علم أصول الفقه وأثره في صحة الفتوى(3-5)
د.عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس
الفصل الثاني
الأدلة وأثرها في صحة الفتوى
ويشتمل على تمهيد، وخمسة مباحث:
التمهيد: ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول : مراعاة ما فهمه السلف الصالح من أجل أن تؤثر "أدلة الفقه" في صحة الفتوى .
المطلب الثاني: اعتبار العلاقة الجدلية بين النص والمقصد .
المبحث الأول: الكتاب القرآن.
المبحث الثاني : السنة.
المبحث الثالث: الإجماع.
المبحث الرابع: القياس.
المبحث الخامس: الاستدلال وأثره في صحة الفتوى :
وفيه تمهيد وخمسة مطالب:
المطلب الأول: الاستدلال بالاستصحاب.
المطلب الثاني: الاستدلال بالمصلحة المرسلة.
المطلب الثالث: الاستدلال بالاستحسان.
المطلب الرابع: الاستدلال بسد الذرائع وبإبطال الحيل.
المطلب الخامس: الاستدلال بالعرف والعادة.
التمهيد:
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: مراعاة ما فهمه السلف الصالح من أجل أن تؤثر "أدلة الفقه" في صحة الفتوى:
ويُعنى بالسلف الصالح : القرون المفضلة الذين أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاري من حديث عمران بن حصين[1] رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة [2].
قال الحافظ ابن حجر[3] في "الفتح" عند شرحه هذا الحديث: «واتفقوا على أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين. وفي هذا الموقف ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن» اهـ [4].
وإن مراعاة ما فهمه السلف الصالح في الأصول والثوابت - وفي مقدمتهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - لهو السياج المنيع من تحريف معاني نصوص الكتاب والسنة، وإخراجها عن دلالاتها السليمة الصحيحة بأنواع من التأويل الفاسد، وطرق الفهم المنحرفة عن الجادّة الصحيحة.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن الكلام في أصول الفقه وتقسيم أدلته إلى: الكتاب، والسنة، والإجماع، واجتهاد الرأي، والكلام في وجه دلالة الأدلة على الأحكام أمر معروف من زمن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان، ومن بعدهم من أئمة المسلمين. وهم كانوا أقعد بهذا الفن وغيره من فنون العلم الدينية ممن بعدهم... »[5].
وأصل الاستدلال وعماده عند السلف الصالح والأئمة المحققين المجددين، وجوب اتباع الدليل. وأصل الأدلة كلها كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فمن عرف قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعرف مراد الألفاظ، ودلالاتها التي استعملها الشارع وفهمها السلف الصالح، فهو أحرى بأن يحكم مسائل الأصول، وقواعده على الوجه السليم الذي به تصح الفتوى.
ومما هو بسبيل هذا أن يُعنى هنا بتقرير أن الحجة في الحديث المقبول دون المردود.
ولعلك ترى أن هذه المسألة لها أثر كبير، وخطر عظيم في استنباط الأحكام من السنة النبوية التي هي ثاني أدلة الفقه الإجمالية؛ لأنه إذا لم يكن الحديث مقبولاً سقط كل ما بني عليه من الأحكام، وما ظنك بفتاوى مستندة إلى أخبار مردودة!![6]
وإذا تقرر هذا؛ فإن أمر التصحيح والتضعيف موكول إلى المحدثين دون غيرهم، وإلا أهدر عملهم الذي بذلوا فيه مهجهم، وأفنوا فيه أعمارهم. . . [7].
وقد صرح بهذا الإمام أبو المظفر السمعاني [8] - وهو من الأئمة في أصول الفقه - حيث قال: «واعلم أن عندنا الخبر الصحيح ما حكم أهل الحديث بصحته... ورب خبر اشتهر عند الفقهاء وأهل الحديث لا يحكمون بصحته... ورب خبر كان غريبًا عند الفقهاء وقد حكم أهل الصنعة بصحته... »[9].
ولا يرد على ما قيل في مراعاة ما فهمهُ السلف الصالح اختلاف الصحابة ومن بعدهم من المجتهدين؛ فإنه اختلاف في اجتهاداتهم، واستنباطاتهم، واختلاف في المآخذ وفي الفهوم... [10].
وآراء التابعين المخالفة لقول أحد الصحابة كثيرة معلومة مشهورة، وهذا لا يتنافى مع اتباعهم للصحابة، وسلوك مسلكهم ومنهجهم ومراعاة ما فهموه [11].
المطلب الثاني: اعتبار العلاقة الجدلية بين النص والمقصد:
إن النصوص الشرعية في الأصل متضمنة للمقاصد الشرعية المرادة منها من حيث تعليل الأحكام، والحكم، والأسباب، والغايات، واعتبار المآلات.
قال الإمام الشاطبي في هذا السياق: «وإذا دلّ الاستقراء على هذا... فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة. ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد... »[12].
ولا يخفاك إن القول بنفي تعليل الأحكام تعليلاً أصوليا فقهيا - لا على غرار التعليل الفلسفي الكلامي، ولا غرار المقولات والإلزامات الاعتزالية - قولٌ سقيم، وقد دلّ الاستقراء على اطراحه، وعدم الاتكاء عليه[13].
هذا، وإن مقتضى الاجتهاد، ومقتضى النظر الصحيح للنصوص والمقاصد من أجل عدم تناقضها عند الفتوى؛ يقتضي «اعتبار خصوص الجزئيات الأدلة الشرعية التفصيلية وما أخذ عنها من القواعد مع اعتبار كلياتها وبالعكس، وهو منتهى نظر المجتهدين بإطلاق، وإليه ينتهي طَلَقُهم[14] في مرامي الاجتهاد»[15].
فالذي يقتصر في الفتوى على مجرد ما فهمه من دليل جزئي، كآية، أو حديث، أو قياس، أو مصلحة مرسلة، أو استحسان، فهو مقصر، كالذي يقتصر في الفتوى وفق المقاصد فحسب، دون رجوع للأدلة الجزئية في كل مسألة.
وقليل من النظر هنا يفضح دعاوى بعض من لا علم له بطبيعة العلاقة بين النصوص والمقاصد، ويخرج بفتاوى غير منضبطة بالضوابط الأصولية!!
ومن الأمثلة على ذلك: - ما طار به البعض من النظر إلى الدليل الخاص في مسألة قيادة المرأة للسيارة، حيث لا يمنعها من ذلك دليل معيَّن، وأن الأصل في المسألة الحل. في حين أن الفتوى بمنعها[16] من قيادة السيارة، قد ضم إلى هذا الأصل اعتبار كلية ومقصد شرعي في حفظ الأعراض وسدّ ذرائع الفساد، كما لا يخفى.
لذا؛ فإن من المهم جدًا أن نفهم طبيعة العلاقة بين النص والمقاصد المختزنة في مضمونه؛ لأن إساءة فهم هذه المسألة كثيرًا ما تسبب اضطرابًا في التصورات والنتائج، وتجر إلى أنواع من الشطط، والانحراف، والمبالغة، إما في الاعتداد بالمصالح والمقاصد حتى لا تبقى أدنى حرمة وظيفية للنصوص الشرعية، وإما في إهدار تلك المقاصد إمعانًا في التمسك بظواهر النصوص [17].
فيجب الحذر كل الحذر من الشطط في التعويل على المقاصد، بحيث تخرج من أحكام الشريعة، ونصوصها، ورسومها.
وأين صنيع الإمام الشاطبي - إمام المقاصديين - ممن يريدون أن يقلبوا الشريعة رأسًا على عقب بحجة الاستناد إلى المقاصد؟ وأن المقصود ليس هو هيئة العبادة، وإنما العبرة بروح الشريعة ومقصودها؛ ليحلوا حراما، ويحرموا حلالا؛ وللتحلل من أحكام الشريعة... [18].
وإليك - أخي القارئ الكريم - أنواع الأدلة التي ينبغي على المفتي معرفتها في الجملة:
قال الإمام الغزالي رحمه الله: «الأدلة ثلاثة: عقلية تدل لذاتها، وشرعية صارت أدلة بوضع الشرع، ووضعية، وهي العبارات اللغوية، ويحصل تمام المعرفة فيه بما ذكرناه في مقدمة الأصول من مدارك العقول لا بأقل منه، فإن من لم يعرف شروط الأدلة لم يعرف حقيقة الحكم ولا حقيقة الشرع ولم يعرف مقدمة الشارع ولا عرف من أرسل الشارع، ثم قالوا: لا بد أن يعرف حدوث العالم وافتقاره إلى محدث موصوف بما يجب، له من الصفات منزه عما يستحيل عليه، وأنه متعبد عباده ببعثة الرسل، وتصديقهم بالمعجزات، وليكن عارفا بصدق الرسول والنظر في معجزته، والتخفيف في هذا عندي أن القدر الواجب من هذه الجملة اعتقاد جازم، إذ به يصير مسلما، والإسلام شرط المفتي لا محالة، فأما معرفته بطرق الكلام والأدلة المحررة على عادتهم فليس بشرط إذ لم يكن في الصحابة والتابعين من يحسن صنعة الكلام»[19].
ومما يؤكد أهمية معرفة الأدلة، ما يراه الناظر في قنوات الفتوى وساحات المفتين، ومن تقصير بعضهم في معرفة الأدلة، بل إنك لواجدٌ من لا يتقن آيات الأحكام، ومن يكثر الخطأ في كتاب الله، فضلاً عن الفهم عن الله سبحانه، وقل مثل ذلك في السنة، روايةً ودراية، فما الظن بفتوىً تُعدّ توقيعًا عن رب العالمين، وهي مبنية على حديث لا يصح، وكذلك في الإجماع، والناس فيه بين طرفين ووسط: إما من يخالفه بفتاوى شاذة تخالف الإجماع، فيقع في التفريط، أو من يجزم بحكاية الإجماع على مسائل خلافية فيقع في الإفراط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، أما في مجال الأقيسة فحدّث ولا حرج، عن أقيسة تورد بلا زمام ولا خطام، إن تحقق أصلها وفرعها فلا تتحقق علّتها؛ لوجود أحد قوادح العلة المعروفة [20]، وهلم جرا.
وفي مجال الاستدلال ترى الخلط في باب المصالح بين المعتبرة والملغاة، والضرورة والحاجة، والذرائع بين سدها وفتحها، والعرف والعادة بين الغلو فيها أو اطراحها، والاستحسانات بين النص والهوى، ونحو ذلك مما يجعل الإلمام بهذه الأدلة ومسائلها وتنزيلها على أفعال المكلفين أمرًا لا غنى للمفتي عنه حتى تقع فتواه موقعها الصحيح.
وهذه نبذة يسيرة عن الأدلة المهمة في مقام الفتوى أوردها مفصلةً، وأبدؤها بأصلها وهو الكتاب الكريم:
المبحث الأول: الكتاب القرآن
إن الكتاب متى أطلق في عرف أهل الشرع هكذا معرفا؛ فالمراد به القرآن الكريم. وعليه؛ فالألف واللام فيه للغلبة.
قال ابن قدامة رحمه الله [21] : "وكتاب الله سبحانه هو كلامه، وهو القرآن الذي نزل به جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم... وهو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلا متواترًا. وقيدناه بالمصاحف؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم بالغوا في نقله وتجريده عما سواه حتى كرهوا التعاشير، والنقط كيلا يختلط بغيره فنعلم أن المكتوب في المصحف هو القرآن وما خرج منه فليس منه" [22].
وتواتر القرآن الكريم ليس كأيِّ تواتر..!! إنه تواتر في الصدور وفي السطور [23]... تواتر يتجدد بتجدد القرون، والعصور، والأجيال.
وهو - القرآن الكريم - كلام الله حقيقة، ليس بمخلوق [24] "منه بدأ وإليه يعود" [25]. فهو - كما يقول الإمام الشاطبي -: "كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار، والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه.وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه؛ لأنه معلوم من دين الأمة " [26].
ومالم يتواتر فهو قراءة شاذة [27] عند الأصوليين.
واختلف في الاحتجاج بها في الأحكام، وتنزيلها منزلة خبر الواحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا على أنها قرآن؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه في صيام المتمتع: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات"بزيادة "متتابعات"، وهذه المسألة اجتهادية مبسوطة في مظانها [28].
ومما لاشك فيه أن كتاب الله تعالى هو الأصل للأدلة كلها.
لذا فإنه يشترط في المفتي أن يكون عالمًا بالقرآن، فإنه أصل الأحكام، ومنبع تفاصيل الإسلام، ولا ينبغي أن يقنع فيه بما يفهمه من لغته، فإن معظم التفاسير يعتمد النقل، وليس له أن يعتمد في نقله على الكتب والتصانيف، فينبغي أن يحصل لنفسه علما بحقيقته، وكذا معرفة الناسخ والمنسوخ فإنه أمر لابد منه للمفتي حتى لا يفتي بحكم منسوخ، وعلم الأصول أصل في هذا الباب، حتى لا يقدم مؤخرًا ولا يؤخر مقدمًا، ويستبين مراتب الأدلة والحجج[29].
يقول الإمام الشافعي رحمه الله: " لا يحل لأحد يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر، وما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، ويكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هذا هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي"[30].
وسيأتي بيان جهات دلالات آيات الكتاب، وكذا السنة ومقتضيات ألفاظهما وطرق دلالاتهما على الأحكام في الفصل الثالث: "الدلالات وأثرها في صحة الفتوى".
وبعد تمام القول في الدليل الأول، فهذا أوان الشروع في الدليل الثاني وهو السنة.
المبحث الثاني: السنة
وتعريفها عند الأصوليين أنها: "قول النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن،وفعله، وإقراره،وزاد الشافعية وهمه" صلى الله عليه وسلم.[31]
والسنة النبوية هي الأصل الثاني للتشريع، والعمل بكتاب الله متوقف عليها؛ لأنها بيان وتفسيرٌ له. وعلى هذا يدل كلام بعض الأئمة، كقول الأوزاعي[32] :" الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب "، وكقول يحيى ابن أبي كثير[33] :"السنة قاضية على الكتاب، ليس الكتاب بقاض على السنة" لكن الإمام أحمد لما سئل عن هذا كرهه، وقال: "ما أجسُرُ على هذا أن أقوله، ولكن السنة تفسر الكتاب، وتبينه" [34]، والكتاب والسنة أصل واحد باعتبار أنهما وحي من الله، وباعتبار الحجية، ووجوب الاتباع "إذ هما ملاك الدين وقوام الإسلام" [35].
ولتوقف حجية السنة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد وقع الاتفاق على عصمته صلى الله عليه وسلم بعد النبوة مطلقًا فيما دلت عليه المعجزة، وفي دعوى الرسالة، وفي أمر التبليغ عن الله تعالى، وفي الأحكام والفتوى، ولو في حال الغضب، بل يستدل على شدة غضبه صلى الله عليه وسلم على التحريم، وفي الكبائر والصغائر المزرية[36]. قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر: 7، وقال صلى الله عليه وسلم: » ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه«[37]، وقال: »وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله«[38].
والأحاديث في هذا المعنى معلومة مشهورة [39]. وهي بيان لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ~ إِنْ هُوَ إِلاَ وَحْيٌ يُوحَى} النجم: 3-4. قال العلامة صديق القنوجي البخاري[40] :"والآية - يعني آية النجم هذه - دليل كون السنة المطهرة وحيًا يوحى" [41].
وتنقسم السنة باعتبارات:
أولاً: باعتبار ذاتها إلى قولية، وفعلية، وتقريرية [42].
ثانيًا: باعتبار منزلتها من القرآن الكريم تنقسم إلى:
أ – السنة المؤكدة المقررة لما في القرآن الكريم كوجوب الصلاة، فإنه ثابت بالكتاب والسنة[43].
ب – السنة المبيِّنة المفسرة لما في القرآن الكريم، من حيث بيان مجمله، وتخصيص عمومه، وتقييد مطلقه، ومن حيث نسخه؛ لأن النسخ من أوجه البيان؛ لكونه بيان انتهاء مدة الحكم.
ومن الأصوليين من يسمى النسخ بيان التبديل [44].
ج – السنة الاستقلالية، أي الزائدة على ما في القرآن الكريم، وهي التي تكون موجبة لحكم لم يأت إيجابه في القرآن أو محرِّمة لما لم يأت تحريمه في القرآن، كأحكام الشفعة، وميراث الجدة [45]، وفي هذا يقول الشافعي رحمه الله: "ومنه ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس لله فيه نصّ حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلى حكمه. فمن قبل عن رسول الله فبفرض الله قبِل" [46].
وقد وقع الاتفاق على إثبات أحكام شرعية بالسنة ليست في كتاب الله. ولا يرد على هذا ما جاء عن الإمام الشافعي في حكايته الخلاف في هذا القسم من السنة [47] فليس مراده رحمه الله وجود خلاف في هذا، بل في مخرجه وتوجيهه، هل هو على الاستقلال بالتشريع، أو بدخوله ضمنا في نصوص القرآن [48]. وبمثل هذه التوجيه الأخير يوجه ما قرره الإمام الشاطبي في "الموافقات" من عدم استقلال السنة بالتشريع حيث قال: "فلا تجد في السنة أمرًا إلا والقرآن قد دلّ على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية... " [49].
ولهذا قال العلماء إن الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي في التسمية فقط، لاتفاق الجميع على أن في السنة أحكامًا كثيرة ليست في القرآن الكريم [50].
وعليه؛ فلا يصح حديث في عرض السنة على الكتاب البتة [51]، وكل ما جاء في هذا؛ فضعيف أو منكر أو موضوع مختلف. كما قاله الإمام عبد الرحمن بن مهدي [52] - فيما نقله عنه ابن عبد البر رحمه الله.
وذكر - ابن عبد البر - ما محصله : أن قوما من أهل العلم عرضوا هذا الحديث على كتاب الله، فوجدوه مخالفًا له، إذ في كتاب الله مطلق الأمر بطاعته صلى الله عليه وسلم، والتأسي به، والتحذير من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم جملة على كل حال... [53].
يتبع