عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 21-04-2019, 04:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,750
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تدليس رواة الحديث وأنواعه

تدليس رواة الحديث وأنواعه
عبد اللّه بن عبد الرحمن السعد




وأما إذا كان المدلس يدلس تدليس التسوية:
أ - فينظر إلى تصريحه بالتحديث بينه وبين شيخه وشيخ شيخه؛ لأن التسوية هي إسقاط شيخ شيخه من قبل الراوي. وقد يكون المسقط ضعيفاً هو الغالب أو لا، ينظر " النكت على ابن الصلاح " لابن حجر (2/621).
ب - هذا النوع وهو (تدليس التسوية) من حيث الناحية العملية ليس بالكثير.
فمثلاً (بقية بن الوليد) وهو ممن وصف بذلك، لو فتشت عن أمثلة لهذا النوع من التدليس قد لا تجد إلا مثالاً واحداً ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص:364) عن أبي حاتم الرازي، وهو في "العلل" (2/154 - 155) وذكر أيضاً هذا المثال من جاء بعد الخطيب. ولعل (الوليد بن مسلم) أكثر من يفعل ذلك كما في ترجمته، وهذا لم يثبت عنه إلا في حديث الأوزاعي خاصة.
ج - ذكر من وصف بذلك وهم:
1- بقية بن الوليد.
2- الوليد بن مسلم.
3- صفوان بن صالح(8).
4- ومحمد بن المصفى(9).
5- سليمان الأعمش.
6- الثوري(10).
7- هشيم بن بشير(11).
8- سنيد بن داود(12).
9- إبراهيم بن عبد الله المصيصي(13).
10- أصحاب بقية بن الوليد(14).
وكان مالك بن أنس –رضي الله عنه- يفعل ذلك ولكن لم يكن يقصد التسوية، ينظر "النكت" لابن حجر على ابن الصلاح (2/618 ـ 620). ولا أعلم غير هؤلاء وصفوا بالتسوية.
وأما تدليس الشيوخ:
فهو أن يسمي شيخه أو يكنيه خلاف اسمه المشهور في اسمه أو كنيته كما فُعل بـ (محمد بن سعيد الأسدي الشامي المصلوب)، قال ابن حجر: "قيل: قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفى".
فالذي ينبغي عمله تجاه هذا النوع هو تحديد اسم الراوي والتأكد من ذلك حسب.
وأما تدليس الإرسال:
فينظر في ثبوت لقاء وسماع هذا الراوي من شيخه الذي روى عنه، فإذا ثبت ذلك فتحمل باقي أحاديثه على الاتصال حتى يدل دليل على خلاف ذلك، كأن يكون لم يسمع منه إلا القليل أو حديثاً بعينه لم يسمعه، وقد تقدم الكلام على هذا.
وأما تدليس العطف:
فهو أن يروي الراوي عن شخص سمع منه ثم يعطف عليه راو آخر لم يسمع منه، وقد روى الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص:131) فقال: "وفيما حدثونا أن جماعة من أصحاب هشيم اجتمعوا يوماً على أن لا يأخذوا منه التدليس ففطن لذلك، فكان يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم، فلما فرغ قال لهم: هل دلست لكم اليوم؟ فقالوا: لا، فقال: لم أسمع من مغيرة حرفاً مما قلته إنما قلت حدثني حصين، ومغيرة غير مسموع لي" ا. هـ.
فهذه القصة لم يسندها الحاكم فعلى هذا لا تصح، ومن ذكرها إنما ذكرها عن الحاكم -فيما أعرف-.
ولكن في "العلل" للإمام أحمد برواية عبد الله خبراً من رواية هشيم قد يصلح أن يكون مثالاً على هذا النوع، قال عبد الله (2192): "ثني أبي ثنا هشيم قال: وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر …".
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: لم يسمعه هشيم من عبيد الله".
وكان عبد الله قد روى قبل ذلك عن أبيه: "ثنا هشيم أخبرنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.." ثم قال: "وعبيد الله بن عمر …" فظاهر هذا أن هذا من تدليس العطف.
وأما تدليس المتابعة:
فأعني به أن يروي الراوي خبراً عن شيخين له أو أكثر ويكون بين من روى عنهم اختلاف إما باللفظ أو الإسناد، فيحمل رواية أحدهما على الآخر ولا يبين.
قال ابن رجب في "شرح العلل" (ص: 506): "شعيب بن أبي حمزة عن ابن المنكدر روى عنه أحاديث منها: حديث ابن المنكدر عن جابر مرفوعاً ((من قال حين يسمع النداء … الحديث))، وقد خرجه البخاري في "صحيحه" وله علة ذكرها ابن أبي حاتم عن أبيه، قال: قد طعن في هذا الحديث، وكان عرض شعيب على ابن المنكدر كتاباً فأمر بقراءته عليه فعرف بعضاً وأنكر بعضاً، وقال لابنه أو ابن أخيه: اكتب هذه الأحاديث، فدوّن شعيب ذلك الكتاب ولم يثبت رواية شعيب تلك الأحاديث على الناس، وعرض عليّ بعض تلك الكتب فرأيتها مشابها لحديث إسحاق بن أبي فروة، وهذا الحديث من تلك الأحاديث قال ابن رجب: ومصداق ما ذكره ابن أبي حاتم أن شعيب بن أبي حمزة روى عن ابن المنكدر عن جابر حديث الاستفتاح في الصلاة بنحو سياق حديث علي، فرجع الحديث عن الأعرج، وإنما رواه الناس عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن طالب، ومن جملة من رواه عن الأعرج بهذا الإسناد إسحاق بن أبي فروة، وقيل إنه رواه عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج.
وروي عن محمد بن حمير عن شعيب عن ابن أبي فروة وابن المنكدر عن الأعرج عن محمد بن مسلمة.
ورواه أبو معاوية عن شعيب عن إسحاق عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن محمد بن مسلمة، فظهر بهذا أن الحديث عن شعيب عن أبي فروة وكذا قال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث من حديث ابن أبي فروة يرويه شعيب عنه.
وحاصل الأمر: أن حديث الاستفتاح رواه شعيب عن إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر، فمنهم من ترك إسحاق وذكر ابن المنكدر، ومنهم من كنى عنه فقال: عن ابن المنكدر وآخر وكذا وقع في "سنن النسائي"، وهذا مما لا يجوز فعله، وهو أن يروي الرجل حديثاً عن اثنين أحدهما مطعون فيه والآخر ثقة، فيترُكُ ذكر المطعون فيه ويذكر الثقة، وقد نص الإمام أحمد على ذلك وعلّله بأنه ربما كان في حديث الضعيف شيء ليس في حديث الثقة وهو كما قال فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف، وحديث الآخر محمولاً عليه، فهذا الحديث يرجع إلى رواية إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر، ويرجع إلى حديث الأعرج ورواية الأعرج له معروفة(15) عن ابن أبي رافع عن علي، وهو الصواب عند النسائي والدارقطني وغيرهما، وهذا الاضطراب الظاهر أنه من ابن أبي فروة لسوء حفظه وكثرة اضطرابه في الأحاديث وهو يروي عن ابن المنكدر …
وقد كان بعض المدلَّسين يسمع الحديث من ضعيف فيرويه عنه ويدلسه معه عن ثقة لم يسمعه منه فيظن أنه سمعه منهما كما روى معمر: عن ثابت وأبان وغير واحد عن أنس –رضي الله عنه-: عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أنه نهى عن الشغار)).
قال أحمد: هذا عمل أبان، يعني أنه حديث أبان وإنما معمر يعني لعله دلسه..
ومن هذا المعنى: أن ابن عيينة كان يروي عن ليث وابن أبي نجيح جميعاً عن مجاهد عن أبي معمر عن علي حديث القيام للجنازة.
قال الحميدي: فكنا إذا وقفناه عليه لم يدخل في الإسناد أبا معمر إلا في حديث ليث خاصة، يعني أن حديث: ابن أبي نجيح كان يرويه عن مجاهد عن علي منقطعا، وقد رواه ابن المديني وغيره عن ابن عيينة بهذين الإسنادين ورواه ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح وحده وذكر في إسناده مجاهداً وهو وهم.
قال يعقوب بن شيبة: كان سفيان بن عيينة ربما يحدث بالحديث عن اثنين فيسند الكلام عن أحدهما فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله". ا.هـ.
في هذا الكلام الذي سبق ذكر ابن رجب ثلاثة أمثلة والكلام فيها قد يطول وبالذات الحديث الأول، ولكن أذكر باختصار معنى ما ذكره ابن رجب فيما يتعلق بهذا النوع من أنواع التدليس:
فأما الحديث الأول: فأقول وبالله التوفيق:
شعيب من كبار الحفاظ وحديثه على ثلاثة أقسام:
1- إذا حدث عن الزهري وهو أصح حديثه، بالذات إذا كان من كتابه، فكتبه من أصح الكتب وقد أثنى عليها أحمد ثناءً كبيراً.
2- إذا حدث عن غير الزهري ولا يكون شيخه ابن المنكدر كنافع مثلاً، وهذا أيضاً صحيح، ولكن دون الأول، وبالذات إذا كان من كتابه.
3 - إذا حدث عن ابن المنكدر فقد تكلم أبو حاتم الرازي في روايته عنه، والسبب في ذلك أن شعيباً أراد أن يسمع من ابن المنكدر فكتب أحاديثه ويظهر أنه أخذها من غير ثبت - ولعله ابن أبي فروة- فعندما عرضها على ابن المنكدر عرفه بعضها وأنكر البعض ويبدو أن شعيباً لم يصحح ذلك وبقي الكتاب عنده، وكان شعيب عسرا في الراوية وعندما نزل به الموت جاء إليه وجوه الحمصيين وطلبوا منه الرواية عنه فأجازها لهم فرووها من كتبه، ومنها روايته عن ابن المنكدر، ومن حديث ابن المنكدر حيث الاستفتاح، وكان شعيب سمعه أيضاً من ابن أبي فروة، فروي عن شعيب عن ابن أبي فروة وابن المنكدر، وروي أيضاً عن ابن المنكدر لوحده ويرى ابن رجب أن لفظ الحديث إنما هو لابن أبي فروة وليس لابن المنكدر، واستدل بهذا على تأييد كلام أبي حاتم الرازي في حديث الدعاء بعد الأذان، وهذا الحديث صححه البخاري بإخراجه في "صحيحه" (614) وأخرجه الترمذي (211) وقال: "حديث حسن(16) غريب من حديث ابن المنكدر لا نعلم أحداً رواه غير شعيب بن أبي حمزة".
وصححه ابن حزيمة (420) وابن حبان (1681).
والكلام على هذا المثال يطول، ولكن كما ذكرت المقصود هو الكلام على هذا النوع من أنواع التدليس.
وأما المثال الثاني الذي ذكره:
فرواه معمر عن ثابت وأبان بن أبي عياش -وهو متروك- كلاهما عن أنس –رضي الله عنه-، فذهب أحمد إلى أن اللفظ المذكور إنما هو لفظ أبان وليس ثابت، وأن لفظ حديث ثابت يختلف فعلى هذا يكون الحديث ضعيفاً.
وأما المثال الثالث:
فروى ابن عيينة حديثاً عن ليث -وهو ابن أبي سليم- وهو ضعيف عن مجاهد عن أبي معمر عن علي - رضي الله عنه - به.
ورواه أيضاً عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن علي به، ومجاهد لم يسمع من علي فيكون منقطعاً، فأحياناً يروي ابن عيينة الحديث عنهما فيعطف رواية ابن أبي نجيح على رواية ليث ولا يبين وهذا يفيد أن ابن عيينة أحياناً يدلس عن الضعفاء وإن كان الغالب عليه لا يدلس إلا عن الثقات.
ومن الأمثلة على ذلك:
ما رواه أبو داود (1573) من طريق ابن وهب أخبرني جرير بن حازم وسمى آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي - رضي الله عنه - فذكر حديثاً في الزكاة.
* قال الزيلعي في "نصب الراية" (2/328): "ولا يقدح فيه ضعف الحارث لمتابعة عاصم له، وقال عبد الحق في أحكامه: هذا حديث رواه وهب عن جرير بن حازم عن أبي إسحاق عن عاصم، والحارث عن علي، فقرن أبو إسحاق بين عاصم والحارث، والحارث كذاب، وكثير من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا، وهو أن الحارث أسنده وعاصم لم يسنده فجمعهما جرير وأدخل حديث أحدهما في الآخر وكل ثقة رواه موقوفاً، فلو أن جريراً أسنده عن عاصم وبين ذلك أخذنا به" ا.هـ.
قلت: وما قاله عبد الحق واضح وهو أن رواية عاصم عن علي موقوفة، وقال أبو داود: "ورواه شعبة وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ولم يرفعوه". ا.هـ.
وأما رواية الحارث عن علي فهي مرفوعة فرواه جرير عن أبي إسحاق عن عاصم والحارث عن علي مرفوعاً، والصواب التفصيل كما تقدم.
مثال آخر:
روى الترمذي (1728): "ثنا قتيبة ثنا سفيان بن عيينة وعبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس –رضي الله عنهما- رفعه: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر))".
قلت: اختلف الرواة عن زيد بن أسلم في لفظ هذا الحديث فبعضهم رواه بلفظ ((أيما …)) كما هي رواية ابن عيينة، ورواه آخرون بلفظ ((إذا دبغ الإهاب …)) كما تقدم كما هي رواية مالك وغيره وفي رواية قتيبة السابقة يبدو أنه عطف رواية ابن عيينة؛ لأنه جاء من طريق آخر عن الدراوردي بلفظ ((إذا دبغ.. )) فقد رواه الدارقطني (1/46) في "سننه" من طريق ابن أبي مذعور عن الدراوردي به.
والأمثلة على هذا النوع من أنواع التدليس تكثر لمن أراد أن يتتبعها، فهذا النوع من أنواع التدليس مهم جداً، ويخفى على الكثير كما قال عبد الحق: "وكثير من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا"، وعندي أن هذا النوع أخطر وأكثر خفاء من تدليس التسوية لأمرين:
1- لكثرة وقوعه بخلاف التسوية، فإنه نادر.
2- لأنه أكثر خفاء من التسوية كما تقدم. والله - تعالى - أعلم.
وقليل من نبه على هذا النوع من أنواع التدليس، وقد نبه عليه أيضاً الخطيب فقال في "الكفاية" (ص: 377): "باب في المحدث يروي حديثاً عن الرجلين أحدهما مجروح هل يجوز للطالب أن يسقط اسم المجروح -وذكر مثالاً-، ثم قال: ولا يستحب للطالب أن يسقط المجروح ويجعل الحديث عن الثقة وحده خوفاً من أن يكون في حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين أو حمله عليه وقد سئل أحمد بن حنبل عن مثل هذا في الحديث يروى عن ثابت البناني وأبان بن أبي عياش عن أنس فقال فيه نحوا مما ذكرنا" ا.هـ.
وبسبب ذلك تكلم الحافظ في جمع من الرواة كانوا إذا حدثوا أحياناً يجمعون أكثر من واحد من شيوخهم في الحديث الواحد أو المسألة الواحدة ولا يفرقون بين رواية أحدهم عن الآخر وقد يكون بينهما اختلاف.
قال المروذي: "سألت أحمد عن (محمد بن إسحاق)، فقال: هو حسن الحديث ولكنه إذا جمع بين الرجلين، قلت: كيف؟ قال: يحدثِّ عن الزهري فَيَحْمِلُ حديث هذا على هذا.." ا.هـ من "العلل" رواية المروذي (ص: 61).
* وقال ابن سعد في "الطبقات" (6/349): "إن ليثا(17) كان سأل عطاء وطاووس ومجاهداً عن الشيء فيختلفون فيه، فيحكي عنهم في ذلك الاتفاق من غير تعمد له" ا.هـ.
* وقال أبو يعلى الخليلي في " الإرشاد " (1/417): "ذاكرت يوماً بعض الحفاظ فقلت: البخاري لم يخرّج حماد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة. فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك. فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه وهو يجمع بين أسانيد، فيقول ثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد والأوزاعي بأحاديث ويجمع بين جماعة وغيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له" ا.هـ.
قال ابن رجب -تعليقاً على ما تقدم-: "ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر أن لفظهم لم يتفق فلم يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره" ا.هـ من "شرح العلل" (ص: 463).
وقد أطال ابن رجب في "شرح العلل" الكلام على هذه المسألة وذكر الأمثلة الكثيرة على ذلك.
وأما تدليس القطع:
فلا أعرف أن أحداً وصف به سوى (عمر بن علي المقدمي) وتقدم الكلام على هذا، ويظهر أن فعله لهذا نادر كما بيّن المؤلف وفقه الله - تعالى -.
وأما تدليس الصيغ:
فالمقصود به: عندما يستعمل بعض الرواة صيغة التحديث أو الإخبار في الإجازة موهماً للسماع ونحو ذلك من تدليس صيغة التحمل.
* قال أبو الفضل بن حجر في "طبقات المدلسين" (ص: 62): "ويلتحق بالتدليس ما يقع من بعض المحدثين من التعبير بالتحديث أو الإخبار عن الإجازة موهماً للسماع ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئاً" ا.هـ.
ونبه عليه أيضاً في "النكت على ابن الصلاح" ينظر (2/624 ، 625 ، 633). وممن وصف بذلك أبو نعيم الأصبهاني، قال ابن حجر في "طبقات المدلسين " (ص: 82): "كانت له إجازة من أناس أدركهم ولم يلقهم فكان يروي عنهم بصيغة أخبرنا ولا يبين كونها إجازة لكنه كان إذا حدث عمن سمع منه يقول: ثنا سواء ذلك قراءة أو سماعاً وهو اصطلاح له تبعه عليه بعضهم، وفيه نوع تدليس لمن لا يعرف ذلك" ا.هـ.
قلت: والأمثلة على هذا كثيرة.
وأما تدليس البلدان:
فهو: أن يقول الراوي مثلاً: حدثنا بما وراء النهر، ويقصد بالنهر (دجلة) وليس (نهر جيحون). ينظر "الاقتراح" لابن دقيق العيد (ص: 212).
وأما تدليس المتون:
فقد ذكره أبو المظفر السمعاني في كتابه " قواطع الأدلة " (2/323) فقال: "وأما من يدلس في المتون فهذا مطرح الحديث مجروح العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه فكان ملحقاً بالكذابين ولم يقبل حديثه" ا.هـ.
قلت: إذا كان أبو المظفر يقصد تغيير المتن تعمداً من الراوي أو حمل هذا المتن على إسناد آخر فهذا كذب لمن تعمده، ولكن لا يسمى –اصطلاحاً- تدليساً، وأما إذا لم يتعمد فهذا أيضاً لا يسمى تدليساً وإنما خطأ وسوء حفظ(18).
وأما التدليس الأخير:
وهو الحادي عشر: فالمقصود به هو مثل ما رواه أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- قال: "خرج النبي- صلى الله عليه وسلم - لحاجته … "ا.هـ.
وقد اختلف على أبي إسحاق في هذا الحديث فرواه: زهير عنه عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله، ورواه غيره عن أبي إسحاق غير ما تقدم.
* قال أبو عبد الله الحاكم في " معرفة علوم الحديث " (ص: 135): "قال علي: وكان زهير وإسرائيل يقولان عن أبي إسحاق أنه كان يقول ليس أبو عبيدة حدثنا ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن النبي- صلى الله عليه وسلم - في الاستنجاء بالأحجار الثلاثة.
قال ابن الشاذكوني: ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى، قال أبو عبيدة: لم يحدثني ولكن عبد الرحمن عن فلان عن فلان ولم يقل حدثني فجاز الحديث وسار" ا.هـ.
فالشاذكوني يرى أن أبا إسحاق دلس في قوله: "ليس أبو عبيدة ذكره … "، ولذلك قال: "ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى، وهو تدليس في الإسناد في الحقيقة ولكن صورته قد تختلف".
قلت: ومثله ما رواه عبد الله بن أحمد في "العلل" (2229) فقال: "ثني أبي قال ثنا هشيم قال: أما المغيرة وأما الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم: لم ير بأساً بمصافحة المرأة التي قد خلت من وراء الثوب.
قال عبد الله: سمعت أبي يقول: لم يسمعه من مغيرة ولا من الحسن بن عبيد الله" ا.هـ.
وقريب مما تقدم ولكنه ليس مثله:
ما رواه أيضاً عبد الله في " العلل " (2243): "ثني أبي ثنا هشيم عن التميمي عن أبي الضحى والحسن بن عبيد الله عن أبي الضحى أن رجلاً جاء إلى ابن عباس –رضي الله عنهما-… قال عبد الله، قال أبي: لم يسمعه هشيم من التميمي ولا من الحسن بن عبيد الله شيئاً".
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد ذكر أهل العلم تقسيمات أخرى للتدليس.
(1) وقد وصفه الحافظ ابن حجر بذلك على الصواب كما في " طبقات المدلسين " له.
(2) أي ممن تقدم.
(3) قد يلاحظ على ابن سعد اهتمامه بالتدليس من خلال حكمه على الرواة.
(4) سيأتي إن شاء الله - تعالى -الكلام عليه.
(5) كذا، ويبدو أن هناك سقطاً في الكلام.
(6) وهذا النوع من التدليس لم يثبت أن الوليد كان يفعله إلا في حديث الأوزاعي وقد بين ذلك في هذه الرسالة.
(7) ذكرت هذا، وقد وجدت أن المؤلف وفقه الله - تعالى - قد ذكره.
(8) وصفه بذلك أبو زرعة الدمشقي، كما في "المجروحين" لابن حبان (1/94).
(9) وصفه بذلك أو زرعة الدمشقي، كما في "المجروحين" لابن حبان (1/94).
(10) وصفهما (الأعمش والثوري) الخطيب كما في "الكفاية" (ص: 364) ونقل في(ص: 365): "عن عثمان بن سعيد الدارمي أن الاعمش ربما فعل ذا". ا.هـ.
(11) "النكت" لابن حجر(2/621)، وقد ذكر الإمام أحمد أمثلة كثيرة جداً على تدليس هشيم كما في العلل براوية عبد الله، وفي هذه الأمثلة أنواع من التدليس كان يفعلها هشيم، ومنها (723) لعله من تدليس التسوية.
(12) وصفه بذلك ابن رجب كما في شرح العلل (ص: 473).
(13) وصفه ابن حبان بذلك في "المجروحين" (1/116).
(14) كما في "المجروحين" لابن حبان (1/201) فقال: "وإنما امتحن بقية بتلاميذ له كانوا يسقطون الضعفاء من حديثه فالتزق ذلك كله به" ا.هـ.
(15) في الأصل معرفة.
(16) هذا ما جاء في أكثر نسخ الترمذي، وفي نسخة: (حسن صحيح)، والأول أصح لأنه جاء في أكثر النسخ.
(17) هو: ابن أبي سليم.
(18) وقال محقق " القواطع": "تدليس المتون: هو المسمى في اصطلاح المحدثين المدرج.."، قلت: فإذا كان المقصود هو هذا فهذا يسمى في الاصطلاح إدراجاً كما تقدم

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.31 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 31.68 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.94%)]