الإسلام ومشكلات النظام الزراعي (وضع السودان ومشكلاته الزراعية نموذجا)
د. يوسف حسن سعيد
ويقول أبو عبيد جاءت الأحكام في الإحياء على ثلاثة أوجه:
أما الأحاديث في الوجه الأول فهي:
1- "من أحيا أرضاً ميتة فهي له. وما أكلت العافية منها فهي له صدقة" - والعافية أي: طالب رزق.
2- "من أحيا أرضا ليست لأحد فهو أحق بها"
وقال المحدث... وقضى عمر بن الخطاب بذلك في خلافته.
3- "من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق" فسر العرق الظالم بأن يعمل الرجل في حق غيره ليستحق به شيئا ليس له.
وحول هذا الحديث عدد من السوابق نجد فيها جوهر المبدأ الذي يسمى اليوم الأرض لمن يفلحها ولكن في توازن عظيم هو سمة التوازن الذي نجده في كل شيء في الإسلام وبهذا استحق المسلمون أن يكونوا امة وسطا بنص القرآن.
وأول سابقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم فلع نحل رجل زرع في أرض غيره من غير إذنه. وهنا حكم آخر في قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حالة أخرى قال فيها "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فله نفقته وليس له من الزرع شيء".
وفي هذا عدل لكل من الزراع وصاحب الأرض وهنالك اختلاف في حكم النحل (وهو مستديم بجعل الأرض ملكا للزراع تقريبا وبين المحاصيل الأخرى ولذلك كانت الأحكام تبعا لذلك.
ولكن لعل أقرب تطبيق لمفهوم هذا المبدأ هو الحالة التي يقطع فيها الإمام رجلا أرضا فيحتجزها ولا يعمرها وهنا قضى عمر بن الخطاب في مثل هذه الحالة بأن قومها عامرة وقومها غامرة" وخير أهل الأرض أن يردوا الفرق، للزراعين أن يدفعوا ثمن الأرض.
وتطبيق أخير هو ما كان قضى به الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز "أن يقول لصاحب الأرض: ادفع إلى هذا ما أصلح فيها فإنما عمر لك فإن قال لا أقدر على ذلك قال للآخر ادفع إليه ثمن أرضه".
باب أخير من الأبواب التي نجددها من السلف الصالح ولعلها أثرت على تراثنا السوداني نجدها تحت باب "حمى الأرض، والكلاء والماء ونبدأ بقول (الرسول صلى الله عليه وسلم): "لا حمى إلا الله ورسوله".
وأقوى وجه في تفسير هذا الحديث هي إن الإمام - الذي يقوم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم - وتأويل هذا الحديث، كما قال أبو عبيد هو إن تحمى الأشياء التي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فيها شركاء وهي الماء والكلاء والنار حيث قال صلى الله عليه وسلم "الناس شركاء في ثلاث الماء والكلاء والنار".
وهذا الحمى قد أثر في كل المجتمعات الإسلامية ولعل له صلة بالتقاليد التي تحكم عندنا استفادة القبائل البدوية بالمرعى والماء وسنرجع إلى علاقة هذا الموضوع بنظام الأرض التي وجدها الإنجليز عندنا بعد قليل.
هذا ما كان من تراث السلف الصالح وعلاقته بتراثنا السوداني الإسلامي الأصلي.
ونأتي الآن إلى ذكر موجز لفترة المهدية ونكتفي - للأسف - بمثل واحد ونلاحظ ربطه بما أسلفنا مما ذكرنا مما جاء في السنة التي لخصناها.
ففي أحد المنشورات المتعددة التي توضح حكم استغلال الأرض[19] نجد الآتي: -
".... فمن كان له طين فليزرع فيه ما استطاع زرعه وإذا عجز أو لا يحتاج إليه لا يأخذ فيه دقندى لأن المؤمنين كالجسد الواحد وما يساوي به أخاه المؤمن يكون له في ميزانه دائما بدرجات علا عند الله....... وإن كل مؤمن ملكه من الطين له ولكن من باب إحراز الآخرة فما لا يحتاج إليه يعطيه لأخيه المحتاج".
وهذه الفقرة الوحيدة تكفى لتؤكد الصلة العضوية الوثيقة بين تفكير الإمام المهدي في القرن التاسع عشر بالأحكام العمرية المتقدم ذكرها وتحمل أجمل معنى من معاني الأرض لمن يفلحها وذلك بإقناع من له أرض بأن لا يحجزها، وحتى لا يؤجرها.
وهو كان يربي أصحابه على معاني الإيثار والأخوة الإسلامية في أسمى معانيها.
هذه هي قصة المنطق وراء التراث الذي جاء في ملكية الأرض التي هي قوام السياسة الزراعية وهذه لمحة خاطفة عن وضعها أثناء الدولة الإسلامية الأولى وفي المهدية فما هو الوضع الذي وجده الإنجليز وماذا فعلوا به؟ نجد الإجابة على هذا السؤال في العبارات الآتية المقتبسة من مقالة في كتاب الزراعة في السودان عن نظام ملكية الأرض في السودان[20].
"إن التحول العادي لملكية الأرض عندما يأخذ المجتمع المتخلف في الاستقرار يسير في أطوار من الملكية الجماعية بواسطة القبيلة على الملكية بواسطة مجموعة صغيرة كالقرية إلى الملكية الفردية وتوجد أمثلة لكل هذه الأطوار في السودان كديار القبائل مثل البقارة وكالبلدان حول القرى، إلى الملكيات الفردية على النيلين أو النيل الرئيسي والجزيرة".
ولنا أن نلاحظ هنا أن هذا الوضع لم يكن يجدوه كذلك لولا الأساليب التي اتبعتها الحكومات الإسلامية منذ بداية القرن السادس عشر لتنظيم هذه الأوضاع مثلا عن طريق "الحبى" في ديار القبائل والقرى وعن طريق الإقطاع والتايبك والتوثيق والميراث في أراضي الملك الفردي.
وقد قام الإنجليزي بتقنين هذا الوضع متبعين أساليب القانون الإنجليزي تطبيقا للسياسة التي تبعتها قينسكل بأنها "السياسة المزدوجة للتعمير والحماية" ويقصد بالتنمية قيام المشروعات التي قام على رأسها مشروع الجزيرة والتي كان هدفها الكبير إنتاج القطن وغيره من بعض المحاصيل التي أعانت على تمويل الإدارة، كالصمغ وغيره.
وكل الذي فعلوه هو أن قاموا بسلسلة من أعمال تسوية ملكية الأرض وتسجيلها اعتمادا على الوثائق التي وجدوها عند الملاك والتي وصلت إليهم من الحكومات التي كانت سائدة وهي أساسا مملكة الفونج في الجزيرة ومشيخة العبدلاب في المناطق الأخرى.
وعلى ذلك فليس عندنا المشكلة العريضة التي تحتاج لإصلاح زراعي بالمعنى المعهود وإنما تواجه الآن المشاكل الآتية ونعرضها إجمالا الآن ونترك للعرض تفصيلها:
أولا: مشكلة تفتيت الملكية الفردية خاصة في الإقليم الشمالي (مسألة الميراث).
ثانيا: استخدام حقوق الملكية للتمويل وما يكتنف ذلك من مشاكل (مسألة الرهن وهل هو حلال).
ثالثا: قضية التمويل التي يرمز لها ومسألة الشيل وهل هو عمل ربوي أو هو مسألة بيع السلم الشرعية.
رابعا: مراجعة بعض علاقات الإنتاج - (نمط الجزيرة) وعرضها على المفاهيم الشرعية، من السوابق العمرية والمهدية (مثلا قضية ما سمي بالإصلاح الزراعي على النيلين تكمن أصلا في أي القانون كان فيه مسائل مجحفة (إن صاحب المشروع عليه أن يزيل كل أنقاضه - ولم تكن واقعية هنا ذكر أن مراجعة علاقات الإنتاج في الجزيرة الآن تسير في الاتجاه السليم ولكن تقييمها يحتاج لبحث مستفيض.
من بحث منشور في المؤتمر الأول لجماعة الفكر والثقافة الإسلامية
الخرطوم، السودان 29 محرم - 2 صفر 1403هـ
[1] اعتمادا على الذاكرة لعل أشهر الكتب التي قرأتها في ذلك الوقت والذي ساق هذا المثال وضغط عليه بعنف هو كتاب "من هنا نبدأ" للأستاذ خالد محمد خالد، عندما كان واضح الانتماء إلى ذلك المعسكر.
[2] ليس المقصود هنا هو مشروع الجزيرة فحسب وإنما نعني ما يمكن أن نسميه بالنمط العام الذي يرمز له نظام مشروع الجزيرة في أسلوب الاستغلال وعلاقات الإنتاج ومعاملة قضية امتلاك الأرض. لأن هذا النمط قد استنبط من خلال محاولات كثيرة بدأت على الأقل بإنشاء مشروع الزيداب عام 1906، في مستهل الحكم البريطاني واستقرت بإنشاء مشروع الجزيرة الذي بدأ إنتاجه عام 1925 ثم أصبح بعد ذلك يعتبر نظامه هو النظام الأمثل وقلد في تنظيم مشروعات القطن التي أنشئت على النيلين الأبيض والأزرق من قبل الحرب وإلى أواخر الستينات، ثم جرت محاولة نقل هذا النمط للزراعة المطرية مثلا من القدمبلية في القضارف في الأربعينيات ولكنها بدأت تظهر عيوبها وعدلت للنظام الذي لا يزال يجري تقريبا حتى الآن، ثم جرت محاولة نقلها لإنتاج السكر في الجنيد ولكن ثبت فشلها وغيرت تغييرا تاما لبقية مشاريع السكر.
هذا النمط نقلا أصلا من أسلوب الساقية كما جاء في كتاب قيشكل كما سيرد فيما بعد لابد أن يكون قد تأثر أصلا بالمعادلات الإسلامية كما سنلاحظ في سياق البحث.
[3] محمد صالح محي الدين: "مشيخة العبدلاب وأثرها في حياة السودان السياسية نشر دار الفكر، بيروت والدار السودانية، الخرطوم" الطبعة الأولى 1392هـ - 1972م.
[4] نفس المرجع: صفحات 389 - 400
[5] هذه التعابير الدارجة الواردة هنا في إطار جباية الضرائب هي: الكليفة: عندنا معناها حزمة قصب الذرة وهي وحدة قياس للعلف، وأهميتها في الجباية هي أنها كانت ضمن ما يفرض على الزراع من قبل الدولة لعلف دواب جيش الدولة والأمراء.
والعادة: معناها الواسع الذي لا يزال حتى عهد قريب يستعمله أهلنا هو العرف الذي يحكم بعض العلاقات المتعلقة بالإنتاج وقد أدركنا ذلك في مجتمعنا كان بعض الكبار يسمون أصحاب العادة ويلجأ إليهم في فض المنازعات حول أساليب استغلال الأرض والساقية وفقا للتقاليد الموروثة والمرعية - ولعلها الآن آخذة في الاندثار أو بعضا قد اندثرت تماما للأسف - أما في إطار الجباية فهي الإتاوة التقليدية التي كان يفرضها أو يتقاضاها قادة القبائل أو مناديب الدولة حسب العرف، أما العانة: فهي تحريف دارجي لكلمة "إعانة" العربية، وهي غالبا ضريبة تجبى في أوقات الملمات كالحروب وغيرها. والعلوق: وهو علف حيوانات الحكام من الحبوب خاصة الذرة أو الشعير. والسبع: هو نوع من إيجار الأرض وكل جرف من أراضي النيل لها تقاليدها، حيث يأخذ صاحب الأرض السبع أو الربع إلخ .... أو لعل السبع هنا كان ضمن الجبايات للدولة.
أما تعبير خدمة العرب: فهو معناه المجهود الذي يبذل في جمع الضرائب والإتاوات من العرب خاصة الرحل، وهو تعبير لا يزال حتى وقت قريب مستعملا عندنا في جمع الضرائب أو ما يسمى "بالطلبة" ومعناها ضرائب الأطيان والزروع.
[6] ترد ضمن هذه المجموعة الأولى كلمة "مكوس" وهي وإن كان أصلها عربيا إلا أنه وردت أحاديث وآثار إسلامية في تحريها - ولذلك لم نشأ أن نصفها بأنها شرعية بالمعنى المحدد ونلحظ بعض شأنها في هذه الحاشية
فقد ورد عنها في "لسان العرب" ما يأتي:
"المكس": الجباية ... والمكس: دراهم كانت تؤخذ من بائع السلع في الأسواق الجاهلية. والماكس: العشار .. وفي الحديث: لا يدخل صاحب مكس الجنة، المكس الضريبة التي يأخذها الماكس، وأصله الجباية. وفي حديث ابن سيرين قال لأنس بن مالك تستعملني على المكس أي على عشور الناس فأماكسهم ويماكسوني قيل: معناه تستعملني على ما ينقص ديني لما يخاف من الزيادة والنقصان في الأخذ والترك" انتهى كلام لسان العرب، وهو يوضح أن هذا التعبير يحمل معنى غير مرغوب فيه من الوجهة الدينية، ويبدو أنه مما تحفه الشبهة على الأقل. إلا أن المعنى لهذه الكلمة الوارد في كتاب مشيخة العبدلاب ص39 يعني جمارك بالمعنى المحدد وقد ورد عن سيدنا عمر كتاب الأموال لأبي عبيد المشار إليه آنفا ص87 ما يأتي: فقيل لعمر، تجار الحرب كم نأخذ منهم إذا قدموا علينا؟ قال: كم يأخذون منكم إذا قدمتم عليهم؟ قالوا العشر قال: فخذوا منهم العشر وهذه هي المعاملة بالمثل في العلاقات التجارية الدولية فإن لم يكن يأخذ أهل الحرب بلاد الكفار من التجار المسلمين هذا العشر لما أمر عمر بأن تأخذ الدولة المسلمة أي شيء من التجار غير المسلمين الذين يعبرون بلاد الإسلام بتجارتهم هذا يعني أن المسلمين الأوائل يتحرجون من مسألة المكوس أي الجمارك.
الجدير بالذكر أن من ضمن ما وجدناه عند التجار من أهلنا أنهم كانوا يستهجنون التعبير المكوس كما يستهجنون كلمة الربا، ورأينا كثيرا ممن يتصفون بشيء من الورع يأنفون من مزاولة بعض الأشياء التي كانوا يسمونها مكوسا كبعض الجبايات التي توكلها الحكومة أيام الإنجليز لبعض التجار لقاء مبلغ عادة زهيد نسبيا يوقع للحكومة مثلا على البضائع والطرود الواردة على إحدى المواني النهرية وهذا النظام يشبه ما يسمى بالإنجليزية TAXFARMING أي المقاولة على جمع الضرائب توقعا للربح فيها.
ولعل في هذا إشارة كافية لما داخل حياة المسلمين من شوائب أو شبهات - سواء جاء من الجاهلية الأولى أو انتقلت إلى دار الإسلام من معاصريهم من الجيران غير المسلمين أو من أهل ذمتهم من العصور المختلفة أو من احتكاكهم بالحضارات التي امتصوها مثل الحالة التي نستعرضها في هذا البحث ...وقد لزمت هذه الإشارة لكي لا يظن قارئ أو سامع أننا ندعي أن تطبيق الإسلام في واقع تاريخ سودانيا كان دائما يشكل المثل الأعلى كعهد الخلفاء الراشدين مثلا، ولكن نحسب أنها بلغت مستوى لا بأس به خاصة في أرقى عصورها، والمهم أن هذا التراث في طرحنا هذا لم يعجز ولن يعجز امام اختبارات التنمية الاقتصادية، بالمقارنة مع تراث أرض الأمم في هذا المضمار.
[7] انظر كتاب مشيخة العبدلاب - المذكور آنفا - مثلا، الفصل عن نظام القضاء صفحات 411 - 438 والمراجع المشار إليها فيه. يجدر التسجيل في هذه الحاشية أن هنالك عددا من المراجع الهامة التي أشار إليها هذا البحث لم تمكن من الرجوع إليها الآن ولكنها تشكل نقطة هامة للبدء في دراسة التاريخ الاقتصادي للسودان وأهمهما.
أ- طبقات ود ضيف الله التحقيق الجيد للبروفسير يوسف فضل حسن
ب- كتاب الفونج والأرض نشر شعبة أبحاث السودان، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم
انظر مثلا ص 471 من كتاب المشيخة
جـ- اقتصاد السودان في العهد الفونجي للدكتور نسيم مقار مخطوطة بدار الوثائق المركزية
[8] كانت مملكة الفونج تسيطر مباشرة على منطقة الجزيرة فقط حتى أربجي شمالا - المنطقة التي تسمى الآن بالجزيرة المروية أما مشيخة العبدلاب فكانت سيطرتها المباشرة هي المنطقة التي كانت تحكمها أصلا دولة علوة المسيحية وتمتد من أربجي على النيل الأزرق إلى حدود دولة المقرة على النيل الرئيسي ولكنها كانت تهيمن بطريقة غير مباشرة على كل أجزاء السودان الحالية من البحر الأحمر وحتى حدود دارفور الشرقية ومن حدود الحبشة جنوبا، عدا الجزيرة وحتى أسوان شمالا.
ولذلك فإن ما سيأتي ذكره من أنواع ملكية الأرض بالسودان والتي وجدها الإنجليز إنما تدخل في هذا الإطار العام وهي بذلك متأثرة بالشريعة الإسلامية تأثرا واضحا مع إنها شكلت المحيط الكبير الذي ذابت فيه الأعراف القبلية الموروثة والوافدة ولا بد أن ينظر إلى التفاوت والتباين على أنه جزء من نمط عام - كما سيرد ذكره في الورقة.
[9] قد أصبح من القضايا العلمية المسلم بها اليوم أن الزراعة هي أساس التنمية الاقتصادية الشاملة في كل البلدان وعلى مر التاريخ. وهذه إحدى المسائل العلمية القليلة التي يكاد يجمع عليها المحللون الاقتصاديون ويؤيدهم إجماع أكبر من علماء التاريخ الاقتصادي: وذلك أن المجتمع الذي يحاول الانعتاق من الركود والتخلف لا يستطيع حتى أن يبدأ عملية التطور الاقتصادي ما لم يتوفر لديه ومنذ البداية فائض مستمر من المواد الغذائية. وهذا يعني بطبيعة الحال قيام قطاع زراعي يتمتع بكفاءة عالية إذا ما استثنينا القليل جدا من البلدان التي تتمتع بمخزون ضخم من البترول يكفل لها ضروريات الغذاء والكساء والمأوى لزمن طويل وبمعدلات متزايدة في النمو على الأقل تواكب نمو القطاعات الاقتصادية الأخرى كالصناعة والتجارة والخدمات إلخ ...
وفي هذا الموضوع مراجع لا حصر لها ترد في سياق المناظرة الخاصة بقضية التوزان بين القطاعين الزراعي والصناعي أو بأيهما يكون البدء وأيهما ينال الأسبقية الأولى في برنامج التنمية الاقتصادية: انظر مثلا رسالة الدكتوراه لكاتب هذا البحث التي سبقت الإشارة إليها وما ورد فيها من مراجع
SAID YOUSIF HASSAN
The Rol of Agricultal in the ECONOMIC Develoment of the SUDAN، PHD ThESIS، Op PP. 1،205 -272
وكذلك المراجع الواردة فيه عن هذا الموضوع مثلا: انظر في قائمة مصادر البحث خاصة المرجعين الواردين في القائمة على ص 206 تحت:
1 NICHOLS WILLITMA H.
2 JOHNSTON BRUCE F. And MELLOR JOHN W.
لا نستطيع الاسترسال في هذا الموضوع الهام هنا ولكن يحسن الرجوع بهذه المناسبة الى المثال الذي ضرب في أول هذا البحث ص9 وحاشية رقم 10 لقضية الإصلاح الزراعي الذي قام به المسلمون في الأندلس في القرن الثامن الميلادي وبعده، وكان هو نقطة الانطلاق للتنمية الزراعية الشاملة والتي كانت بدورها أساسا للتنمية الصناعية التي جلبت الرخاء إلى أسبانيا لفترة السبعة القرون التي سبقت نكبة الحضارة الإسلامية هنالك فانتقلت أفكارها وعلومها إلى أوروبا بشهادة الأبحاث التاريخية التي أشرنا إليها في مكانها فيما تقدم.
أما قضية الموازنة بين المصلحة الخاصة والعامة فسيرد ذكرها في إطار الشريعة الإسلامية، عندما نعرض لها باختصار، وعندما نستعرض ما حدث في السودان خاصة حول السياسة التي رسمت حول نمط الجزيرة فيما يلي في هذا البحث.
[10] اعتمد الإنجليز أولا على السوابق التي جرت - في القرن التاسع عشر من سياسة محمد علي باشا الزراعية في مصر وفي السودان انظر رسالة الدكتوراه لصاحب هذا البحث، المذكورة آنفا ص34 وانظر كذلك قائمة المراجع RIVLIN، HELENAB كتابه عن سياسة محمد علي الزراعية في مصر بالإنجليزي.
وثانيا: اعتمدوا اعتماد كبيرا على نظام المهدية في هيكل الضرائب الذي وجدوه معمولا به في ذلك الوقت، وهي أغلبها ضرائب أطيان وزروع على النظام الإسلامي حتى إن بعض الأسماء ظلت مستعملة في عهدهم وبعضها حتى اليوم مثل كلمة عشور وهو طبعا تعبير شرعي للزكاة كان أيضا مستعملا في المهدية مع بعض التحوير في المعاني وهنالك مرجع مفصل بهذه المسائل قرأته منذ مدة ولكن لم تسعفني الذاكرة الآن باسمه لكي أعثر عليه في الوقت الضيق المتاح لهذا البحث.
[11] من أساليب محمد علي باشا في مصر مثلاً نظام الإقطاع الذي نقل عن أوروبا. انظر مثلاً:
RIVLIN، HELEN AR: MOHAMMAD ALIS AGRICULTURAL POLICY IN EGYPT OP. CIT CAMBRIDGE، HARNARD، 1961
وقد ورد في المصادر الإنجليزية التي سوف يأتي ذكرها فيما بعد أنه بدأت تتكون في السودان قبل مجيئهم نزعات تشبه الاتجاه إلى الإقطاعية بمعناها الحديث إلا انهم أوقفوها.
[12] منها قضية الشيل التي سنأتي على ذكرها وهي فيما يبدو ناشئة عما يعرف في الشريعة بين السلم ولكن لم يسعفنا الوقت للخوض في أحوال هذه الأشياء وهي مما يحتاج لبحث أصولي مستفيض.
[13] كتاب: الأموال "للإمام أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 224هـ تحقيق محمد خليل هراس دار الفكر - القاهرة بيروت 1395هـ 1975م.
[14] نفس المصدر الصفحات 69 إلى 122 من باب فتح الأرض تؤخذ عنوة وهي من الفيء والغنيمة جميعا" وأحكامها وسننها، وهي من الفيء، ولا تكون غنيمة "باب الوفاء لأهل الصلح وما يجب على المسلمين من ذلك وما يكره من الزيادة عليهم".
[15] نفس المصدر الصفحات 347 - 381 وهنا أرضية مشتركة في قضية الإقطاع مع مسألة الفتح نجدها في باب الإقطاع ص347 - 361 - ثم قضية الإحياء تحت باب "إحياء الأرضين واحتجازها والدخول على من أحياها" صفحات 362 - 381.
[16] انظر نفس المصدر ص 382 "كتاب الخمس وأحكامه وسننه، باب ما جاء في الأنفال وتأويلها وما يخمس منها"
ï´؟ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ï´¾ .. آية سورة الأنفال
ï´؟ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ï´¾ [آية 41 الأنفال] - يقول ابن سلام أن الآية السابقة تنسخ الأولى ويعترض محقق كتابه، أن الأمر يسن بشح وإنما هو تفصيل بعد إجمال، والله أعلم.
[17] الجريب = وحدة مساحة إذ أرسل عمر عثمان بن ضيق فمسح السواد ووجد 36 مليون جريب ولا ندري مقداره وأما القفيز فوحدة كيل للحبوب وفي هذه الحالة دروس كثيرة أ المساحة التفصيلية التي سبق فيها المسلمون الأوربيين بعهود طويلة وعندما يثبت أن بريطانيا مثلا نقلتها من صقلية وأول سجلات مساحة في إنجلترا يسمونها DOOMSDAY BOOK وهو سجل للمساحة والضرائب ب أننا حتى في قضية المقاييس والموازين - كأساس لمعرفة الأحكام - ولا بد أن تقوم بأبحاث كثيرة جـ هنالك مناظرة عن هل عمر فرض على النخل أيضا، وهنا وردت بعض العبارات التي تحتاج لبحث في الاقتصاد الإسلامي مثل كلمة قباله وهي تشير إلى الجعل الذي قيل إنه فرض على النخل، واعتبره آخرون أنه منهي عنه لأنه من قبل بيع الخمر قبل نفجه واعتبرت شبيهة بربا الفضل وسميت أيضا ربا العجلان ... وهذا مجال كبير للبحث العلمي.
[18] منشورات المهدية: تحقيق الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم 1969 منشور رقم 46 صفحة 196 الدقندي: إيجار الأرض.
[19] وهي مقالة بعنوان نظام ملكية الأرض الزراعية في السودان في كتاب:
J.D TOTHILL ed AGRICULTURE IN THE SUDAN LONDON ODFORD 1948.
[20] كلمة إقطاع هنا لا تعني ماهية الكلمة في الأدب الغربي والشيوعي .. لأن الكلمة في النظم الأوربية هي نظم اجتماعية يملك فيها اللورد حتى رقاب الناس.