التورق وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي
د. محمد الجندي
ب- وجود من يقرضه ذلك المبلغ قرضًا حسنًا، وهذا كذلك غير متيسِّر في الغالب، لا سيما إذا كان محتاجًا إلى مبلغ كبير؛ لتوسيع نشاطه التجاري، أو لمضاعفة نشاطه الصناعي، أو الزراعي، أو نحو ذلك.
ج- لجوءه إلى المصارف الربوية لأخْذ حاجته من النقود بالتعامل الربوي، وهذا محرَّم ولا يجوز.
د- تحصيل حاجته من النقود بطريقة التورق، وهذا أمر متيسِّر، وقال جمهور أهل العلم بجوازه، ولم نرَ أحدًا منهم قال بتقييد الجواز بحاجةٍ ملحةٍ، أو اضطرارٍ، أو تخصيصه لفئة معينة دون الأخرى، أو لأحوالٍ خاصة، فرغبته في الحصول على المبالغ حاجةٌ وليست ضرورةً، فلا يشمله النهيُ عن بيع المضطر، وفي الأمر نفسه - بالرجوع إلى شرح هذا الحديث - لم نرَ أحدًا منهم ذكر أن بيع التورق من بيوع الاضطرار، وأن النهي يشملُه، فسقط بهذا القول أن بيع التورق من بيوع الاضطرار المنهيِّ عنها.
قال المناوي: "نُهي عن بيع المضطر"؛ أي: المضطر إلى العقد، بنحو إكراهٍ عليه بغير حق، فإنه باطل، أو إلى البيع لنحو دين لزمه أو مؤونة ترهقه، فيبيع بالوكس للضرورة، فينبغي أن يعان ويمهل، أو يقرض إلى ميسرة، أو يشترى منه بالقيمة"[54].
وقال الخطابي: "بيع المضطر يكون من وجهين: أحدهما، أن يضطرَّ إلى العقد من طريق الإكراه عليه، فهذا فاسد لا ينعقد، والوجه الآخر أن يضطر إليه لدين يركبه، أو مؤونة ترهقه، فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة، فهذا سبيله في حق الدين والمروءة ألاَّ يبايع على هذا الوجه، و ألاَّ يفتات عليه بماله"[55].
وقال ابن تيمية: "فإن كان المشتري مضطرًّا، لم يجز أن يباع إلا بقيمة المثل، مثل أن يضطر الإنسان إلى شراء طعام لا يجده إلا عند شخص، فعليه أن يبيعه إياه بقيمة المثل، فإن أبى أن يبيعه إلا بأكثر، فللمشتري أخذُه قهرًا بقيمة المثل، وإذا أعطاه إياه، لم يجب عليه إلا قيمة المثل، وإن باعه إياه إلى أجل، باعه بالقيمة إلى ذلك الأجل، ويأخذ قسطًا من الثمن"[56].
وقال أيضًا: "وكذلك المضطر الذي لا يجد حاجته إلاَّ عند هذا الشخص، ينبغي له أن يربح عليه مثلَ ما يربح على غير المضطر؛ فإن في السنن أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - نهى عن بيع المضطر، ولو كانت الضرورة إلى ما لا بد منه، مثل أن يضطر الناس إلى ما عنده من الطعام واللباس، فإنه يجب عليه ألاَّ يبيعَهم إلا بالقيمة المعروفة بغير اختياره، ولا يُعْطُوهُ زيادةً على ذلك"[57].
ولو سلَّمنا - جدلاً - بمنع بيع المضطر، فإن المعنى الذي من أجله مُنع بيعُ المضطر غيرُ متحقق في التورق؛ وذلك لأن المضطر في النظر الفقهي، إما أن يكون بائعًا، وإما أن يكون مشتريًا، وللاضطرار معنيان كما ذكر الفقهاء:
أحدهما: الإكراه، وعلى ذلك يكون المحظور إكراه المرء على بيع ما عنده، أو على شراء ما عند الغير، وهذا المعنى خارج عن محل النزاع.
الثاني: أن يضطر شخص إلى طعام أو شراب، أو دواء أو لباس، أو غير ذلك، ولا يجد ذلك إلا عند رجل بعينه، فيبيعه ما يدفع ضرورته بأكثر من قيمته السوقية بكثير؛ أي: بغبن فاحش، أو أن يضطر شخص إلى بيع سلعته من أجل الحصول على نقد يلزمه، لشراء ما هو مضطر إليه من طعام أو شراب، أو لباس أو دواء، أو نحو ذلك، ولا يجد من يشتريها منه، فيبتاعها منه شخص بأقلَّ من قيمتها بكثير، وهذه العلة - أي مبايعة المضطر إلى البيع أو الشراء بوكس وظلم - منتفية في التورق الذي نتكلم عنه، ذلك:
أ- أن المتورق عادةً يشتري السلعة من شخص بالنسيئة ليبيعها بالنقد، فإنه يشتريها بقيمتها السوقية إلى الأجل المضروب، أو بغبن يسير، وذلك سائغ شرعًا، ولا تثريبَ عليه في شرائه السلعة نسيئةً بأكثر من قيمتها السوقية نقدًا، اعتبارًا للأجل، ولا حرج شرعًا على بائعه في ذلك.
ب- وأن المتورق عندما يبيع تلك السلعة التي اشتراها نسيئةً لشخص ثالث لا علاقة له بالبائع الأول، بقيمتها السوقية نقدًا، أو بغبن يسير، وهي - عادة - أقل من الثمن الذي اشترى به مؤجلاً، فذلك سائغ شرعًا للبائع المتورق وللمشتري الجديد على السواء.
هذا هو الأصل والجاري في الواقع في حالات التورق وتطبيقاته المعاصرة في الأعم الأغلب، وإليه ينصرف قول المجيزين.
ثانيًا: القول بأن حقيقة التورق وأيلولته إلى الربا؛ حيث إن غرض طرفي التعامل الحصول على نقد بنقد مؤجل، والسلعة واسطة بين النقدين، وهو منطبق على قول بعض أهل العلم: درهم بدرهمين وبينهما حريرة.
هذا قول فيه نظر، ولو أردنا أن نطبق عليه حال من احتاج إلى نقد، وسلك في سبيل تحصيله مسالكَ الحصول عليه من بيوع المرابحة، أو المشاركة المتناقصة، أو بيوع السلم، أو غير ذلك من وسائل الحصول على الاستزادة من النقود مما هو جائز شرعًا - لقلنا بمنع ذلك؛ لأن قصده الحصولُ على النقد بواسطة السلع ثم يبيعها، وهذا لا يقول به أحد.
ثم إن تطبيق بيع التورق على مسألة "درهم بدرهمين وبينهما حريرة"، تطبيق مع الفارق؛ ذلك أن الحريرة لا تساوي قيمتُها الدرهمَ الزائد، وإنما جيء بها للتحليل، أما التورق فالراغب في النقد يشتري سلعةً بثمن مؤجل هو مثل الذي تباع به على آخر بيعًا مؤجلاً، ثم إن مشتريَها يبيعها في السوق بثمن مثلها حالاًّ، فظهر بهذا الفرقُ بين المسألتين.
ثالثًا: أما القول بأن الغرض من التعامل بالتورق الحصولُ على النقد، والسلعةُ وسيلةٌ وليست غايةً، فهو يشبه العينة التي قال الجمهور بتحريمها، فلا يخفى أن جميع وسائل التجارة - من بيع وشراء، ومشاركة ومرابحة، وغير ذلك من آليات الاستثمار - الغرض من استخدامها، وممارسة التجارة عن طريقها: الحصولُ على النقود والاستزادة منها، والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك، كما لا يخفى أن التورق يختلف عن العينة؛ حيث إن العينة معناها رجوع السلعة على من باعها، حيث إنه لم يبعها إلا باعتبار رجوعها إليه، وحصوله على رغبته في أن تكون المائة مائةً وعشرين مثلاً دون فوات سلعة عليه، فضلاً عن أن هاتين البيعتين - بيعة البائع على المشتري، وبيعة المشتري على البائع - بيعتان في بيعة واحدة، وقد نهى - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن بيعتين في بيعة واحدة، وفسرها بعض المحققين من أهل العلم، ومنهم ابن القيم - رحمه الله - بأنها العينة بخلاف التورق، فإن السلعة التي باعها البائع على الراغب في الشراء تورقًا لن ترجع للبائع، حيث إن شرطَ بيع التورق ألا يبيع المشتري السلعة على من باعها عليه، فإن باعها عليه، فهي العينة المحرمة.
فلم يبقَ في حجج القول بتحريم التورق إلا القصدُ؛ قصدُ المشتري النقدَ دون السلعة، وهذا القصد لا يعتبر سببًا في القول بالتحريم؛ فقد وجَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عامِلَه لتحقيق قصد الحصول على الجنيب من التمر، بأن يبيع الجمع ويشتريَ بثمنه جنيبًا، ولم يكن هذا القصدُ مانعًا من صحة هذا التصرف والأخذ بهذا المخرج الصحيح للحصول على تحقيق الرغبة.
وقد أفاض ابن القيم - رحمه الله - في الحديث عن الحيل المباحة والمخارج في "إعلام الموقعين"، حتى ضرب للمخارج مثلاً هو التورق، قال - رحمه الله -: "وإنما الحيل شيء يتخلص به الرجل من الحرام ويخرج به إلى الحلال، فما كان من هذا ونحوه فلا بأس به، وإنما يكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق الرجل حتى يبطله، أو يحتال في باطل حتى يوهمَ أنه حقٌّ، أو يحتال في شيء حتى يُدخلَ فيه شبهةً، وأما ما كان على السبيل الذي قلنا به فلا بأس به"[58]، ثم استدل على ذلك بقوله - تعالى -: ï´؟ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ï´¾ [الطلاق: 2]، وضرب لذلك أمثلة، منها قوله: "وكذلك الرجل تشتد به الضرورة إلى نفقة ولا يجد من يقرضه"، فذكر من الوسائل لهذا الرجل - وسماه مخرجًا - التورق[59].
يمكن القول إذًا: إن التورق مخرج لمن احتاج إلى النقد، ولا يجد من يهبه إياه، أو يقرضه بدون ربا، فيعمد إلى شراء سلعة بالأجل، ويبيعها بالنقد.
الرأي الراجح:
لقد ظهر لي بعد النظر والتأمل في أدلة الفريقين: أن حجج جمهور الفقهاء المجيزين للتورق صحيحةٌ قوية، سالمة من الإيراد عليها، بخلاف أدلة المانعين، فإنها ضعيفة، ولا يصح الركون إليها أو الاعتماد عليها، وإن سعْيَ أربابها بكل سبيل إلى تخريج حظْر التورق على قاعدة سد الذرائع - ليس إلا ضربًا من الغلو، ولما كانت حاجة الناس قائمةً على المال، مع عدم وجود طريق آخر - غالبًا - كالقرض الحسن والسَّلَم، فإنني أرجح بيع التورق، بشرط الحاجة، وعدم تضمينه محاذيرَ شرعيةً.
فبالتورق يمكن سدُّ حاجة الناس على نحوٍ لا يرهقهم غالبًا، وبخاصة بعد أن صار للناس مواردُ ثابتةٌ في هذا الزمان تمكِّنهم من الوفاء بما عليهم من حقوق.
هذا فضلاً عن الترفع عن الحاجة إلى الناس، وما يتبعها من تعرض للمسألة والمنَّة، مما ينافي آداب الشريعة، والترفع عنه بالمرء أجمل، ولمروءته أكمل.
المبحث الثاني: التطبيقات المعاصرة للتورق (التورق المصرفي المنظم)
المطلب الأول: حقيقة التورق المصرفي المنظم
ذكرنا في المبحث الأول صيغة التورق التي عرَفها الناس واشتهرتْ بينهم، وكانت مناط فتوى العلماء في القديم، هي صيغة التورق الفردي؛ تبدأ العملية وتنتهي بصورة شبه عفوية، وبدون ترتيبات مسبقة أو إجراءات مقنَّنة، كما أنها تتم في خضم عمليات البيع والشراء التي تقع في الأسواق، حتى لا تكاد تعرف بضاعة المتورق من باقي ما يقع من مبادلات في الأسواق، ونتكلم في هذا المبحث عن التورق المصرفي المنظم.
حقيقة التورق المصرفي المنظم:
لقد اتَّجه كثير من المؤسسات المالية الإسلامية المعاصرة إلى التعامل بالتورق المصرفي المنظم، كبديل شرعي للقرض الربوي المحظور الذي تقدمه البنوك التقليدية من جهة، وكبديل عملي منسق مبرمج للتورق الفردي غير المنظم، الذي يكلف المتورق - عادة - خسائرَ ماليةً فادحة، وكثيرًا من المشقة والعناء من جهة أخرى، بحيث يقوم على نفس قاعدة التورق الشرعية وآليته، غير أنه يجري وفق منظومةٍ تعاقدية أفضلَ، تكفل حصولَ العميل على السيولة النقدية المطلوبة في الوقت المرغوب، من غير تعرض للمتاعب والصعوبات والخسائر الفاحشة التي تكتنف عمليةَ التورق الفردي عادة، وذلك عن طريق شراء المصرف المتخصص للعميل سلعةً أو أكثر من سوق السلع الدولية - التي تتسم أسعارها بتحرُّكات ضئيلة محدودة تقيه مخاطر تقلبات الأسعار الحادة من غيرها - ثم بيعِها نقدًا لطرف ثالث بالنيابة عن العميل بعد ثبوت ملكيتها له؛ بغية توفير النقد المطلوب للعميل.
ومع أن صيغ الاتفاقات التي تبرمها المؤسسات المالية الإسلامية للتورق، لا تخلو من الاختلاف في بعض الجزئيات أو التفصيلات، لكنها في الجملة تتفق على بناء وتركيب المنظومة التعاقدية للعملية على النسق الآتي:
أولاً: يقوم المصرف بشراء الكمية المطلوبة من السلعة أو السلع الدولية، وفق المواصفات المحددة التي يرغب فيها العميل نقدًا.
ثانيًا: بعد تملك المصرف وقبضه للسلع التي اشتراها قبضًا حكميًّا، يقوم ببيعها بثمن معلوم مؤجل بحسب نظام التقسيط المتفق عليه بينهما.
ثالثًا: عقب ذلك يوكل العميل المصرف في بيع ما امتلكه من السلع بثمن نقدي معجل لطرف ثالث لا علاقة للمصرف به.
رابعًا: يقوم المصرف ببيع تلك السلع لحساب موكله العميل، على النحو المرسوم، ويوفر له ثمنها المقبوض لينتفع به.
ومن الجدير بالتنبه له في هذا المقام: أن من أهم سمات وخصائص "التورق المصرفي المنظم" كونَه معاملةً مستحدثة، وصفقة تمويلية مستجدة، وإن كانت مبنية في جوهرها وأساسها على مسألة التورق الشرعي، ينضوي تحتها مجموعة عقود ووعود مترابطة متوالية، لا تقبل التفكيك والتغيير الهيكلي، يجري التواطؤ المسبق بين المصرف والعميل على إنشائها وإبرامها على نسق محدد، متتابع الأجزاء، متعاقب المراحل، يهدف إلى تحقيق غرض تمويلي محدد، اتجهت إرادة الطرفين وقصدهما إليه.
وبتتبُّع هذه المسألة لم نجد للفقهاء المعاصرين قولاً بتأثير ذلك في الحكم على المرابحة، أو المضاربة، أو الاستصناع، في عمل المصارف، وكذلك القروض المصرفية لم يخرجها عن حكم الربا المحرَّم كونُها مؤسسية لا فردية.
إن المصرف شخصية اعتبارية لا طبيعية، وقد انتهى أمرُ الناس إلى القول بأن العقود التي تبرم ويكون من أطرافها شخصية اعتبارية لا تختلف في أحكامها وشرائط صحتها بين الشخصيات الطبيعية، فلا يتغير حكمه إذا انعقد وكان من أطرافه شخصية اعتبارية.
يمكن القول عندئذٍ: إن التفريق في الحكم بين الفردي والمؤسسي، لم يُثِر إشكالاً حتى الآن، وهي مسألة يتَّسع نطاقها ليؤثر في معاملات كثيرة، وليس التورق فحسب.
التواطؤ وأثره في صيغة التورق المصرفي:
التواطؤ والمواطأة: اتفاق الرغبتين على أمر واحد[60]، ومنها ما ورد في الحديث في قول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأصحابه في مسألة ليلة القدر: ((أرى رؤياكم قد تواطأتْ في السبع الأواخر))[61]؛ أي: اتَّفقت.
التواطؤ في المعاقدات: هو الاتفاق على إبرام غير عقد، أو عقدين فأكثر في اتفاقية واحدة، وهي إن كانت عقودًا مستقلة عن بعضها البعض عند الدخول فيها، إلا أن غرض الطرفين في المعاملة لا يتحقَّق إلا باجتماع هذه العقود في منظومة واحدة.
والتورق المصرفي - كسائر المعاملات المصرفية - إنما هو صيغة مؤسسية؛ ولذلك فإن فيها ترتيباتٍ لها طريق مرسوم، تؤدِّي - إذا سار عليه أطرافها - إلى نتيجة معروفة، وهي حصول عميل البنك على النقود، وهو غرضه النهائي.
وقد قيل في الاعتراض على التورق المصرفي: إن هذا تواطؤٌ تجتمع فيه عقود، وإن التواطؤ ذريعة إلى التوصل إلى المحرَّم.
لكن يستدل من كلام الفقهاء عن التواطؤ في المعاملات: أن التواطؤ الممنوع إنما هو ترتيبٌ الغرضُ منه إخفاءُ حقيقة معاملة معينة ممنوعة، وإظهارها بوجهٍ آخرَ مباح، وذلك كأنْ يشترط في العقد الأول شرطًا يغيِّر طبيعته، أو يلزم طرفَيه بعقد آخر لاحقٍ متعارِض معه، ومن أمثلة الترتيبات التي تدخُل في باب التواطؤ المُفسِد للعقود: ما ذكره صاحب "الشرح الكبير" في باب الجعالة، قال: "من سمع قائلاً يقول: من يأتني بعبدي الآبق، فله كذا، فأتاه به من غير تواطؤ، فإنه يستحق الجعل"[62]، فاشترط فيه عدم التواطؤ؛ لأن العقد بهذه الصورة جعالة ليس على السامع التزام بعمل، لكن إذا وقع بينهما التواطؤ، صار ملتزمًا بالعمل، فانقلبت إجارةً، واستحقَّ الأجرةَ بالعمل، سواء انتهى عمله إلى أن يأتيَه بعبده الآبق أم لا، هذا مثال على تغيير التواطؤ لطبيعة العقد، فالعقد حقيقته الإجارة لا الجعالة، فلزم أن ينضبط بأحكامها، فتغيَّرت حقيقة العقد بسب التواطؤ.
ومنها ما جاء في "مواهب الجليل": "عن الرجل يدفع إلى الرجل المال، فيقيم في يديه أيامًا، ويتجهز بذلك يريد سفرًا، فيلقى صاحب المال فيقول له: هل لك أن أخرج معك، فأخرج ذهبًا آخر مثل الذي أعطيتك، ونشترك جميعا؟ قال مالك: ما أرى أمرًا بينًا وما يحضرني فيه مكروه، قال سحنون: وهو الربا بعينه، قال محمد بن رشد: لأن مالكًا إنما خفف ذلك على السلامة من التواطؤ على ذلك قبل أن يتجهز بالمال"[63].
كأنه بالتواطؤ قد أصبح أجيرًا يستحق أجرَ المِثل، ولكن يكون بإظهار العقد على صفة المضاربة، قد استأجره على عمله معه بجزء من ربح المال، فهو غرر، فكأن التواطؤ غيَّر طبيعة هذا العقد، هذا مثال آخر للتواطؤ الذي يغيِّر من حقيقة العقد.
فهل بالتورق المصرفي من التواطؤ ما يؤدي إلى الفساد؟ مثل هذا يقتضي القول بأن التورق المصرفي - مع أن ظاهره البيع - فإن حقيقته أنه من العينة الممنوعة، أو أنه قرض بزيادة، والراجح أنه بيع كسائر البيوع، وإن أكثر عمليات الشراء تنتهي بالبيع مرات ومرات، حتى تصل إلى مستهلكها النهائي.
يتبع