عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 16-07-2019, 11:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,412
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير سورة النحل: من الآية 30 – 50

تفسير سورة النحل: من الآية 30 – 50
سيد مبارك





روائع البيان والتفسير:

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾ [النحل: 36].

قال أبو جعفر الطبري رحمه الله في بيانها: قول تعالى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس في كل أمة سلفت قبلكم رسولًا كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة، (وَاجْتَنِبُوا الطَاغُوتَ)، يقول: وابعدوا من الشيطان، واحذروا أن يغويكم، ويصدكم عن سبيل الله، فتضلوا، (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَهُ) يقول: فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله، فوفَقه لتصديق رسله، والقبول منها، والإيمان بالله، والعمل بطاعته، ففاز وأفلح، ونجا من عذاب الله، (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَلالَةُ) يقول: وممن بعثنا رسلنا إليه من الأمم آخرون حقَّت عليهم الضلالة، فجاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله وكذبوا رسله، واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم الله بعقابه، وأنزل عليهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين؛ ا هـ[35].



وأضاف ابن كثير رحمه الله في بيانه لقوله تعالى: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، فقال: فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك، منذ حدث الشرك في بني آدم، في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ [الزخرف: 45]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 35]... فلا حجة لهم فيها؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة، ثم إنه تعالى قد أخبر أنه عيَّر عليهم، وأنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل؛ اهـ [36].



﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِبِينَ ﴾:

قال السعدي رحمه الله في بيانه لهذه الجزئية من الآية: ﴿ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ ﴾ بأبدانكم وقلوبكم، ﴿فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِبِينَ﴾، فإنكم سترون من ذلك العجائب، فلا تجدون مكذبًا إلا كان عاقبته الهلاك؛ اهـ [37].



﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [النحل: 37]:

إعراب مفردات الآية [38]:

(إن) حرف شرط جازم، (تحرص) مضارع مجزوم فعل الشرط، والفاعل أنت (على هداهم) جار ومجرور متعلق بـ(تحرص)، وعلامة الجر الكسرة المقدرة على الألف..، و(هم) مضاف إليه، (الفاء) تعليلية، (إن) حرف مشبه بالفعل، (الله) لفظ الجلالة اسم إن منصوب، (لا) نافية، (يهدي) مضارع مرفوع وعلامة الرفع الضمة المقدرة على الياء..، والفاعل هو (من) اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به، والعائد محذوف؛ أي: يضله، (يضل) مضارع مرفوع والفاعل هو أي الله، (الواو) عاطفة، (ما) نافية، (اللام) حرف جر، (هم) ضمير في محل جر متعلق بخبر مقدم (من) حرف جر زائد، (ناصرين) مجرور لفظًا مرفوع محلًّا مبتدأ مؤخر.



روائع البيان والتفسير:

﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَ اللَهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾:

قال السعدي رحمه الله في بيانها إجمالًا: ﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ ﴾ وتبذل جهدك في ذلك، ﴿ فَإِنَ اللَهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ ﴾، ولو فعل كل سبب لم يهده إلا الله؛ ا هـ [39].



وأضاف ابن كثير في بيانها رحمه الله: فقوله: ﴿ فإن الله ﴾؛ أي: شأنه وأمره أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلهذا قال: ﴿ لا يهدي من يضل ﴾؛ أي: من أضله فمن الذي يهديه من بعد الله؟ أي: لا أحد، ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾؛ أي: ينقذونهم من عذابه ووثاقه، ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 54]؛ ا.هـ[40].



﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 38].

إعراب مفردات الآية [41]:

(الواو) استئنافية «[42]»، (أقسموا) فعل ماض وفاعله، (بالله) جار ومجرور متعلق بـ(أقسموا)، (جهد) مفعول مطلق نائب عن المصدر، فهو مبيِّن لنوعه، (أيمانهم) مضاف إليه مجرور، و(هم) ضمير مضاف إليه (لا) نافية، (يبعث) مضارع مرفوع، (الله) فاعل مرفوع، (من) اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به، (يموت) مثل يبعث، والفاعل هو وهو العائد، (بلى) حرف جواب لإيجاب المنفي؛ أي: بلى يبعثهم، (وعدا) مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: وعد ذلك وعدًا، (على) حرف جر، و(الهاء) ضمير في محل جر متعلق بـ(وعدًا)، (حقًّا) مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي: حقَّ حقًّا«[43]»، (الواو) عاطفة، (لكن) حرف استدراك ونصب، (أكثر) اسم لكن منصوب (الناس) مضاف إليه مجرور، (لا) نافية (يعلمون) مضارع مرفوع وعلامة الرفع ثبوت النون، و(الواو) فاعل.




روائع البيان والتفسير:

﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًا وَلَكِنَ أَكْثَرَ النَاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾:

قال السعدي رحمه الله في بيانها: خبر تعالى عن المشركين المكذبين لرسوله أنهم ﴿ أَقْسَمُوا بِاللَهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾؛ أي: حلفوا أيمانًا مؤكدة مغلظة على تكذيب الله، وأن الله لا يبعث الأموات، ولا يقدر على إحيائهم بعد أن كانوا ترابًا؛ قال تعالى مكذبا لهم: ﴿ بَلَى ﴾ سيبعثهم ويجمعهم ليوم لا ريب فيه ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًا ﴾ لا يخلفه ولا يغيره، ﴿ وَلَكِنَ أَكْثَرَ النَاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾، ومن جهلهم العظيم إنكارهم للبعث والجزاء؛ اهـ [44].



وأضاف القرطبي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ فقال: إنهم مبعوثون، وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا وأنا الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد «[45]»؛ ا هـ[46].




﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ﴾ [النحل: 39]:

إعراب مفردات الآية [47]:

(اللام) للتعليل، (يبين) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل هو أي الله، (اللام) حرف جر، و(هم) ضمير في محل جر متعلق بـ(يبين)، (الذي) اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به، (يختلفون) مضارع مثل يعلمون، (في) حرف جر، و(الهاء) ضمير في محل جر متعلق بـ(يختلفون).



والمصدر المؤول (أن يبين) في محل جر باللام متعلق بفعل يبعثهم المقدر.

(الواو) عاطفة، (ليعلم) مثل ليبين، (الذين) موصول فاعل، (كفروا) مثل أقسموا، (أنهم) حرف توكيد ونصب، و(هم) ضمير في محل اسم أن (كانوا) فعل ماض ناقص ناسخ، و(الواو) اسم كان (كاذبين) خبر كانوا منصوب وعلامة النصب الياء.



والمصدر المؤول (أن يعلم..) في محل جر باللام متعلق بفعل يبعثهم المقدر، فهو معطوف على المصدر المؤول الأول، والمصدر المؤول (أنهم كانوا... ) في محل نصب سد مسد مفعولي يعلم.



روائع البيان والتفسير:

﴿ لِيُبَيِنَ لَهُمُ الَذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَذِينَ كَفَرُوا أَنَهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ﴾:

فسَّرها ابن كثير رحمه الله إجمالًا، فقال: ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد، فقال: ﴿ ليبين لهم ﴾؛ أي: للناس ﴿ الذي يختلفون فيه ﴾؛ أي: من كل شيء، و﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم: 31]، ﴿ وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ﴾؛ أي: في أيمانهم وأقسامهم: لا يبعث الله من يموت؛ ولهذا يدعون يوم القيامة إلى نار جهنم دعًّا، وتقول لهم الزبانية: ﴿ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الطور: 14- 16]؛ ا هـ [48].



﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 40]:

إعراب مفردات الآية [49]:

(إنما) كافة ومكفوفة، (قولنا) مبتدأ مرفوع.. و(نا) ضمير مضاف إليه (لشيء) جار ومجرور متعلق بقولنا (إذا) ظرف للزمن المستقبل مجرد من الشرط متعلق ب (قولنا) (أردناه) فعل ماض وفاعله، و(الهاء) مفعول به (أن) حرف مصدري ونصب (نقول) مضارع منصوب، والفاعل نحن (اللام) حرف جر و(الهاء) ضمير في محل جر متعلق ب (نقول)، (كن) فعل أمر تام، والفاعل أنت (الفاء) استئنافية (يكون) مضارع تام مرفوع، والفاعل هو، والمصدر المؤول (أن نقول) في محل رفع خبر المبتدأ قولنا..



روائع البيان والتفسير:

﴿ إِنَمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾:

قال ابن كثير رحمه الله في بيانها ما مختصره: أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: "كن"، فيكون، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء؛ كما قال: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾ [القمر: 50]، وقال: ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ [لقمان: 28]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 40]؛ أي: أن يأمر به دفعة واحدة فإذا هو كائن، ثم أضاف رحمه الله: قوله ﴿ فيكون ﴾، أي: إنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف؛ لأنه هو الواحد القهار العظيم، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء، فلا إله إلا هو ولا رب سواه؛ ا.هـ[50].



وذكر القرطبي رحمه الله في بيانها فائدة، فقال ما مختصره وبتصرف يسير: أعلمهم سهولة الخلق عليه؛ أي: إذا أردنا أن نبعث من يموت، فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائهم، ولا في غير ذلك مما نحدثه؛ لأنا إنما نقول له كن فيكون، وفي الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه لو كان قوله: "كن" مخلوقًا، لاحتاج إلى قول ثان، والثاني إلى ثالث وتسلسل وكان محالًا، وفيها دليل على أن الله سبحانه مريد لجميع الحوادث كلها خيرها وشرها نفعها وضرها، والدليل على ذلك أن من يرى في سلطانه ما يكرهه ولا يريده فلأحد شيئين: إما لكونه جاهلًا لا يدري، وإما لكونه مغلوبًا لا يطيق، ولا يجوز ذلك في وصفه سبحانه، وقد قام الدليل على أنه خالق لاكتساب العباد، ويستحيل أن يكون فاعلًا لشيء وهو غير مريد له؛ لأن أكثر أفعالنا يحصل على خلاف مقصودنا وإرادتنا، فلو لم يكن الحق سبحانه مريدًا لها لكانت تلك الأفعال تحصل من غير قصد، وهذا قول الطبيعيين، وقد أجمع الموحدون على خلافه وفساده؛ اهـ[51].



﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 41].

إعراب مفردات الآية [52]:

(الواو) استئنافية (الذين) اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ»، (هاجروا) فعل ماض وفاعله (في الله) جار ومجرور متعلق بـ(هاجروا) على حذف مضاف؛ أي في سبيل الله، أو في إعلاء كلمة الله (من) بعد جار ومجرور متعلق بـ(هاجروا)، (ما) حرف مصدري (ظلموا) فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم.. و(الواو) نائب الفاعل (اللام) لام القسم لقسم مقدر (نبوئنهم) مضارع مبني على الفتح في محل رفع.. و(النون) نون التوكيد، و(هم) ضمير مفعول به، والفاعل نحن (في الدنيا) جار ومجرور متعلق بـ(نبوئن)، وعلامة الجر الكسرة المقدرة (حسنة) مفعول به ثان منصوب بتضمين الفعل معنى نعطين«[53]»، (الواو) عاطفة (اللام) لام الابتداء للتوكيد (أجر) مبتدأ مرفوع (الآخرة) مضاف إليه مجرور (أكبر) خبر مرفوع (لو) حرف شرط غير جازم (كانوا يعلمون) مثل كانوا يظلمون «[54]».



روائع البيان والتفسير:

﴿ وَالَذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾:

قال السعدي في بيانه لهذه الجزئية من الآية ما نصه: يخبر تعالى بفضل المؤمنين الممتحنين ﴿ الَذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَهِ ﴾؛ أي: في سبيله وابتغاء مرضاته، ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾ بالأذية والمحنة من قومهم، الذين يفتنونهم ليردوهم إلى الكفر والشرك، فتركوا الأوطان والخلان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن؛ ا هـ [55].



وأضاف ابن كثير رحمه الله: ويحتمل أن يكون سبب نزول هذه الآية الكريمة في مهاجرة الحبشة الذي اشتد أذى قومهم لهم بمكة، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة، ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم: عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية [56] بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول وأبو سلمة بن عبدالأسد [57] في جماعة قريب من ثمانين، ما بين رجل وامرأة، صديق وصديقة، رضي الله عنهم وأرضاهم؛ اهـ [58].



﴿ لَنُبَوِئَنَهُمْ فِي الدُنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾:

قال السعدي رحمه الله في بيانها: فذكر لهم ثوابين: ثوابًا عاجلًا في الدنيا من الرزق الواسع والعيش الهنيء الذي رأوه عيانًا بعد ما هاجروا، وانتصروا على أعدائهم، وافتتحوا البلدان وغنموا منها الغنائم العظيمة، فتمولوا وآتاهم الله في الدنيا حسنة ﴿ وَلأجْرُ الآخِرَةِ ﴾ الذي وعدهم الله على لسان رسوله ﴿ أَكْبَرُ ﴾ من أجر الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التوبة: 20، 22]، وقوله: ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾؛ أي: لو كان لهم علم ويقين بما عند الله من الأجر والثواب لمن آمن به وهاجر في سبيله لم يتخلف عن ذلك أحد؛ ا هـ [59].



وأضاف ابن كثير رحمه الله في بيانه لقوله تعالى: ﴿ لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر ﴾، فقال بتصرف يسير: وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة، فقال: قال ابن عباس والشعبي، وقتادة: المدينة، وقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد.



ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم، فعوضهم الله خيرًا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك وقع، فإنهم مكن الله لهم في البلاد وحكمهم على رقاب العباد، فصاروا أمراءَ حكامًا، وكل منهم للمتقين إماما، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: ﴿ ولأجر الآخرة أكبر ﴾؛ أي: مما أعطيناهم في الدنيا؛ ا هـ[60].



﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: 42]:

إعراب مفردات الآية [61]:

(الذين) موصول خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم (صبروا) مثل هاجروا «[62]»، (الواو) عاطفة (على ربهم) جار ومجرور متعلق بـ(يتوكلون)، و(هم) مضاف إليه (يتوكلون) مضارع مرفوع.. و(الواو) فاعل.


يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.72 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.09 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.71%)]