عمل أهل المدينة (حقيقته وأثره في اختلاف الفقهاء)
*رجاء بنت صالح باسودان باحثة سعودية.
المبحث الثاني : رأي بعض الفقهاء والأصوليين في عمل أهل المدينة
1 - الشافعي[44]
قال في الرسالة : ولست أقول ولا أحد من أهل العلم : هذا مجتمع عليه إلا لما تلقى عالماً أبداً إلا قاله لك وحكاه عمن قبله ، كالظهر أربع ، وكتحريم الخمر وما أشبه ذلك . قال : وقد أجده يقول : المجمع عليه ، وأجد من المدينة من أهل العلم كثيراً يقولون بخلافه ، وأجد عامة أهل البلدان على خلاف ما يقول المجمع عليه[45].
2 - ابن تيمية[46]
إجماع أهل المدينة على أربع مراتب :
الأولى : ما يجري مجرى النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد ، وكذلك صدقة الخضراوات والأحباس ، وهو حجة .
الثانية : العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان ، فهذا حجة في مذهب مالك ، وهو المنصوص عن الشافعي .
الثالثة : إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين ، جهل أيهما أرجح ، وأحدهما يعمل به أهل المدينة ؛ ففيه نزاع : فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة ، ومذهب أبي حنيفة لا يرجح بعمل أهل المدينة .
الرابعة : العمل المتاخر بالمدينة ، فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعه أم لا ؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية ، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم ، وهو قول المحققين من أصحاب مالك [47].
3 - الآمدي [48]
اتفق الأكثرون على أن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم ، خلافاً لمالك ، فإنه قال : يكون حجة . ومن أصحابه من قال : إنما أراد ترجيح روايتهم على رواية غيرهم . ومنهم من قال : أراد به أن يكون إجماعهم أولى ولا تمتنع مخالفته ، ومنهم من قال : أراد بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمختار : مذهب الأكثرين [49].
4 - الغزالي [50]
قال مالك : الحجة في إجماع أهل المدينة فقط ..... ثم قال : وربما احتجوا بثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة وعلى أهلها ، وذلك يدل على فضيلتهم وكثرة ثوابهم لسكناهم المدينة ولا يدل على تخصيص الإجماع بهم [51].
5 - ابن القيم [52]
العمل نوعان : نوع لم يعارضه نص ولا عمل قبله ولا عمل مصر آخر غيره ، وعمل عارضه واحد من هذه الثلاثة [53].
المبحث الثالث : تحرير محل الخلاف
إن دعوى القول بأن الإمام مالك يرى أن إجماع الأمة هو إجماع أهل المدينة قول باطل لا أساس له من الصحة ، ولم ينقل عنه [54]. فقد زعم بعض أهل الأصول أن الإمام مالك عدّ إجماع أهل المدينة بمنزلة إجماع الأمة ( المصدر الثالث من مصادر التشريع ) وعدم اعتداده بما يخالف إجماعهم.
كذلك زعم بعضهم : أن الإمام مالك يرى إجماع أهل المدينة حجة في كل عصر دون قصره على عصر الصحابة والتابعين ، وهذا ظن فاسد لا يليق أن ينسب إليه [55].
وبناءً على ما ذكر سابقاً من الفهم الخاطئ لمراد الإمام مالك بعمل أهل المدينة شنّع أكثرهم عليه . يقول القاضي عياض في معرض الرد على هذه المزاعم : " اعلموا أكرمكم الله أن جميع أرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر إلبٌ واحد على أصحابنا على هذه المسألة مخطئون لنا فيها بزعمهم ، محتجون علينا بما سنح لهم حتى تجاوز بعضهم حد التعصب والتشنيع إلى الطعن في المدينة وعدّ مثالبها وهم يتكلمون في غير موضع خلاف ، فمنهم من لم يتصور المسألة ولا تحقق مذهبنا فتكلموا فيها على تخمين وحدس ، ومنهم من أخذ الكلام فيها ممن لم يحققه عنّا ، ومنهم من أطالها وأضاف إلينا ما لا نقوله فيها " . ثم أضاف قائلاً : " حكى أبو بكر الصيرفي وأبو حامد الغزالي أن مالكاً يقول : لا يعتبر إلا بإجماع أهل المدينة دون غيره ، وهذا ما لا يقوله هو ولا أحد من أصحابه ، وحكى بعض الأصوليين أن مالكاً يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة إجماعاً ، ووجه قوله بأنه لعله كانوا عنده أهل الاجتهاد في ذلك الوقت دون غيرهم ، وهذا ما لم يقله مالك ولا روي عنه [56].
وقال الباجي:" قد أكثر أصحاب مالك في ذكر إجماع المدينة والاحتجاج به، وحمل ذلك بعضهم على غير وجهه فتشنّع به المخالف عليه وعدل عمّا قرّره في ذلك المحققون من أصحاب مالك[57].
والذي يمكن أن يتعلق به من نسب إلى مالك أنه يرى أن الإجماع هو إجماع أهل المدينة ( في رسالته إلى الليث بن سعد ) أمران :
1 - قوله : " فإنما الناس تبع لأهل المدينة " .
2 - قوله : " فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به ، لم أر لأحد خلافه " .
فهذا لا يدل على أنه يرى تخصيص الإجماع بهم ، أو أن إجماعهم لا تجوز مخالفته ، وإنما أوضح مكانة علم أهل المدينة ، وأنهم قدوة لغيرهم ، ولا يرى لأحد عذراً في مخالفة الأمر عندهم ، إذا كان ظاهراً معمولاً به ، بل غاية ما يدل عليه أنه حجة عنده ، ولا يلزم من كونه حجة عنده ، أن يكون إجماعاً بمنزلة إجماع الأمة " [58].
وبهذا ينتفي أن يكون المراد من إجماع أهل المدينة عند الإمام مالك هو إجماع الأمة.
أنواع عمل أهل المدينة والاختلاف في حجية تلك الأعمال
النوع الأول : اتفق العلماء على أن إجماع أهل المدينة في كل ما كان طريقه النقل من النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان نقلاً لقوله : كالأذان والإقامة وغيرها ، أم لفعله : كصفة صلاته وعدد ركعاتها ومثل ذلك ، أم نقلاً لإقراره عليه الصلاة والسلام لما شاهده منهم ولم ينكره عليهم ، أم نقلاً لتركه أموراً شاهدها منهم ، وأحكاماً لم يلزمهم إياها . هذا النوع من الإجماع اتفقت أكثر النقول على أنه حجة يلزم العمل به وترك ما خالفه من قياس أو خبر واحد ؛ لأنه نقل متواتر ، فهو موجب للعلم القطعي ولا يترك العمل به [59].
قال القاضي عياض : فهذا النوع من إجماعهم ... حجة يلزم المصير إليه ويترك ما خالفه من خبر واحد أو قياس ، فإن هذا النقل محقق معلوم موجب للعلم القطعي فلا يترك لما توجبه غلبة الظنون وإلى هذا رجع أبو يوسف وغيره من المخالفين ممن ناظر مالكاً وغيره من أهل المدينة في مسألة الأوقاف والمد والصاع حين شاهد هذا النقل وتحققه ، ولا يجب لمنصف أن ينكر الحجة هذه ، وهذا الذي تكلم عليه مالك عن أكثر شيوخنا ولا خلاف في صحة هذا الطريق ، وكونه حجة عند العقلاء وتبليغه العلم يدرك ضرورة ، وإنما خالف في تلك المسائل من غير أهل المدينة من لم يبلغه النقل الذي بها [60].
وقال القاضي عبد الوهاب : لا خلاف بين أصحابنا في هذا ، ووافق عليه الصيرفي وغيره من أصحاب الشافعي كما حكاه الآمدي [61]
وقال الباجي[62]: أن مالكاً إنما عوّل على أقوال أهل المدينة وجعلها حجة في ما طريقه النقل .
أما النوع الثاني : وهو ما كان طريقه الاجتهاد والاستدلال والاستنباط ، وهذا النوع هو محل النزاع والخلاف في كونه حجة ملزمة أم لا ! يقول "ابن القيم" فيه : " وأما العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال فهو معترك النزال ومحل الجدال [63].
وقد اعتبر ابن تيمية العمل القديم (المرتبة الثانية) حجة في مذهب مالك ، وهو المنصوص عن الشافعي ، وظاهر مذهب أحمد ، والمحكي عن أبي حنيفة ، وما يعلم لأهل المدينة عمل قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما العمل الذي وافقه دليل وخالفه آخر من جنسه (المرتبة الثالثة) ففي حجيته نزاع ، فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة ومذهب أبي حنيفة لا يرجح بعمل أهل المدينة ، ولأصحاب أحمد وجهان . أما العمل المتأخر بالمدينة (المرتبة الرابعة) فقد جزم ابن تيمية بعدم حجيته ، حيث قال : " والناس على عدم حجيته ، وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وقول المحققين من أصحاب مالك [64].
حجة الإمام مالك ومن تبعه :
تتضح حججه من رسالته التي أرسلها إلى الليث بن سعد ، وهي كالتالي :
1 - أن القرآن المشتمل على الشرائع وفقه الإسلام نزل في المدينة ، وأهلها هم أول من وجه إليهم التكليف ، ومن خوطبوا بالأمر والنهي ، وأجابوا داعي الله فيما أمر ، فهي دار هجرة النبي عليه الصلاة والسلام ومهبط الوحي ، ومستقر الإسلام ، وجمع الصحابة ، فلا يخرج الحق عن أهلها .
2 - أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل ، وسمعوا التنزيل ، وكانوا أعرف بأحوال الرسول .
3 - أن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم ، فكان إجماعهم حجة على غيرهم [65].
وقد احتج من ناصر مذهب مالك بالآثار التي وردت في فضل المدينة ، وبيان شرفها ، ومنها:
1 - قوله عليه الصلاة والسلام : " إن المدينة لتنفي خبثها ، كما ينفي الكير خبث الحديد " [66].
2 - قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها" [67].
3 - قوله عليه الصلاة والسلام:"لا يكيد أحد أهل المدينة إلا إنماع كما ينماع الملح في الماء" [68].
4 - قوله عليه الصلاة والسلام : " ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال ، إلا مكة والمدينة ، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات ، فيخرج الله كل كافر ومنافق " [69]
ويرد على هذا الاحتجاج : أن الآثار قد خصتها بالذكر إظهاراً لشرفها ، وتمييزاً لها عن غيرها لما اشتملت عليه من الصفات المذكورة ، ولا يدل على تخصيص أهلها بالإجماع . وأن اشتمال المدينة على صفات موجبة لفضلها لا يدل على انتفاء الفضيلة عن غيرها ، ولا على الاحتجاج بإجماع أهلها . ولا يدل على انحصار أهل العلم فيها والمعتبرين من أهل الحل والعقد ومن تقوم الحجة بقولهم [70].
ومن ردود المخالفين لحجية عمل أهل المدينة ما لا صلة له بما قرره محققوا المالكية وأئمة مذهبهم ، وأهل العناية بالاستدلال ، وإنما ينصرف نقدهم إلى من توسع في حجية العمل من المغالين ، مما لم يقله مالك ولا أئمة أصحابه وأتباعه ، وبعض الردود تعدّى محل النزاع إلى الطعن في الفقه المدني عامة [71].
والذي احتج به الإمام مالك بن أنس من إجماع أهل المدينة ما كان يدل على النقل والتقرير من النبي صلى الله عليه وسلم ..... وهذا القول هو المؤيد بالحجة وإليه يشير كلام مالك في "الموطأ" . قال إسماعيل بن أبي أويس : سألت مالك بن أنس خالي من قوله في "الموطأ" : " الأمر المجتمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه " و" الأمر المجتمع عليه " و " الأمر عندنا " ؟ . فقال : أما قولي " الأمر المجتمع عليه عندنا لا اختلاف فيه " فهذا ما لا اختلاف فيه قديماً ولا حديثاً . وأما قولي " الأمر المجتمع عليه" فهو الذي اجتمع عليه من أرضاه من أهل العلم وإن كان وقع فيه خلاف . وأما قولي "الأمر عندنا " و " سمعت بعض أهل العلم " فهو قول من أرتضيه وأقتدي به . فذكر أن الأمر المجتمع عليه الذي لا اختلاف فيه هو الذي تناقله أهل العصر عن الذي قبلهم ، فهذا هو إجماع أهل المدينة عنده ، لا إجماع عن رأي واجتهاد ، وهذا ما لا يتوقف عن الاحتجاج به منصف ، فإنه يفيد العلم الضروري كنقلهم مسجده ومنبره وقبره [72].
العمل بقول أهل المدينة وترك خبر الواحد
وأما حجة مالك أنه كان في بعض الأحيان يقدم عمل أهل المدينة على خبر الآحاد ... هو أن ذلك الرأي المشهور المعمول به في المدينة هو سنة مأثورة مشهورة ، والسنة المشهورة مقدمة على خبر الآحاد [73].
وتفصيل القول فيه : أنه إن كان إجماع أهل المدينة أساسه النقل ، فإنه مقدم على خبر الآحاد ؛ لأنه نقل متواتر ، وخبر الآحاد لا يعارض المتواتر لأنه ظني ، والمتواتر قطعي ، وهذا أمر لا خلاف فيه عند المالكيين . أما إذا كان عمل أهل المدينة أو إجماعهم أساسه الاجتهاد ، فالخبر أولى عند جمهور المالكيين ، وبعضهم قرّر أن الإجماع يجوز أن يكون من طريق الاجتهاد ، وأن إجماع المدينة كيفما كانت أسبابه حجة مضعفة لخبر الاحاد [74].
وقد أحصى الشاطبي في الموافقات طائفة من المسائل أخذ فيها مالك بالقياس أو المصلحة أو القاعدة العامة وترك خبر الآحاد ؛ لأنه يرى الأصول التي أخذ بها قطعية أو تعود إلى أصل قطعي ، والخبر الذي ردّه ظني [75]
ومن هنا يتضح أن الإمام مالك رحمه الله يرى أن دلالة خبر الآحاد ظنية وليست قطعية ، لذلك فهو يترك العمل بالحديث الأحادي إذا صادم أصلاً قطعياً عنده .
" فقد أخذ مالك بالعديد من أخبار الآحاد في الموطأ ، ولم ينقل فيها العمل ، مما يدل على أنه لا يشترط في خبر الآحاد مصاحبة العمل له [76].
المبحث الرابع : بعض المسائل لأثر الاختلاف في العمل بقول أهل المدينة
المسائل التي يحتج بها الإمام مالك بعمل أهل المدينة كثيرة ، وقد يوافقه غيره من الأئمة على ذلك لدليل قام عنده أو لا يوافقه . وهذه بعض المسائل المتنوعة التي احتج فيها الإمام مالك بعمل أهل المدينة .
المسألة الأولى : القراءة خلف الإمام
1 – ذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى استحبابه لقراءة الفاتحة في الصلاة السرية وتركه لها في القراءة الجهرية . وحجته : أنه الأمر الذي عليه أهل المدينة . فقد جاء في "الموطأ " : قال يحي : سمعت مالكاً يقول : الأمر عندنا أن يقرأ الرجل وراء الإمام ، فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة ، ويترك القراءة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة [77].
2 - ذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إلى وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية . قال : " فواجب على من صلى منفرداً أو إماماً أن يقرأ بأم القرآن في كل ركعة لايجزيه غيرها " [78].
3 – ذهب الحنفية إلى عدم قراءة المأموم للفاتحة في الصلاتين السرية والجهرية [79].
4 – وذهب أحمد رحمه الله تعالى إلى استحباب القراءة للمأموم فيما لا يجهر فيه ، وفي سكتات الإمام وإذا كان بعيداً لا يسمع قراءة الإمام [80].
المسألة الثانية : توريث ذوي الأرحام
1 - ذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أنه لا ميراث لذوي الأرحام ، وحجته : إجماع أهل المدينة ، قال في "الموطأ" : " الأمر المجتمع عليه عندنا ، الذي لا اختلاف فيه : و الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا : أن ابن الأخ للأم ، و الجد أبا الأم : و العم أخا الأب للأم : و الخال ، و الجدة أم أبي الأم ، و ابنة الأخ للأب و الأم : و العمة و الخالة : لا يرثون بأرحامهم شيئاً [81].
2 – و ذهبت الحنفية و الحنابلة إلى أن ذوي الأرحام يرثون عندما لا يكون عاصب أو ذو فرض غير الزوجين ، على اختلاف في طريقة توريثهم تتردد بين القرابة والتنزيل . فالحنفية يختارون طريقة القرابة فيورثون الأقرب فالأقرب من ذوي الأرحام . والحنابلة يورثون على طريقة التنزيل ، أي يجعلونه بمنزلة من يدلي به ممن يرث [82].
3 - أما الشافعية فأصل مذهبهم أن لا يورث ذوو الأرحام ، بل المال لبيت المال ، و أفتى المتأخرون إذا لم ينتظم أمر بيت المال بالرد على أهل الفرض غير الزوجين ما فرض عن فروضهم بالنسبة ، فإن لم يكونوا صرف إلى ذوي الأرحام [83].
من أدلة من قال بالتوريث :
أ - قوله تعالى { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } . و هذا عموم يشمل ذوي الأرحام و يجعلهم أحق بالميراث [84].
ب - قوله عليه الصلاة و السلام " ... و الخال وارث من لا وارث له .... "و استدل به على أن الخال من جملة الورثة و هو من ذوي الأرحام : و مثله سائر الأرحام [85].
و من أدلة من لم يورث ذوي الأرحام :
أ - قوله عليه الصلاة و السلام حين سئل عن ميراث العمة و الخالة : " لا ميراث لهما " [86]
ب*- أن المواريث ثبتت بالنص ، و لا نص في ذوي الأرحام [87]
المسألة الثالثة : قتل المسلم بالذمي
اختلف الأئمة في قتل المسلم بالذمي ، إذا قتله المسلم عمداً ، هل يقتل به ؟
1 - قال مالك رحمة الله تعالى : لا يقتل مسلم بكافر إلا أن يقتله المسلم قتل غيلة فيقتل به [88].
2 - و قال أبو حنيفة و أصحابه رحمهم الله تعالى : يقتل به مطلقاً [89].
3 - أما الإمام الشافعي و أحمد رحمهما الله تعالى فقالا : لا يقتل مسلم بكافر بحال [90].
الأدلة : حجة الإمام مالك رحمه الله تعالى : عمل أهل المدينة .
من أدلة الإمام أبي حنيفة و أصحابه رحمهم الله تعالى :
- قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر و العبد بالعبد و الأنثى بالأنثى }.(البقرة: 78) . ووجه الاستدلال : عدم التفصيل في الحر بين مؤمن و غيره [91]
- قوله عليه الصلاة و السلام : " العمد قود "[92]، و هذا عمد فيجب القود به ، أي قتل القاتل ، و هو القصاص [93]
حجة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى :
- أن ظاهر الكتاب فرض القصاص بين المؤمنين المكلفين الذين ربطت بينهم أخوة الإيمان ، إذا قتل بعضهم بعضاً ، لا من انقطعت بهم الرابطة .
- سنة المصطفى عليه الصلاة و السلام حيث ثبت الدليل أنه لا يقتل مسلم بغيره بحال من الأحوال [94]
أما حجة الإمام أحمد رحمه الله تعالى :
- قول النبي صلى الله عليه و سلم : " المسلمون تتكافأ دماؤهم ، و يسعى بذمتهم أدناهم ، و لا يقتل مؤمن بكافر " [95].
- الذمي منقوص بالكفر ، و هو في هذا كالمستأمن ، و موافقة أبي حنيفة الجماعة على أن المسلم لا يقاد بالمستأمن . فكذلك الذمي إذا قتله المسلم لا يقتل به [96].
يتبع