الاستشهاد بالحديث النبويّ في معجم لسان العرب
د. حازم الحاج طه
صور من استشهاد ابن منظور بالحديث:
إذا تدبرنا معجم لسان العرب، وقارنا بينه وبين المعاجم المشهورة التي تقدمته ممن نعدهم في الطليعة لألفينا أغزر معجم وأجمعه في الاستشهاد بالحديث هو معجم لسان العرب. وليس أدل على هذا، ولا أبلغ في الاحتجاج له من شيوعه فيه، وتعدد صوره: وهذا يؤدينا إلى نتيجة، وقد أشار إليها من المعاصرين الدكتور حسين نصار بقوله: "أخذ – أي ابن منظور – الأحاديث عن النهاية المختصة بها"[35].
ويقول في موطن آخر: "إنه أدخل في معجمه أكبر معجم في غريب الحديث: النهاية لابن الأثير"[36].
ونحن نحاول أن نقف وقفات متأنية مع ابن منظور وهو يتصدى لما تناوله من ألفاظ لغوية، مكتفين بنماذج قليلة على سبيل الاستشهاد، ولكنها كافية من حيث نوعها لإثبات مدى احتفائه بالحديث. وقد آثرت أن نتوجه إلى بيان ذلك من ثلاث نواح.
أولاها: استشهاده بالحديث على تفسير الألفاظ.
ثانيتها: استشهاده بالحديث على المعاني المجازية.
ثالثتها: استطراداته في مسائل شتى.
استشهاده بالحديث على تفسير الألفاظ:
لعلنا نوفق في ترتيب نقط هذه الناحية على النحو الآتي:
1 - إيراده الحديث كاملاً.
2 - اجتزاؤه ببعض الحديث.
3 - موالاته الاستشهاد بالحديث.
وها نحن أولاء نعرض لكل نقطة من هذه النقط بمثل أو بعض المثل.
إيراده الحديث كاملاً:
لقد أمعنت النظر في توظيف ابن منظور للحديث فتبين لي، أنه تارة يورد الحديث كاملاً في شرح المعنى اللغوي للكلمة التي تناولها.
كقوله في مادة: ((فزع))[37].
الفزع: الفرق والذُّعر من الشيء، وهو في الأصل مصدر. فزع منه وفَزَع فَزَعاً وفَزْعاً وفزعا، فهو فزع. وفَزع – بفتح الفاء وكسر الزاي – إليه لجأ، فهو مَفْزَع لمن فزع إليه. أي ملجأ لمن التجأ إليه.
وفلان مفزع الناس، وآمراة مفزع، وهم مفزع: معناه إذا دهمنا أمر فزعنا إليه، أي لجأنا إليه، واستغثنا به. وفي حديث الكسوف: ((فافزعوا إلى الصلاة))[38]، أي الجؤوا إليها، واستعينوا بها على دفع الأمر الحادث.
والفزع أيضاً: الإغاثة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، للأنصار: ((إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع))[39]. أي تكثرون عند الإغاثة. وقد يكون التقدير أيضاً عند فزع الناس إليكم لتغيثوهم.
وكقوله في مادة (الملأ)[40].
والملأ: الرؤساء، وأشرف القوم ووجوههم، ورؤساهم ومقدّموهم الذين يُرجع إلى قولهم. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم، سمع رجلاً من الأنصار، وقد رجعوا من غزوة بدر يقول: ما قتلنا إلا عجائز صلعاً. فقال عليه الصلاة والسلام: ((أولئك الملأ من قريش. لو حضرت فعالهم لاحتقرت فعلك))[41].
اجتزاؤه ببعض الحديث:
وتارة يورد الحديث مجتزئاً بموطن الشاهد فقط ليعزز فيه اللفظة. كقوله في مادة (صدأ)[42].
والصدأ: الطبع والدَّنس يركب الحديد. وصدأ الحديد: وسخه. وصدئ الحديدُ ونحوه يصدأ صدأ، وهو أصدأ: علاه الطبعُ، وهو الوسخ. وفي الحديث: ((إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد))[43]. وهو أن يركبها الرَّين بمباشرة المعاصي والآثام، فيذهب بجلائها، كما يعلو الصدأ وجه المرآة والسيف ونحوهما.
وكقوله في مادة (الفطرة)[44].
والفطرة: ما فطر الله عليه الخلق من المعرفة به. والخلقة التي يخلق عليها المولود في بطن امه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة))[45]. يعني الخلقة التي فُطر عليها في الرَّحم من سعادة أو شقاوة، فإذا ولده يهوديان هوَّداه في حكم الدنيا، أو نصرانيان نصّراه في الحكم، أو مجوسيّان مجّساهُ في الحكم.
موالاته الاستشهاد بالحديث:
وتارة نراه يكرر الحديث تقريراً للمعنى اللغوي الذي كشفه من اللفظة. كقوله في مادة (جنب)[46].
جنب، بالضم: أصابه ذاتُ الجنْب.
والمجنوب: الذي به ذات الجنب. تقول فيه: رجل مجنوب. وهي قرحة تصيب الإنسان داخل جنبه، وهي علّة صعبة تأخذ في الجنب.
وقال ابن شميل: ذاتُ الجنب، هي ذاتُ الجنب، هي الذُّبيلة، وهي علّة تثقب البطن وربما كنوا عنها فقالوا: ذاتُ الجنب. وفي الحديث: ((المجنوب في سبيل الله شهيد))[47].
قيل: المجنوب الذي به ذات الجنب. يقال: جُنب فهو مجنوب، وصُدر فهو مصدور. ويقال: جنب جنباً. إذا اشتكى جنبه، فهو جنب، كما يقال: رجل فَقرٌ وظهرُ: إذا اشتكى ظهره وفقاره. وقيل: أراد بالمجنوب الذي يشتكي جنبه مطلقاً. وفي حديث الشهداء: ((ذات الجنب شهادة))[48]. وفي حديث آخر ((ذو الجنب شهيد))[49]. وهو الذبيلة والدُّقلُ الكبيرة التي تظهر في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل، وقلّما يسلم صاحبها. وذو الجنب الذي يشتكي جنبه بسبب الذبيلة، إلا أن (ذو) للمذكر وذات للمؤنث، وصارت ذات الجنب علماً لها، وإن كانت في الأصل صفة مضافة.
هذه ألوان من استشهاد ابن منظور بالحديث النبوي فاض به معجمه. فقد رأيناه يورد الكلمة، ثم يكشف عن أصلها في الاستعمال اللغوي، ويستقري مدلولاتها ومعانيها، وتكنّه أسرارها ويستحضر الشواهد من الحديث.
استشهاده بالحديث على المعاني المجازية:
ما من ريب أن الحقيقة أصل المعنى الذي أراده المتكلم الاول الذي نطق بالكلمة، ثم فشا استعمالها، واتسع نطاقها حتى أطلقت على معان كثيرة. ومن هنا جاء المجاز أو استخدام الكلمة لتدل على أكثر من معنى واحد وإن كانت هذه المعاني تجتمع في بؤرة تجمع شتى الملامح لهذه المعاني الكبيرة.
قال ابن رشيق معرفاً كلمة المجاز: (ومعنى المجاز طريق القول ومأخذه). وقال: (فصار التشبيه والاستعارة وغيرها من محاسن الكلام داخلة تحت اسم المجاز). ثم أشار إلى أن هذه الكلمة نقلت بعد إلى معنى أخص. فقال: (إلا أنهم خصوا به – أعني المجاز – باباً بعينه، وذلك أن يسمى الشيء باسم ما قاربه، أو كان منه بسبب)[50].
وأراد من قولة (ما قاربه) الأمر الذي يكون بينه وبين أمر آخر مشابهة، ومن قوله (أو ما كان منه بسبب) الأمر الذي يكون بينه وبين أمر آخر صلة غير المشابهة، كالسببية والمجاز[51].
وهذا المعنى الخاص الذي صارت إليه كلمة المجاز، هو الذي جرت عليه كلمة المجاز في عرف البيانين، فإنهم إنما يطلقونه على اللفظ الذي ينقله المتكلم من معنى وضع له اللفظ، إلى معنى بينه وبين ذلك المعنى مناسبة، أي علاقة، والعلاقة إما المشابهة، وهو الاستعارة. وإما غير المشابهة، وذلك على مبنى ما يسمونه المجاز المرسل.
وإني لواضع أمام القارئ قدراً من استشهاد ابن منظور بالحديث النبوي على المعاني المجازية لاستعمال الكلمات في اللغة.
لقد تناول مادة (القارورة)[52]:
فقال: واحدة القوارير من الزجاج.
والعرب تسمي المرأة القارورة، وتكني عنها بها. وقوله تعالى: {قواريرا، قوارير من فضة}[53]. وقال بعض أهل العلم: معناه أوانيّ من زجاج في بياض الفضة وصفاء القوارير. وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأنجشة هو يحدو[54] بالنساء: ((رفقاً بالقوارير))[55]. أراد صلى الله عليه وسلم، بالقوارير النساء. شبهن بالقوارير لضعف عزائمهن، وقلة دوامهن على العهد. والقوارير من الزجاج يسرع إليها الكسر ولا تقبل الجبر.
وكان أنجشة يحدو بهن ركابهن ويرتجز بنسيب الشعر والرجز وراءهن فلم يأمن أن يصبهن ما يسمعن من رقيق الشعر فيهن، أو يقع في قلوبهن حُداؤه. فأمر أنجشة بالكف عن نشيده وحُدائه حذار صبوتهن إلى غير الجميل.
وقيل: أراد أن الإبل إذا سمعت الحُداء أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب فأتعبته، فنهاه عن ذلك لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة[56].
وقد ذهب هذا المذهب الشريف الرضي في مؤلفه فقال: "وهذه استعارة عجيبة، لأنه عليه الصلاة والسلام شبه النساء في ضعف النحائز[57]، ووهن الغرائز[58] بالقوارير الرقيقة التي يوهنها الخفيف، ويصدعها اللطيف، فنهى عن أن يسمعن ذلك الحادي ما يحرّك مواضع الصبوة، وينقض معاقد العفة"[59].
فالحديث إذاً يحمل على وصف المرأة بالقوارير على الاستعارة التصريحية بجامع الرقة بين المرأة والقارورة. حيث حذف المشبه وصرح بالمشبه به. والاستعارة تعد من المجاز اللغوي.
وكقوله في مادة (وطأ)[60].
وطأ الفرس: دمثّه.
ووطأ الشيء: سهّله.
والوطئ من كل شيء: ما سهل ولان. حتى إنهم يقولون: رجل وطئ، ودابة وطيئة. وفي الحديث: (ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم[61] أخلاقاً، الموطؤن أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون)[62].
قال ابن الأثير: هذا مثل. وحقيقته من التوطئة، وهي التمهيد والتذليل. وفراش وطئٌ: لا يؤذي جنب النائم.
والاكناف: الجوانب.
أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم ولا يتأذى)[63].
وحين ذكر ابن الأثير على ما روى ابن منظور أن الحديث محمول على المثل. وهذا يعني أنه محمول على المجاز.
والجانب المجازي في هذا الحديث. أنه كناية عن صفة اليسر والسهولة واللين. حيث انتقل من الملزوم، والفراش اللّين الذي لا يؤذي جنب النائم إلى اللازم الذي هو سماحة الخلق ولين الجانب عند الإنسان.
لسنا نحاول التوسع في تفصيل استشهاد ابن منظور بالحديث على المعاني المجازية. ولو شئنا أن نستقصي ما حواه معجمه لذهبنا في ذلك إلى مدى بعيد، ولأن المقام يقتضينا الاكتفاء بالصورة المجملة عن الإسهاب. وحسبنا أن نلفت الأنظار إلى أن ابن منظور كان حفياً به.
استطراداته في مسائل شتى:
نحاول في هذه الفقرة أن نسلط الضوء على ما نراه ملامح بارزة في منهج ابن منظور وهو يتناول ما بين يديه من ألفاظ لغوية محتجاً بالحديث على دلالتها. ويمكن حصرها فيما يأتي:
1 - استطراداته في شرح الحديث.
2 - إشارته إلى أحكام عقيدية.
3 - إيراده الأقوال المختلفة في معنى الحديث.
4 - إستطرادات نحوية.
5 - إشارته إلى اللهجات العربية.
يتبع