تفسير سورة النحل: من الآية 30 – 50
سيد مبارك
روائع البيان والتفسير:
﴿ الَذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَلُونَ ﴾:
قال السعدي رحمه الله في بيانها إجمالًا ما نصه: ﴿ الَذِينَ صَبَرُوا ﴾ على أوامر الله وعن نواهيه، وعلى أقدار الله المؤلمة، وعلى الأذية فيه والمحن ﴿ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَلُونَ ﴾؛ أي: يعتمدون عليه في تنفيذ محابه، لا على أنفسهم، وبذلك تنجح أمورهم وتستقيم أحوالهم، فإن الصبر والتوكل ملاك الأمور كلها، فما فات أحدًا شيءٌ من الخير إلا لعدم صبره وبذل جهده فيما أريد منه، أو لعدم توكله واعتماده على الله؛ اهـ [63].
وأضاف القرطبي رحمه الله في بيانه لقوله تعالى: ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾، فقال: في كل أمورهم، وقال بعض أهل التحقيق: خيار الخلق من إذا نابه أمر صبر، وإذا عجز عن أمر توكل، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: 42]؛ اهـ [64].
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43]:
إعراب مفردات الآية [65]:
(الواو) استئنافية (ما) نافية (أرسلنا) فعل ماض وفاعله (من قبلك) جار ومجرور متعلق بـ(أرسلنا).. و(الكاف) ضمير مضاف إليه (إلا) أداة حصر (رجالًا) مفعول به منصوب (نوحي) مضارع مرفوع وعلامة الرفع الضمة المقدرة على الياء.. والفاعل نحن للتعظيم (إلى) حرف جر و(هم) ضمير في محل جر متعلق ب (نوحي)، (الفاء) رابطة لجواب شرط مقدر (اسألوا) فعل أمر مبني على حذف النون.. و(الواو) فاعل (أهل) مفعول به منصوب (الذكر) مضاف إليه مجرور (إن) حرف شرط جازم (كنتم) فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط.. و(تم) ضمير اسم كان (لا) نافية (تعلمون) مضارع مرفوع.. و(الواو) فاعل.
روائع البيان والتفسير:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾:
قال أبو جعفر الطبري رحمه الله في بيانها إجمالًا ما نصه: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلى أمة من الأمم، للدعاء إلى توحيدنا، والانتهاء إلى أمرنا ونهينا، إلا رجالًا من بني آدم نوحي إليهم وحينا لا ملائكة، يقول: فلم نرسل إلى قومك إلا مثل الذي كنا نرسل إلى من قَبلهم من الأمم من جنسهم وعلى منهاجهم ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِكْرِ ﴾، يقول لمشركي قريش: وإن كنتم لا تعلمون أن الذين كنا نرسل إلى من قبلكم من الأمم رجال من بني آدم مثل محمد صلى الله عليه وسلم وقلتم: هم ملائكة؛ أي: ظننتم أن الله كلمهم قبلًا، فاسألوا أهل الذكر، وهم الذين قد قرؤوا الكتب من قبلهم: التوراة والإنجيل، وغير ذلك من كتب الله التي أنزلها على عباده؛ اهـ [66].
وقال الشنقيطي رحمه الله في تفسيرها ما مختصره: يفهم من هذه الآيات أن الله لم يرسل امرأة قط؛ لقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ﴾ [النحل: 43]، ويفهم من قوله: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾ [النحل: 43] أن من جهل الحكم: يجب عليه سؤال العلماء والعمل بما أفتوه به، والمراد بأهل الذكر في الآية: أهل الكتاب، وهذه الأمة أيضًا يصدق عليها أنها أهل الذكر؛ لقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ﴾ [الحجر: 9]، إلا أن المراد في الآية أهل الكتاب؛ اهـ [67].
وزاد ابن كثير رحمه الله: والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت أن الرسل الماضين قبل محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا بشرًا كما هو بشر؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 93، 94]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ [الفرقان: 20]، وقال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأنبياء: 8، 9]، وقال: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 9]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾ [الكهف: 110]؛ ا.هـ[68].
﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44]:
إعراب مفردات الآية [69]:
(بالبينات) جار ومجرور متعلق ب (نوحي) «[70]»، (الواو) عاطفة (الزبر) معطوف على البينات مجرور (الواو) عاطفة (أنزلنا الذكر) مثل أرسلنا رجالًا (إليك) مثل إليهم متعلق بـ(أنزلنا)، (اللام) للتعليل (تبين) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل أنت (للناس) جار ومجرور متعلق بـ(تبين)، (ما) اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به (نزل) فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو وهو العائد (إليهم) مثل الأول متعلق بـ(نزل)، والمصدر المؤول (أن تبين... ) في محل جر باللام متعلق بـ(أنزلنا).
(الواو) عاطفة (لعلهم) حرف مشبه بالفعل للترجي، و(هم) ضمير في محل نصب اسم لعل (يتفكرون) مثل تعلمون.
روائع البيان والتفسير:
﴿ بِالْبَيِنَاتِ وَالزُبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِكْرَ لِتُبَيِنَ لِلنَاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَهُمْ يَتَفَكَرُونَ ﴾:
فسر ابن كثير رحمه الله قوله تعالى: ﴿ بِالْبَيِنَاتِ وَالزُبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِكْرَ لِتُبَيِنَ لِلنَاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾، فقال في تفسيره: ثم ذكر تعالى أنه أرسلهم ﴿ بالبينات ﴾؛ أي: بالدلالات والحجج، ﴿ والزبر ﴾ وهي الكتب؛ قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم.
والزبر: جمع زبور، تقول العرب: زبرت الكتاب إذا كتبته، وقال تعالى: ﴿ ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ﴾ [القمر: 52]، وقال: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء: 105].
ثم قال تعالى: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ يعني: القرآن، ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ من ربهم؛ أي: لعلمك بمعنى ما أنزل عليك، وحرصك عليه، واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل؛ ا.هـ[71].
وأضاف السعدي رحمه الله في بيانه لهذه الجزئية من الآية فائدة، فقال في تفسيرها إجمالًا وبتصرف يسير ما نصه:
﴿ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ نبأ الأولين، وشككتم هل بعث الله رجالًا؟ فاسألوا أهل العلم بذلك الذين نزلت عليهم الزبر والبينات، فعلموها وفهموها، فإنهم كلهم قد تقرَّر عندهم أن الله ما بعث إلا رجالًا يوحي إليهم من أهل القرى، وعموم هذه الآية فيها مدح أهل العلم، وأن أعلى أنواعه العلم بكتاب الله المنزل، فإن الله أمر من لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم؛ حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة، فدل على أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم، والاتصاف بصفات الكمال.
وأفضل أهل الذكر أهل هذا القرآن العظيم، فإنهم أهل الذكر على الحقيقة، وأولى من غيرهم بهذا الاسم، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِكْرَ ﴾؛ أي: القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم ودنياهم الظاهرة والباطنة، ﴿ لِتُبَيِنَ لِلنَاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ ﴾، وهذا شامل لتبيين ألفاظه وتبيين معانيه، ﴿ وَلَعَلَهُمْ يَتَفَكَرُونَ ﴾ فيه فيستخرجون من كنوزه وعلومه بحسب استعدادهم وإقبالهم عليه؛ ا.هـ [72].
﴿ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [النحل: 45].
إعراب مفردات الآية [73]:
(الهمزة) للاستفهام التوبيخي (الفاء) استئنافية (أمن) فعل ماض (الذين) اسم موصول مبني في محل رفع فاعل (مكروا) فعل ماض وفاعله (السيئات) مفعول به منصوب «[74]» بتضمينه معنى عملوا، وعلامة النصب الكسرة (أن) حرف مصدري ونصب (يخسف) مضارع منصوب (الله) لفظ الجلالة فاعل (الباء) حرف جر و(هم) ضمير في محل جر متعلق بـ(يخسف)، (الأرض) مفعول به منصوب، والمصدر المؤول (أن يخسف) في محل نصب مفعول به عامله أمن، (أو) حرف عطف (يأتيهم) مثل يخسف ومعطوف عليه، و(هم) ضمير مفعول به (العذاب) فاعل مرفوع (من) حرف جر (حيث) اسم مبني على الضم في محل جر متعلق ب (يأتيهم)، (لا يشعرون) مثل لا تعلمون «[75]».
روائع البيان والتفسير:
﴿ أَفَأَمِنَ الَذِينَ مَكَرُوا السَيِئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾:
قال القرطبي رحمه الله في تفسيرها: قوله تعالى: ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾؛ أي: بالسيئات، وهذا وعيد للمشركين الذين احتالوا في إبطال الإسلام، ﴿ أن يخسف الله بهم الأرض ﴾، قال ابن عباس: كما خسف بقارون، يقال: خسف المكان يخسف خسوفًا: ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسوفًا؛ أي: غاب به فيها، ومنه قوله: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾ [القصص: 81]، وخسف هو في الأرض وخسف به، والاستفهام بمعنى الإنكار؛ أي: يجب ألا يأمنوا عقوبة تلحقهم كما لحقت المكذبين، ﴿ أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾، كما فعل بقوم لوط وغيرهم، وقيل: يريد يوم بدر، فإنهم أهلكوا ذلك اليوم، ولم يكن شيء منه في حسابهم؛ اهـ [76].
وأضاف ابن كثير رحمه الله في بيانها إجمالًا ما مختصره: يخبر تعالى عن حلمه وإمهاله وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها، مع قدرته على ﴿ أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾؛ أي: من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم؛ كما قال تعالى: أأمنتم ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ [الملك: 16، 17]؛ ا هـ [77].
﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ [النحل: 46]:
إعراب مفردات الآية [78]:
(أو) مثل الأول (يأخذهم) مثل يأتيهم (في تقلبهم) جار ومجرور متعلق بحال من المفعول؛ أي: متلبسين في تقلبهم (الفاء) تعليلية (ما) نافية عاملة عمل ليس (هم) ضمير منفصل مبني في محل رفع اسم ما (الباء) حرف جر زائد (معجزين) مجرور لفظًا منصوب محلًّا خبر ما، وعلامة الجر الياء.
روائع البيان والتفسير:
﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾:
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها ما نصه: وقوله ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾؛ أي: في تقلبهم في المعايش واشتغالهم بها، من أسفار ونحوها من الأشغال الملهية، قال قتادة والسدي: ﴿ تقلبهم ﴾؛ أي: أسفارهم، وقال مجاهد، والضحاك: ﴿ في تقلبهم ﴾ في الليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ [الأعراف: 97، 98]، وقوله ﴿ فما هم بمعجزين ﴾؛ أي: لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه؛ اهـ[79].
﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 47]:
إعراب مفردات الآية [80]:
(أو يأخذهم على تخوف) مثل أو يأخذهم في تقلبهم (الفاء) تعليلية (إن) حرف توكيد ونصب (ربكم) اسم إن منصوب.. و(كم) ضمير مضاف إليه (اللام) المزحلقة للتوكيد (رؤف) خبر إن مرفوع (رحيم) خبر ثان مرفوع.
روائع البيان والتفسير:
﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُفٍ فَإِنَ رَبَكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾:
قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾؛ أي: أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد حالة الأخذ؛ فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد؛ ولهذا قال العوفي عن ابن عباس: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾؛ يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوُّفه بذلك، وكذا روي عن مجاهد، والضحاك، وقتادة وغيرهم، ذكره ابن كثير رحمه الله في تفسيره؛ اهـ.
وأضاف السعدي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ فَإِنَ رَبَكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾، فقال بتصرف يسير: لا يعاجل العاصين بالعقوبة، بل يمهلهم ويعافيهم ويرزقهم، وهم يؤذونه ويؤذون أولياءه، ومع هذا يفتح لهم أبواب التوبة، ويدعوهم إلى الإقلاع من السيئات التي تضرهم، ويعدهم بذلك أفضل الكرامات، ومغفرة ما صدر منهم من الذنوب، فليستحي المجرم من ربه أن تكون نعم الله عليه نازلة في جميع اللحظات ومعاصيه صاعدة إلى ربه في كل الأوقات، وليعلم أن الله يمهل ولا يهمل، وأنه إذا أخذ العاصي أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليتب إليه، وليرجع في جميع أموره إليه فإنه رؤوف رحيم، فالبدار البدار إلى رحمته الواسعة وبره العميم، وسلوك الطرق الموصلة إلى فضل الرب الرحيم، ألا وهي تقواه والعمل بما يحبه ويرضاه؛ اهـ[81].
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ [النحل: 48]:
إعراب مفردات الآية [82]:
(الهمزة) للاستفهام التوبيخي (الواو) استئنافية (لم) حرف نفي وجزم (يروا) مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون.. و(الواو) فاعل (إلى) حرف جر (ما) اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ(يروا) بتضمينه معنى ينظروا (خلق) فعل ماض (الله) لفظ الجلالة فاعل مرفوع (من شيء) جار ومجرور حال «[83]» من العائد المحذوف (يتفيأ) مضارع مرفوع (ظلاله) فاعل مرفوع.. و(الهاء) مضاف إليه (عن اليمين) جار ومجرور متعلق بـ(يتفيأ) «[84]»، (الواو) عاطفة (الشمائل) معطوف على اليمين مجرور (سجدًّا) حال من الظلال منصوبة (لله) جار ومجرور متعلق بـ(سجدًّا) (الواو) حالية (هم) ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، ويعود على الظلال وقد نزلت منزلة العقلاء (داخرون) خبر مرفوع، وعلامة الرفع الواو.
يتبع