عدل السنة النبوية مع المرأة
قبل الطلاق وبعده
دكتور
سلطان بن سعد السيف
أستاذ مساعد، قسم الثقافة الإسلامية
كلية التربية، جامعة الملك سعود
المملكة العربية السعودية
المبحث الثاني
عدل السنة مع المرأة المطلقة، وتحته عدة مطالب
المطلب الأول: أحقية البائن في الرجوع لطليقها أن أرادت، والإحسان إليها بتقديم رغبتها على حلف وليها الممانع، وإن كان حانث.
الأصل في الزواج تقارب النفوس وتآلفها وحصول المقة والمودة، لكن قد يحصل خلاف هذا أو قد يخالج تلك النفوس كبر أو تعال أو مقت وفرك، فتتنافر حينها النفوس وتتخالف فتحصل الفرقة لكن بعد برهة من الزمن تنطفئ نار الفتنة والتعالي، فيقع الندم، وتنهمر العواسف من العيون، فتحن تلك القلوب لبعض، فترغب تلك المرأة في الرجوع لزوجها الأول فيتمنع الولي إرجاعها وربما حلف على ذلك.
من هنا جاء عدل الشريعة بجعل الحق للمرأة في ذلك، وليس من حق أحد أيا كانت ولايته منعها، وجاء النهي المؤكد عن عضلها سواء قبل انتهاء العدة أو بعدها.
ففي البخاري عن الحسن عن قوله: ﴿فلا تعضلوهن﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه قال: زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله هذه الآية ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 232)،فقلت : الآن أفعل يا رسول الله قال: فزوجها إياه" (12).
المطلب الثاني: مشروعية تحقيق رغبة المرأة البائن ثلاثا أن أرادت الرجوع لزوجها الأول.
في المطلب السابق كان الحديث عن البائن بينونة صغرى فماذا عن البائن بينونة كبرى؟!
أقول إن فضل الله واسع وعدل سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم واقع فلم تغفل حق البائن في الرغبة للرجوع إلى زوجها الأول بعد أن تنكح زوجا غيره، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فأبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير إنما معه مثل هدبة الثوب فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (38).
المطلب الثالث: ترغيب الولي بالنفقة عليها إذا لم يوجد غيره وأن رعايته لها سبب لدخوله الجنة.
ورد في السنة ترغيب الولي أيا كان برعاية ابنته أو أخته وتولي أمرها والإحسان إليها حفظا لمكانتها وتطيبا لخاطرها وجعلت جزاء ذلك الجنة، فعن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يكون لأحد ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان، أو أختان، فيتقي الله فيهن ويحسن إليهن إلا دخل الجنة" (39)، واللفظ جاء عاما للمطلقات وغيرهن، ولا شك أن المطلقات من أولى النساء بالرعاية والنفقة.
بل عد بعضهم النفقة على المطلقة أفضل الصدقة لما رواه علي بن رباح، عن سراقة بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أدلكم على أفضل الصدقة؟ ابنتك مردودة إليك، ليس لها كاسب غيرك" (40).
المطلب الرابع: إيجاب المهر للمرأة.
المهر حق للمرأة فرض بنص الكتاب والسنة، وليس هذا فحسب بل يجب أن يكون عطاءا بطيب نفس ورضا قال تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: 4). وأضافه لهن بقوله: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ دليل تملكهن لجميع الصداق بالعقد (41).
وقد راعى الإسلام حقها في المهر حال الفراق فأثبت لها المهر في الأصل، ولم يجعل للزوج حقا في إرجاعه، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء: 21). فانظر كيف جاء الاستفهام هنا للإنكار والتقريع والتوبيخ مكررا! وانظر كيف وصفه الله عز وجل بالبهتان والإثم المبين!!.
فلا يجوز التحايل بإكراهها وسوء عشرتها بغية الفدية: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (النساء: 19).
وأثبت لها المهر حال الخلوة بها، وإن لم يدخل بها على الصحيح من أقوال أهل العلم وقد قضى الخلفاء الراشدون: "بأنه إذا أجيف الباب وأرخيت الستور فقد وجب المهر" (42).
قال ابن قدامة: "ولنا إجماع الصحابة ...وهذه قضايا اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعا" (43).
ومن العدل أيضا: أن أثبت المهر للمطلقة المدخول بها -من شبهة أو زواج فاسد- بما استحل من فرجها، والنكاح الفاسد أنواع: كالنكاح بلا شهود، وبلا ولي عند البعض، ونكاح المعتدة (44).
لما روي عن عائشة في هذه أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن كان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي لها" (12).
وقد قضى عمر وعلي رضي الله عنهما في التي نكحت في عدتها أن لها المهر بما استحل من فرجها (46).
وكذا لو كان بها عيب من برص وجذام ونحو ذلك ولم يعلم حتى مسها، فلها مهرها بما استحل من فرجها، ويغرم وليها زوجها مثل مهرها قضي بذا الخليفتان الراشدان: عمر، وعلي رضي الله عنهما (47).
ويشهد لذلك أيضا عموم حديث ابن عمر حين قال صلى الله عليه وسلم للملاعن: "لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها" (48).
المطلب الخامس: مشروعية متعة المطلقة.
شرع الله المتعة (49) -وهي حصة من المال يدفعه الزوج لمطلقته- تطييبا لها وجبرا لحالها وتعويضا ما فاتها متعة غير مقدرة حسب يسر الزوج من عسره، قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 236).
وجاء في السنة ما يدل على ذلك فعن أبي أسيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يمتع الجونية كسوة بقوله: "أكسها رازقيتين (50)، وألحقها بأهلها" (51).
المطلب السادس: إيجاب السكنى للمطلقة الرجعية والإحسان إليها بتحريم إخراجها من البيت لغير عذر.
من عدل السنة وإحسانها للمطلقات أيضا: الدعوة لمراجعة النفس حال العدة ومحاسبتها، وتلمس مواطن الخلل وإصلاحها، وهداية القلوب وتبصيرها من خلال الأمر بإبقاء الرجعية في عش الزوجية عله يحصل الندم ويتحقق المرجو من ذلك وهو الرجعة ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق: 1).
وورد قبلها التوكيد على حرمة إخراجها من البيت إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، وفي البخاري من طريق القاسم بن محمد أنه يذكر أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم فانتقلها عبد الرحمن فأرسلت عائشة أم المؤمنين إلى مروان –وهو أمير المدينة- اتق الله وارددها إلى بيتها" (52).
وأيضا إذنه صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها لما طلقت ثلاثا أن تعتد في أهلها" (53).
لذا جعلت السكنى حقا للمطلقة الرجعية ليس لأحد فيه يد أو منة، ففي صحيح مسلم من حديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة" قال عمر رضي الله عنه: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت. لها السكنى والنفقة" ثم تلا رضي الله عنه الآية (54)، وفي لفظ قالت: زوجي طلقني ثلاثا، وأخاف أن يقتحم علي فأمرها صلى الله عليه وسلم فتحولت" (55)، فكان هذا سبب إخراجها من بيتها كونها في مكان موحش فخاف عليها (56). فانظر إلى الإحسان مع المبتوتة فكيف بالرجعية؟!
المطلب السابع: إيجاب النفقة على المطلقة الرجعية، وأيضا البائن الحامل.
قد تقدم قول عمر رضي الله عنه: "لها السكنى والنفقة في كتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم" (57)، هذا في حق المطلقة ثلاثا، ولا شك أن المطلقة الرجعية من باب أولى، ويتأكد ذلك في حق الحامل منهن.
قال ابن عبد البر: "فإن كانت المبتوتة حاملا فالنفقة لها بإجماع من العلماء لقول الله عز وجل في المطلقات المبتوتات ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: 6)، وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن الطلاق، وهذا لا شك في المبتوتات لأن اللواتي لأزواجهن عليهن الرجعة لا خلاف بين علماء الأمة في أن النفقة لهن وسائر المؤنة على أزواجهن حوامل كن أو غير حوامل لأنهن في حكم الزوجات في النفقة والسكنى والميراث ما كن في العدة" (58).
المطلب الثامن: جواز خروج المعتدة في النهار لحاجتها خلافا لما عليه أهل الجاهلية.
عن جابر قال: طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلها فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "بلى فجدي نخلك فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا (59)، ووجه دلالته أن الجذاذ إنما يكون نهارا عرفا وشرعا لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن جذاذ الليل" (60).
المطلب التاسع: أحقية المطلقة بالزواج بعد انتهاء العدة.
إذا انهارت علاقة امرأة بزوجها فليس معنى هذا انهيار علاقة الزواج لها بغيره بل سيغني الله كلا من سعته بأن يعوضه الله من هو خير له منها ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: "فإذا حللت فآذنينى". قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد، فكرهته ثم قال: "انكحي أسامة". فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به" (61).
المطلب العاشر: جواز استقبالها أكثر من خاطب في آن واحد.
من عدل السنة أن أباحت للمرأة حق تخير الأكفأ والأنسب لها من بين الخاطبين؛ لا كما هو معهود عند كثير من المجتمعات، وفي حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنه المتقدم ما يدل على ذلك، حيث بلغ عدد الخطاب ثلاثة.
المطلب الحادي عشر: الإباحة للولي العدل عرضها على الكفء والصفوة من الناس.
لا شك أن المرأة حيية خفرة بطبعها وهي بحاجة إلى زوج يؤنسها ويسعدها، ونظرا لحالها وطبيعتها يصعب أن تبحث عنه بنفسها، لذا كان من عدل السنة وإحسانها تجاه المرأة أن أباح لوليها الاجتهاد والحرص في انتقاء واختيار الصفوة من الناس وعرضها عليهم بحكمة فهو أدرى بالرجال وأحوالهم منها، ولقد سطر لنا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مثالا رائعا في الحرص على موليته حفصة بنت عمر حين تأيمت من خنيس بن حذافة السهمي، عرضها على عثمان بن عفان ثم على أبي بكر..." (62).
المطلب الثاني عشر: اعتبار رضاها شرط لصحة نكاحها، مع أحقيتها في رد نكاحها إن كانت كارهة.
يعتدي بعض الآباء بتزويج ابنته بغير رضاها جهلا منه، أو عادة، أو إرغاما لها بداية لتخضع وتسلم بالموافقة وتقبل الزوج لاحقا، ومن تمام عدل السنة وإنصافها للمرأة أن أبطلت إكراهها، واعتبرت رضاها شرط صحة لزواجها، ولها الأحقية في رد هذا العقد ونقضه، فعن خنساء بنت خذام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحه" (63).
المطلب الثالث عشر: أحقية توريث المبتوتة في مرض الموت.
يعمد بعض الأزواج -والعياذ بالله- إلى تطليق زوجته ليحرمها من الميراث، فجاءت السنة مبطلة هذا القصد الفاسد وعدم اعتباره لأن صاحبه قصد قصدا فاسدا في الميراث فعورض بنقيض قصده.
وقد ثبت عن عثمان رضي الله عنه أنه ورث تماضر بنت الأصبغ بن عمرو الكلبية من عبد الرحمن بن عوف وكان طلقها في مرض موته فبتها (64)، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر فكان إجماعا (65).
المطلب الرابع عشر: حرمة مضارة الزوج زوجته بولدها وكذا الزوجة.
معلوم أن الولد ابن للأبوين، ولكن بعد الفراق تضعف رابطة الأبوة فيعمد بعض الآباء إلى مضارة الزوجة بولدها من هنا جاء النهي والتحذير منه بقوله عز وجل: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 233)، ومن اللطافة أن الولد هنا نسب مرة لأبيه ونسب مرة لأمه وجاء التعبير ﴿وَالِدَةٌ﴾ و ﴿بِوَلَدِهِ﴾ دون لفظ: "مطلقة" أو مطلقات استعطافا لقلبيهما بمكانته وحاله وكونه ولدا لهما جميعا، وللتنبيه على أنه جدير بأن يتفقا على استصلاحه ولا ينبغي أن يضرا به أو يتضارا بسببه" (66).
المطلب الخامس عشر: تقديم ولاية الأم في الحضانة على الأب.
ومن تمام العدل والإحسان أن جعل حضانة الأم مقدمة على الأب؛ لأن الأم في الغالب أعلم بحال الصبي وتربيته، وأصبر وأقدر على رعايته، والمرأة أحن على ولدها من الأب، وأرأف وأرق وألطف في الغالب فتقدم في الحضانة ما لم تنكح، ففي حديث عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت يا رسول الله: "إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أنت أحق به ما لم تنكحي" (67)، "فتقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال والنظر لهم" (68).
المطلب السادس عشر: أحقية رفض المرأة إرضاع ولدها، وجواز أخذها أجرة على إرضاعه، وكذ ا مشروعية أخذها أجرة الحضانة والسكن إن لم يكن لها سكن وهي غير أجرة الإرضاع.
الأصل أن النفقة واجبة من الزوج على الزوجة والأولاد، فإذا تفارق الزوجان وبينهم رضيع فمن رحمة الله وإحسانه ترغيب الأم بإرضاع ابنها لأن لبنها أنفع له وأصح، ولم يلزمها بذلك ما لم يتضرر الطفل؛ فإن أرضعته فلها الحق أن تأخذ من أبيه أجر مقابل إرضاع ابنها، وإن اختلفا جلب له مرضعة أخرى على حسابه مع التوكيد على أن إرضاع الأم أولى (69)، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (الطلاق: 6).
"وجمهور أهل العلم يقولون: تستحق الأم الحاضنة أجرة حضانة ولدها ...وهذه الأجرة غير أجرة إرضاعه ونفقته، وإذا لم يكن للحاضنة مسكن تحضن فيه الولد، وجب لها أجرة مسكن" (70).
المطلب السابع عشر: تخيير الولد المميز بعد انتهاء مدة الحضانة بين أمه وبين أبيه أو عصبته.
يخبرنا الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه" (71). فهو يبين رضي الله عنه لنا كيف حسمت السنة مسألة النزاع والصراع بين الأبوين حول الأحق بالولد بعد انتهاء فترة الحضانة مراعية في ذلك حاجة صاحب الشأن الولد المميز ورغبته والأصلح له.
كما روعي في ذلك أيضا تخييره بين أمه والعصبة وهو قضاء الخلفاء الراشدين المأمورين نحن بإتباعهم خلافا لما كان عليه بعض أهل الجاهلية حيث يرون أنهم أولى بالولد من أمه بعد انتهاء فترة الحضانة، قال عمارة بن ربيعة الجرمي عن نفسه: خاصمت فى أمى عمى من أهل البصرة إلى علي، قال: فجاء عمي وأمي فأرسلوني إلى علي فدعوته فجاء فقصوا عليه، وكنت ابن سبع سنين أو ثمان (72) فقال: أمك أحب إليك أم عمك؟ قال: قلت: بل أمي ثلاث مرات، قال: وكانوا يستحبون الثلاث في كل شيء، فقال لي: أنت مع أمك، وأخوك هذا إذا بلغ ما بلغت خير كما خيرت، قال: وأنا غلام" (73).
وللأثر شاهد مرفوع عن محمد بن كعب لكنه ضعيف (74)، ومن فعل عمر رضي الله عنه (75)، وبعض السلف (76).
يتبع