التورق وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي
د. محمد الجندي
والتطبيق الصحيح للتورق المصرفي يتطلب انفصالَ أجزائه عن بعضها البعض، وعدم اشتراط بعضها في بعض، فإذا اشترى العميل من البنك سلعةً بالأجل، فهو بالخيار؛ إن شاء باعها ليحصل على النقد، وإذا رغب في الاحتفاظ بملكيتها، أو قبضها، أو توكيل طرف آخر غير البنك، فيجب أن يكون كلُّ ذلك متاحًا له، كل ذلك يدلُّك على أن التواطؤ - الذي هو اشتراط عقد في عقد، أو إظهار عقد على غير حقيقته - غيرُ موجود في التورق المصرفي، في التطبيق الصحيح له.
المطلب الثاني: صيغ التورق المصرفي
تعتمد البنوك التي تتيح التورق لعملائها عدةَ صِيغٍ، تختلف اختلافاتٍ غيرَ جوهرية، وهي على الوصف الآتي[64]:
أ- الصيغة الأولى: صيغة الأمر بالشراء والمرابحة:
وصِفتُها أن ينتظر البنك الأمرَ من عميله بالشراء، فإذا أمره بشراء سلعةٍ معينة، ووعَده بشرائها منه مرابحةً، قام البنك بالشراء من السوق سلعة بالوصف والقدر المذكور في طلب العميل، ثم يبيعها بعد تمام تملكه لها (بالإيجاب والقبول والقبض الحكمي) إلى عميله بالآجل، بثمن يمثل ما قامت به السلعة، مضافًا إليه ربحٌ متَّفق عليه، ويكون الثمن مقسطًا، ثم يقوم العميل في حال رغبته في ذلك ببيعها إلى طرف ثالث - كما هو الحال في السيارات - أو بتوكيل البنك ببيعها في السوق إذا كانت سلعة تتداول في الأسواق الدولية، ثم توريد ثمنها في حسابه لدى البنك.
وتسير البنوك على صيغة الأمر بالشراء والمرابحة في العمليات الخاصة بتمويل الشركات، إلا أن بعضها يتبع الطريقة نفسها حتى في تمويل الأفراد[65].
ب- الصيغة الثانية: صيغة الشراء المسبق والبيع مرابحة:
وفيها يقوم البنك في أول كل أسبوع بشراء كمية - بالجملة - من سلعة معينة مخزونة في مستودع موثَّق بشهادات صادرة من الجهة المخوَّلة بذلك، ثم يقوم بعدَ تمام تملُّكه لها ببيع وحدات، أو كميات صغيرة من هذه السلعة لعملائه الذين يتقدمون بطلب الشراء منه خلالَ أيام الأسبوع، وهو يبيع إليهم مرابحةً بثمن مؤجل يتحدد بما قامت به السلعة على البنك، مضافًا إليه الربح المتفق عليه مع العميل، ثم يجري من العميل التوكيل للبنك بالبيع في السوق، وتوريد الثمن في حسابه.
ج- الصيغة الثالثة: صيغة البيع مساومة:
وهي تشبه الصيغة السابقة، عدا أن البيع يكون مساومةً لا مرابحةً، وفيها يقوم البنك في أول أيام الأسبوع بشراء كمية من السلع المخزونة في مستودع كما أسلفنا، وبعد أن تصبح ملكًا للبنك بالإيجاب والقبول الحكمي، يعرضها على عملائه، وهو يبيع إليهم وحداتٍ أو كمياتٍ صغيرةً منها بيعَ مساومةٍ؛ إذ لا يخبرهم بما قامت به السلعة عليه، وإنما يبيعها بثمن يضمن ربحه، ويكون ثمنًا مؤجلاً مقسطًا على مدة متفق عليها، ثم يجري من العميل التوكيل للبنك بالبيع إلى طرف ثالث في السوق، وتوريد الثمن في حسابه.
السلع التي تستخدمها البنوك في عملية التورق:
كل سلعة يجوز شراؤها تصلح للتورق، ولكن ليس الأمر كذلك في التورق المصرفي؛ فالسلع التي تصلح للتورق هي تلك التي تتمتَّع بالسيولة؛ أي: إن لها سوقًا كثيرةَ التداول، وتتسم باستقرار نسبي لسعرها في المدى القصير؛ لذلك فإن السلع التي استخدمتها البنوك وعملاؤها في التورق هي بصفة أساسية:
1- السيارات:
كان الناس يشترون السيارة من البنوك بالمرابحة، ثم يبيعونها في المزاد؛ ليحصلوا على ثمنها النقدي، ونظرًا إلى أن للسيارات أسواقًا فيها متعاملون كُثر، لم يكن عسيرًا على من اشترى السيارة أن يبيعها في وقت قصير، وبثمن نقدي لا يختلف كثيرًا عن ثمنها النقدي عند بائعها الأول، ولما كثرت عمليات التورق في السيارات، تخصص في تجارتها مؤسسات ومعارض للسيارات، تبيع وتشتري وتتوسط بين البنك وعملائه في ذلك، فصار للتورق سيارات تدور بين مشترٍ وآخر، ويجري تداولها عشرات المرات حتى تنتهي إلى من يشتريها؛ لأنه يريدها للاستعمال لا للتورق.
2- أسهم الشركات:
معلوم ما تتوافر عليه أسواق الأسهم من سيولة وسرعة في الإجراءات؛ ولذلك تستخدم البنوك هذه الأسواق مع عملائها لغرض التورق، فتبيع إلى عميلها أسهمًا بثمن مؤجل، ثم بعد استقرار ملكه عليها يبيعها في السوق ليحصل على ثمنها النقدي.
3- السلع الدولية:
يقصد بالسلع الدولية المواد الأولية الأساسية، مثل: النحاس والحديد والألمنيوم ونحو ذلك، التي يكون لها بورصات عالمية، يجري فيها تداول كميات السلع المخزونة في مستودعات تصدر شهادة مخزون.
مستودعات السلع حلقة مهمة في عمليات إنتاج السلع في الدول الغربية وتسويقها، وهي تنهض بدور مهم في توفير السيولة للمنتجين، وأكثرُ عمليات التورق اليومَ في السلع الدولية؛ لما تتميز به من سيولة وسهولة في الإجراءات.
4- السلع المحلية:
وتسعى بعض البنوك إلى تطوير عمليات في السلع المحلية التي تتوافر على الصفات المذكورة - كما سبق بيانه - مثل وجود أسواق نشطة، واستقرار نسبي في الأسعار، ونحو ذلك، ومن هذه السلع التي تتَّجه البنوك المحلية إلى استخدامها في التورق محليًّا: الأسمنت، وزيوت الطعام، والمشروبات الغازية، ومنتجات البلاستيك الخام.
ولا تختلف السلع المحلية عن الدولية إلا بوجود نظام المستودعات الذي سبق الإشارة إليه، وإن كانت تتميز عليها في أن تكاليف قبض السلعة والاحتفاظَ بملكيتها أقلُّ أو أيسرُ من السلع الدولية.
صيغة البيع وصفة القبض في عمليات التورق:
السلع التي هي محل البيع في التورق تكون مخزونةً في مستودعات عامة، ليست تابعة للبنك، وفي كثير من الأحيان في أماكن بعيدة عن مقرِّ ذلك البنك، وقد ذكرنا في مكان آخر طريقةَ عمل هذه المستودعات، والبيع الذي يُجريه البنك هو بيع موصوفٍ غائب، ولكنه موجود، فليس موصوفًا في الذمة، والبيع فيه إنما يكون على الصفة، وجمهور الفقهاء على جواز بيع الغائب على الصفة[66]، ويكون المشتري بالخيار إذا جاء المبيع على غير الوصف[67]، وعندما يشتري البنك السلعة في بورصة السلع، فإنها تكون موثقة بشهادة صادرة عن صاحب المستودع، وتتضمن هذه الشهادة وصف السلعة، وتحديد وزنها وكميتها، ونحو ذلك مما له أهمية في الثمن، وفي كثير من الأحيان يكون لوحداتها أرقام تسلسلية، وعلى ذلك يكون انتقال الملك فيها من البائع إلى البنك بالإيجاب والقبول الناقل للملك، والقبض فيها قبضٌ حكميٌّ؛ إذ يتحقق بقبض البنك لتلك الشهادات التي تجعلُ من حاملها مالكًا للسلع التي تمثلها، وتخوله التصرف بالمعدِن المبيع المعيَّن فيها تصرفَ الملاَّك، ثم البنك يبيع إلى عميله بيعًا على الصفة مشروطًا بمكان التسليم، فإذا كان المعدِن موجودًا في سنغافورة، اشترط عليه التسليم في ذلك المكان، وكلُّ ذلك جائز لا بأس به[68].
لا تبيع البنوك إلى عميلها السلع إلا بعد حصول الملك لها بالشراء من السوق، وتوثيق ذلك بالطريق المعتاد في أسواق السلع، وحصول الإيجابِ والقبول والقبض الحكميِّ المتمثل في قبض الشهادات.
إن الخلاف في مسألة القبض معروف لا يحتاج إلى بسط هنا، والتطبيقات المصرفية للتورق تأخذ بالرأي القائل بالقبض الحكمي؛ أي: انتقال الضمان بمجرد العقد إذا تعينت السلعة محل البيع.
وقال الدمنهوري في "الفتح الرباني" عن الإمام أحمد: "والمبيع المعين يدخل في ضمان المشتري بمجرد العقد وإن لم يقبضه"، وقال: "والمبيع المعين يجوز التصرف فيه قبل القبض"[69].
وقد ورد مثل ذلك في "مسائل الإمام أحمد وإسحاق" للكَوْسَج[70]، قال إسحاق: رجل اشتري دابة ولم يرَها، فضاعتْ أو ماتت قبل أن تُدفع إليه، فعلى مَن الضمان؟ قال: الضمان على المشتري؛ لأن ما كان من الحيوان والعروض، وكل شيء لا يُكال ولا يُوزن، فهلَك قبل أن يقبضَه المشتري، فهو من مال المشتري، وذلك أن له أن يبيع ما أراد من ذلك قبل قبضه"، والمقصود هو العين، فإذا تعيَّن المبيع انتقل الضمان بمجرد العقد.
وفي "الكافي" لابن قدامة":وعن أحمد، أن المنع من البيع قبل القبض يخص المطعوم؛ لاختصاص الحديث به، وما ليس بمطعوم من المكيلات والموزونات يجوز بيعُه قبل القبض، وعنه أن المنع يختص بما ليس بمتعيَّن، كقفيز من صبرة، ورطل زيت من دَنٍّ، وما بيع صبرة أو جزافًا جاز بيعه قبل قبضه، وهو قول القاضي وأصحابه"، ثم قال: "وهو المذهب"[71].
وقال الونشريسي في "عدة البروق": "وإنما لا ينتقل الضمان إلى المشتري في المكيلات والموزونات إلا بالكيل والوزن، وينتقل في غيرها بالعقد الصحيح؛ لأن المبيع إذا كان مكيلاً أو موزونًا لا يتميز عن ملك البائع إلا بالكيل والوزن، ولا يعلم مبلغ ما باع، بخلاف العبد والثوب مثلاً، فإنهما يتميزان بذاتيهما وإبرامهما"[72].
وقد سئل ابن تيمية - رحمه الله - في "الفتاوى" عن امرأة لها ملك غائب عنها، ولم تره، وعلمته بالصفة، ثم باعته لمن رآه، فهل يصح هذا البيع؟ فأجاب: "الحمد لله، إذا علمتْه بالصفة صح بيعُها"[73].
والسلع التي هي محل البيع في التطبيق الصحيح للتورق المصرفي، يجري اختيارها من صنف السلع القابلة للتعيين على صفة سبائك[74]، ذات أرقام تسلسلية أو نحو ذلك، وقد ذكر المرداوي - رحمه الله - في "الإنصاف" أن الضابط في مسألة ما يجوز بيعه قبل القبض هو التعيين[75]، فغيرُ المتعين يتعلق به حقُّ تَوْفِيَةٍ، كـ: بعتُك هذا القطيعَ كلّ شاة بدرهم، مثل ذلك لا يجوز بيعهُ قبل قبضه، أما المتعين فيجوز التصرف فيه قبل القبض.
والبنوك في التورق تبيع السلع على الوصف، لكنها قابلة للتعيين بحكم كونها ذاتَ أرقام متسلسلة، وتصدر بها شهادات مخزون موثقة من جهات حكومية، ونحو ذلك.
وكالة البنك عن العميل في التورق المصرفي:
قامت صيغ التطبيق المصرفي للتورق على توكيل العميل، الذي اشترى سلعة بالآجل من البنك، يقوم ببيعها نيابةً عنها إلى طرف ثالث، ويقوم بتوريد ثمنها في حسابه.
الوكالة جائزة، ويمكن أن تكون الوكالة خاصة، كما يمكن أن تكون عامة، ولا تخرج الوكالة المذكورة بصفة عامة عن معنى الوكالة المعروف، وعن صيغتها المجمع على جوازها، لكنَّ في هذه الوكالة جديدًا، وهو أنها جزء من منظومة من الإجراءات غرضُها التورق[76].
وقد اختلف التطبيق المصرفي من ناحية توكيل البنك على طريقتين:
الأولى: وفيها ينص على أن العميل بالخيار، إن شاء وكَّل البنك، وإن شاء قبض السلعة بنفسه في مكان التسليم المشروط في العقد، وإن شاء وكّل طرفًا آخر، وإذا رغب احتفظ بها بدون بيع، وعند ذلك عليه دفعُ مصاريف المستودع، وينص على هذه الخيارات بوضوح تامٍّ في استمارة الطلب، وفي عقد البيع الذي يبرمه البنك مع العميل، ولا يقوم العميل بتوكيل البنك إذا كانت تلك رغبته، إلا بعد تمام البيع عليه، عندئذٍ يقوم بتوقيع الوكالة المذكورة، وهي وكالة بلا أجرٍ، مقتضاها قيامُ البنك - نيابةً عنه - ببيع السلعة إلى طرف ثالث غيرِ مَن اشتراها منه، وقبضِ ثمنها ثم توريدِه في حسابه.
والثانية: قبول التوكيل منه عند تقديمه طلبَ الشراء، وقبلَ حصول الملك له، فتكون الوكالةُ هي "على اعتبار ما سيقع" من بيع وتملك للسلعة في المستقبل، فهي وكالة معلقة على أمر سيقع في المستقبل، وهو شراء السلعة من البنك، والغرض من استعجال الوكيل تقصيرُ الإجراءات، والتأكدُ من أن منظومة الإجراءات المعتمدة تسير على الطريقة المخطط لها، ولا يستبعد أن العميل الذي يرفض توكيل البنك لن يجاب طلبه إلى الشراء.
قرار المجمع الفقهي الإسلامي بشأن التورق المصرفي:
اتَّخذ المجمع الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي قرارًا في دورته السابعةَ عشرةَ، المنعقدةِ في الفترة 19 - 23 / 10 / 1424هـ، الموافق 13 - 17 / 12 / 2003م في مكة المكرمة بشأن التورق المصرفي[77].
وقد كان المجمع قد اتخذ قرارًا في دورته الخامسة عشرة، المنعقدة بتاريخ 11 رجب 1419هـ، الموافق 31 / 10 / 1998م في مكة المكرمة بشأن التورق، انتهى فيه إلى القول بجواز التورق[78].
وقد اعتمدت التطبيقات المصرفية على قرار المجمع في دورته الخامسة عشرة، إلا أن المجمع في دورته السابعة عشرة، المنعقدة في الفترة 19 - 23 / 10 / 1424هـ، الموافق 13 - 17 / 12 / 2003م في مكة المكرمة، قد أوضح أن قراره السابق اشترط لصحة التورق أن يكون بمعاملات حقيقية وشروط محددة، ثم أضاف: "فالتورق الحقيقي يقوم على شراء حقيقي لسلعة بثمن آجل، تدخل في ملك المشتري، ويقبضها قبضًا حقيقيًّا، وتقع في ضمانه"، وعلى هذا ملاحظات، منها:
أ- أن القرار المشار إليه في الدورة الخامسة عشرة بشأن التورق، لم ينصَّ على مثل هذه الشروط.
ب- سبق للمجمع الفقهي الإسلامي أن اتخذ قراره ذا الرقم 7 في الدورة الحادية عشرة، المنعقدة في رجب 1409هـ/ فبراير 1989م، بشأن الصرف، ونصَّ فيه على ما يلي:
"يعد القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدالَ عملةٍ بعملة يعطيها الشخص للمصرف، أو بعمله مودعة فيه"، فالقيد في الحساب قبض حكمي كافٍ لصحة المصارفة، مع أن النصوص القطعية عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - تشترط أن يكون يدًا بيد، بينما أن شراء السلع في التورق لا يصح إلا بالقبض الحقيقي، والحال أن أكثر الفقهاء يكتفون بالقبض الحكمي للسلع عدا الطعام، والتطبيقات المصرفية للتورق تأخذ بالرأي القائل بالقبض الحكمي؛ أي: انتقال الضمان بمجرد العقد إذا تعينت السلعة محل البيع.
المطلب الثالث: استنباط الحكم الشرعي للتورق المصرفي
للتعرف على الحكم الشرعي للتورق المصرفي المنظم، الذي عرضنا حقيقته وخصائصه، يجب مراعاةُ المبادئ الآتية:
المبدأ الأول:
التورق المصرفي المنظم، معاملة جديدة مستحدثة؛ ولهذا فإنه يخضع في تكوينه - العاقدان، والصيغة، والمحل، وآثاره - إلى القواعد الشرعية العامة في التعاقد، وبمراعاتها يعتبر صحيحًا لازمًا ويجب الوفاء بمقتضياته، ما لم يخالفْ دليلاً شرعيًّا معتبرًا؛ لعموم قوله - تعالى -: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ï´¾ [المائدة: 1]؛ إذ للناس في مجال المعاملات المالية - التي تتوقف عليها معايشهم، وتتوفر بها مصالحهم - أن يستحدثوا من العقود - في حدود المبادئ الشرعية وأصولها - ما تدعو إليه حاجاتُهم، وتحْملُهم عليه مصالحهم، دون أن يَلحقَهم حرجٌ بهذا الاستحداث؛ لأن العقود ما شُرعت إلا لتكون وسيلة لسد الحاجات، وسبيلاً إلى تحقيق المصالح[79].
المبدأ الثاني:
من المقرر شرعًا أن تعامُل الناس بعقد أو معاملة، على صورة معينة تقليدية جرى بها العرف - لا يصلح وحدَه دليلاً على أن أيَّ خروج عن صورته المألوفة، أو أيَّ خلاف لوضعه - محظورٌ شرعًا؛ لأنه إذا كان من شروطه ما أوجب الشارع مراعاتَه، ووقع الخروج أو الخلاف في هذا النوع من الشروط، فإن حظْر الشارع للانحراف عنه حينئذٍ مردُّه لمخالفة ما أوجب الشارع مراعاته، وألزم الناس باتباعه.
أما إذا كان الخلاف فيما لم يرد فيه إيجاب، ولا إلزام شرعي للناس باتباعه، وإنما كانت مراعاته في التعامل والتمسك به بحكم العادة وعُرف الناس فيه، وقد سكت الشارعُ عن حُكم مخالفته، فإن الخلاف حينئذٍ يكون انحرافًا عن أمرٍ سكت عنه الشارع، ولم يبيِّن حكم مخالفته، والحكمُ في مثله الإباحة؛ تطبيقًا لمبدأ الإباحة الأصلية فيما سكت عنه الشارع[80].
وعلى ذلك؛ لا حرج شرعًا - من حيث المبدأ - في تطوير التورق الفردي غير المنظم، إلى تورق مصرفي منظم، يحقق الغرض المنشود منه بتكلفة أقل، وبدون مشقة وعناء؛ فالشريعةُ - كما قال ابن تيمية -: جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرَيْنِ إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا، ودفع شرِّ الشرَّين إذا لم يندفعا جميعًا"[81].
المبدأ الثالث:
يجب أن يراعى في التورق المصرفي المنظم الضوابطُ الشرعية العامة للجمع بين العقود والوعود في معاملة واحدة، يجري التواطؤ بين طرفيها على إبرامها على نسق محدد، متتابع الأجزاء، متلاحق المراحل، وفقًا لشروط تحكمها كصفة واحدة لا تقبل التفكيك والتجزئة، تهدف إلى أداء وظيفة واحدة، وبلوغ غرض معين، اتجهت إرادة العاقدين وقصدُهما إلى تحقيقه، وهي خمسة[82]:
الضابط الأول:
ألاَّ يكون الجمع محلَّ نهيٍ في نص شرعي، كالجمع بين بيع وسَلَف[83]، والجمع بين بيعتين في بيعة[84]، وصفقتين في صفقة[85].
الضابط الثاني:
ألاَّ يكون الجمع حيلة ربوية، وذلك كما في التواطؤ على العينة، أو عكسها، أو على الحيلة إلى ربا الفضل.
الضابط الثالث:
ألاَّ يكون ذريعةً إلى الربا، وذلك كما في الجمع بين البيع والقرض، أو التواطؤ على دفع المقترض للمقرض هدية أو زيادة على مقدار القرض.
الضابط الرابع:
ألاَّ يكون الجمع بين عقدين فأكثر بينهما تناقض أو تضادٌّ في الموجبات والأحكام، كالجمع بين صرف دراهم بدنانير وإقراض تلك الدنانير لبائعها، وكما في الجمع بين صرف وجعالة ببدل واحد، أو بين سَلَمٍ وجعالة ببدل واحد[86].
الضابط الخامس:
أن يكون كل جزء من أجزاء المعاملة - أي: العقود، والوعود، والشروط - صحيحًا مشروعًا بمفرده؛ وذلك لأن الأصل الشرعي هو جواز اجتماع العقود والوعود المختلفة في معاملة واحدة، إذا كان كل واحد منها جائزًا بمفرده، ما لم يكن هناك دليلٌ شرعيٌّ حاظر، فعندئذٍ يمتنع بخصوصه استثناء؛ إذ الأصل قياس المجموع على آحاده، فحيث انطوت المعاملة (الصفقة) على عدة عقود ووعود، كلُّ واحد منها جائزٌ بمفرده، فإنه يحكم على المجموع بالجواز، وعلى ذلك نصَّ جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة في مواطنَ عديدة، منها:
أ- قول الكاساني في معرض استدلاله على جواز شركة المفاوضة: "ولأنها مشتملة على أمرين جائزين، وهما الوكالة والكفالة؛ لأن كل واحدة منهما جائزة حالَ الانفراد، وكذا حالة الاجتماع"[87].
ب- ما جاء في "المقنع" وشرحه "المبدع": "وإن جمعا بين شركة العنان والأبدان والوجوه والمضاربة، صح؛ لأن كل واحد منها يصح منفردًا، فصح مع غيره"[88].
ج- وقول ابن القيم الجوزية: "لا محذور في الجمع بين عقدين، كل منهما جائز بمفرده، كما لو باعه سلعة وأجَّره داره شهرًا بمائة درهم"[89].
د- وما جاء في "أسنى المطالب": "فصل: وإذا جمع في صفقة بين عقدين مختلفي الحكم، كبيع وإجارة، أو بيع وسَلَم، أو بيع ونكاح، صحَّ كل منهما؛ لصحته منفردًا، فلا يضرُّ الجمع، ولا أَثَرَ لاختلاف الحكم في ذلك... وتقييدُهم العقدَين باختلاف حكمهما لبيان محل الخلاف، فلو جمع بين متفقين، كشركة وقراض، كَأَنْ خلَط ألفين له بألف لغيره، وقال: شاركتك في أحدهما، وقارضتك على الآخر، فقبل، صحَّ جزمًا؛ لرجوعهما إلى الإذن في التصرُّف"[90].
المبدأ الرابع:
يعتبر التواطؤ المسبق بين المصرف والعميل على إبرام اتفاقية التورق المصرفي المنظم، بعقودها ووعودها الجائزة شرعًا - ملزمًا للطرفين؛ لأن المواطأة - في حقيقتها - اتِّفاق بين طرفين على إجراء عقود، وإنجاز وعود، فيما يستقبل من الزمان، وهذا الاتفاق يعتبر بمثابة الشرط المتقدم على العقد، في القوة الملزمة، والأحكام المترتبة؛ ولأن الشرط المتقدم كالمقارن في الصحة ووجوب الوفاء، على الأرجح من أقاويل الفقهاء، ما دام أن العقد قد اعتمد عليه وابتنى، واتفقت إرادة العاقدين على الالتزام به؛ اعتبارًا لجريان العرف التجاري والمصرفي على كون المواطأة المتقدمة على المنظومات العقدية المستحدثةِ واجبةَ المراعاة، وملزمة للطرفين؛ نظرًا لقيام المعاملة وابتنائها على نظام مترابط الأجزاء، صُمِّم ووُضع لأداء وظيفة محددة باجتماع ذلك المزيج من العقود والوعود في صفقة واحدة، حيث إن ذلك العرف غير مصادم لنص شرعي، وعلى ذلك فإنه يحكم شرعًا بلزوم مراعاته[91].
المبدأ الخامس:
وجوب التفرقة بين الحيل الباطلة المذمومة، التي تقوم على التوسل بالعقود والتصرفات المشروعة إلى مقصود محرَّم خبيث، وذلك بأن يظهر المرء تصرُّفًا أو عقدًا مباحًا يريد به محرمًا، مخادعةً وتوسلاً إلى فعل ما حرَّم الله واستباحة محظوراته، وبين المخارج الشرعية المحمودة، التي تقوم على التوسل بالعقود والتصرفات الجائزة إلى مقصود حَسَنٍ مشروع؛ بغية الخروج من الضيق والحرج والوقوع في المأثم، والوصول إلى فعل ما أحلَّ الله، وترك ما نهى عنه[92]، وقد نبَّه إلى ذلك الشاطبيُّ بقوله: "الحيل التي تقدم إبطالُها، وذمَّها النبي، منها ما هدم أصلاً شرعيًّا أو ناقَض مصلحةً شرعية، فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلاً شرعيًّا، ولا تنقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها، فغير داخلة في النهي، ولا هي باطلة"[93]، وقال محمد الطاهر بن عاشور: "التحيل - أي: المذموم شرعًا - ما كان المنع منه شرعيًّا، والمانع الشارع، أما السعي إلى عمل مأذون بصورة غير صورته، أو بإيجاد وسائله، فليس تحيلاً، ولكنه يسمى تدبيرًا، أو حرصًا، أو ورعًا"[94].
ومعيار التفرقة بين النوعين مبنيٌّ على النظر إلى مآلات الأفعال، والتعديل على مقاصد التصرفات وأغراض المكلفين منها، فما كان منها مشروعَ المآل، موافقًا لمقاصد الشارع في أحكامه، كان حلالاً طيبًا، وما كان منها محظورَ المآل، أو مناقضًا لمقاصد الشريعة، كان محظورًا خبيثًا، وفي ذلك يقول ابن القيم: "فالحيلة معتبرة بالأمر المحتال بها عليه، إطلاقًا ومنعًا، ومصلحةً ومفسدةً، وطاعةً ومعصيةً، فإن كان المقصود أمرًا حسنًا، كانت الحيلة إليه حسنة، وإن كان قبيحًا، كانت الحيلة إليه قبيحة"[95].
يتبع