قصة المجادلة.. قطوف تربوية
حمدي رحيم شعيب
السمة الرابعة: فقهها للمرجعية:
لقد حملت خولة - رضي الله عنها - شكواها إلى الحبيب - صلى الله عليه وسلم -.
فلم تذهب لغيره - صلى الله عليه وسلم -، حتى وإن كانت عائشة رضوان الله عليها، وتدبر كيف أن خولة - رضي الله عنها - أتت إلى بيتها وانفردت به ص ولم تشرك أحداً في حل قضيتها.
عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَت: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوَاتَ. لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عز وجل - (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) إِلَى آخِرِ الآيَةِ"(7).
وهذا يضع أيدينا على سمة أخرى، نستشعرها من هذا التصرف.
لقد كانت مثل أي فرد داخل هذا المجتمع تقر وتعلم أن لها قيادة ومرجعية تنظيمية يرجع إليها.
ويوضح هذا الملمح أيضاً أهمية وجود روح الانضباط التنظيمي، داخل الأمة، ووجوب تنميتها، خاصة بين أفراد كل جماعة تتبنى المشروع الحضاري الإسلامي، وركن ذلك أن يعي كل فرد أن له قيادة ومرجعية يعود إليها.
السمة الخامسة: شجاعتها الأدبية وقدرتها على الحوار:
لقد ورد عن خولة - رضي الله عنها -، أنها كانت تتمتع بقدرة فائقة، على الحوار؛ حيث عرضت قضيتها بشجاعة وثقة ولباقة.
وتدبر كيف بدأت شكواها، هي تقول:
"يا رسول الله أكل مالي وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي، ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك". (8)
ثم في حوارها وجدالها في رأي الحبيب - صلى الله عليه وسلم -:
"فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: فقال لها: "حرمتِ عليه" فقالت: والله ما ذكر طلاقاً، ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي وقد نفضت له بطني، فقال: "حرمت عليه"، فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه الآية.
وروى الحسن: أنها قالت: يا رسول الله! قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهر مني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ما أوحى إلي في هذا شيء" فقالت: يا رسول الله، أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا؟!. فقال: "هو ما قلت لك" فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله. فأنزل الله: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله(المجادلة: 1)(9).
وكذلك في حوارها وجدالها في الحل الرباني الذي جاءت به الآيات:
بل إنها كانت طوال حياتها على هذه السمة المميزة لها.
فقد "مر بها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في خلافته والناس معه على حمار فاستوقفته طويلاً ووعظته وقالت:
يا عمر قد كنت تدعى عميراً، ثم قيل لك عمر، ثم قيل لك أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له:
يا أمير المؤمنين، أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟
فقال: والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟ ". (10).
السمة السادسة: اعتزازها بكرامتها وإنسانيتها:
لقد ورد في أمر خولة - رضي الله عنها - أن أمها معاذة التي أنزل الله فيها: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا(النور: 33) وهي الأمة التي كان عبد الله بن أبي بن سلول يكرهها على البغاء والزنى والفجور، فأبت ذلك ونزلت فيها هذه الآية. (11).
ونستشعر من ذلك؛ ملمحاً تربوياً طيباً؛ وهو أن خولة - رضي الله عنها - قد نشأت متأثرة تأثراً بالغاً بأمها معاذة التي كانت مجرد أمة مملوكة؛ ولكنها لم تك إمعة أو سهلة أمام سيدها الذي أكرهها على الفسق فرفضت وكان لها موقفاً، زكاه الله - عز وجل - من فوق سبع سماوات.
ولو تدبرنا محور الآيات التي نزلت في خولة وأمها - رضوان الله عليهما -؛ نجدها تدور حول قوة الشخصية، والاعتزاز بالرأي طالما كان على الحق.
السمة السابعة: احترام خصوصية الزوج:
وهناك ملمح تربوي عظيم نستشعره من الحديث الشريف الذي ورد عن عَائِشَةَ - رضي الله عنها -، قَالَت: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ تَشْكُو زَوْجَهَا وَمَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها... إلى آخر الآية". (12)
فعائشة - رضي الله عنها - وهي من هي لم تشأ أن يدفعها الفضول لترى أو تتسمع ما يحدث في بيتها بين زوجها - صلى الله عليه وسلم -، وبين أحد الضيوف؛ خاصة عندما يكون امرأة.
وهو الملمح الذي يبين مدى سعة أفق هذا الجيل الرباني، ومدى السمو في العلاقات الزوجية، ومدى الثقة التي كانت بين الزوجين.
وكذلك مدى النضج في تربية المرأة وأخلاقياتها، في احترام خصوصية الزوج، وعدم الفضول في هتك أسراره، والتدخل في علاقاته الخاصة.
السمة الثامنة: الثقة في القيادة الواعية:
عندما حملت خولة - رضي الله عنها - شكواها إلى الحبيب - صلى الله عليه وسلم - أخذ الأمر بجدية وحقق في الأمر.
وتصرفه - صلى الله عليه وسلم - إنما يدل على أمور عظيمة، تضع الضوابط المطلوب توافرها في كل قيادة راشدة.
تلك الصفات هي التي جعلت كل فرد يرجع إليها في كل شيء، حتى ولو كانت مشكلة داخلية عائلية، لا يدري بها أحد.
ومن هذه الصفات:
(أ) الشعور بالمسؤولية: لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان على الرغم من مشاغله كحاكم مسؤول عن دولة عظيمة مترامية الأطراف، كان عنده الوقت ليفصل في الأمور الحياتية العادية بين الأفراد.
(ب) التواضع: لأنه - صلى الله عليه وسلم - وهو من هو لم يدّع الدراية بكل شيء، بل قال رأيه، وسمح لخولة - رضي الله عنها - أن تحاوره.
(ج) الحيادية والتروي والعدل: وذلك عندما نرى أنه - صلى الله عليه وسلم - قد قال لخولة - رضي الله عنها - مذكراً إياها بحساسية القضية، فرد غيبة زوجها: "يَا خُوَيْلَةُ، ابْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَاتَّقِي اللَّهَ فيه".
وكم من أُخذ بجريرة الوشايات، ولم يُستمع إلى رأيه؟!.
(د) الرفق بالرعية: خاصة إذا كان المقصود فرداً غائباً، وتدبر نصيحته - صلى الله عليه وسلم -: "قَدْ أَصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي عَنْهُ ثُمَّ اسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خَيْرًا".
(ه) الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم: وهذا هو حجر الزاوية؛ أو هي القاعدة التي تقوم عليها كل الصفات.
وهو ما يتضح من توجه خولة - رضي الله عنها - بشكواها لثقتها أنه سينصرها ويأتي لها بحقها لأن الكل عنده سواسية.
ــــــــــــــــ
الهوامش
(1) مسند الإمام أحمد كتاب: مسند القبائل حديث مرفوع برقم 56. 26.
(2) في ظلال القرآن: سيد قطب، بتصرف.
(3) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير تفسير سورة المجادلة.
(4) العوائق: الراشد 306.
(5) رواه البخاري، الجامع الصغير 2-494.
(6) كيف نعد قادة أفضل؟: ترجمة د. حسين حمدي الطويحي 21 نقلا عن: القيادة: جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين 57.
(7) مسند الإمام أحمد كتاب: باقي مسند الأنصار مرفوع إلى النبي ص برقم 23064.
(8) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير تفسير سورة المجادلة.
(9) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي تفسير سورة المجادلة.
(10) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي تفسير سورة المجادلة.
(11) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير تفسير سورة النور.
(12) سنن ابن ماجه كتاب: المقدمة حديث شريف مرفوع إلى النبي ص برقم 148.