتاب: روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، تأليف الإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي، طبع ونشر المكتبة العصرية، بيروت، (1424هـ - 2003م)، ص: 8.
(2) السابق، ص: 11.
(3) روضة العقلاء: ص 12.
(4) السابق: ص 12.
(5) السابق: ص 14.
(6) السابق: ص 32.
(7) السابق: ص 65.
(8) السابق: ص 78.
(9) روضة العقلاء: ص 84.
(10) السابق: ص 97.
(12) السابق: ص 99.
(12) السابق: ص 100.
(13) السابق: ص 111.
(14) السابق: ص 205.
(15) السابق: ص 208.
(16) السابق: ص 205.
(17) السابق: ص 25، وانظر نهايات الصفحات (32، 100، 117، 141، 165، 170، 214).
(18) السابق: ص 275
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|